تُعرَف كثير من ذكور طيور الجنة بألوانها الزاهية وريشها قزحي الألوان، غير أن العديد من أنواع تلك الكائنات الاستوائية العجيبة يكسوها ريش حالك السواد. وقد توصل الباحثون الآن إلى الأسرار البنيوية الكامنة وراء هذا الريش الممتص للضوء، الذي يضاهي في سواده الحالك السوادَ المخملي العميق لبعض الخامات التي يصنعها الإنسان.

يحصل الريش -مثل أغلب الأجسام المعتمة- على ألوانه بإحدى طريقتين، إذ تتحدد الأطوال الموجيَّة للضوء الذي يعكسه أي جسم بناءً على الصبغات أو طلاءات الأسطح (صبغة الميلانين بالجلد ومادة الكلوروفيل في أوراق الشجر، على سبيل المثال)، أو على بنى دقيقة على سطحه أو داخله (مثل الفراشات والخنافس قزحية اللون). غير أن الريش حالك السواد الذي يستخدمه بعض ذكور طيور الجنة في أثناء استعراض التزاوج يقع على النقيض تمامًا من تقزُّح الألوان، وفقًا لما تقوله داكوتا ماكوي، عالِمة الأحياء التطورية بجامعة هارفارد، التي شاركت في تأليف الدراسة. فقد أثبتت التجارب المعملية التي أجراها فريقها أن ريش الذكور الحالك السواد يمتص ما يصل إلى 99.95% من الضوء المرئي الساقط عليه. وقد نُشرَت النتائج في هذا الأسبوع بدورية نيتشر كوميونيكيشنز.

وبإمعان النظر في الريش، تتضح حيلة احتجاز الضوء التي يستعين بها، وهي البنى الدقيقة أو الشعيرات المتناهية الصغر (الأسيلات) ذات الشكل المهترئ الموجودة بالقرب من طرف الريش المستخدم في الاستعراض. وفي المقابل، تتمتع الشعيرات الموجودة على الريش المستخدم في الطيران بخطاطيف صغيرة الحجم تشبه "لاصق فيلكرو"، تساعده على الإمساك بالريش المجاور لتشكيل سطحٍ قوي، وهو في الوقت ذاته مرن، ويساعد على التحليق.

وتقول "ماكوي": "عندما يسقط الضوء على هذه الغابة من الشعيرات، المائلة بزاوية قدرها 30 درجة تقريبًا في اتجاه الطرف الخارجي للريش، فإنه ينعكس داخل التجاويف العميقة بين هذه الأجسام بدلاً من أن ينعكس إلى الخارج".

يكتسب ريش طيور الجنة حالك السواد قدرته على امتصاص الضوء بفضل الشعيرات الدقيقة الموجودة به.

ويشير الباحثون إلى أن الشعيرات المتشعبة التي نراها على هذا الريش مختلفة تمامًا عن البنى الدقيقة التي تعطي جلود بعض أنواع الثعابين وأجسام الفراشات لونَـها الأسود شديد السواد.

يقول ماثيو شوكي، عالِم الأحياء التطورية بجامعة جنت في بلجيكا، والذي لم يشارك في الدراسة: "إن نتائج فريق جامعة هارفارد البحثي تكشف عن نوع جديد من البنية المجهرية للريش، وهذه البنية تحسِّن درجة السواد التي تنتجها الصبغات الموجودة بالريش".

تقول "ماكوي": "إن اللون الأسود التقليدي للريش الذي يكسو طيور الجنة -إلى جانب ريش نوع آخر أخضعه الفريق للدراسة- يعكس الضوء بمعدل يتراوح بين 10 أضعاف و100 ضعف ما يعكسه الريش شديد السواد. كما تشير إلى أن المزيد من الاختبارات أكَّدت أن قدرة الريش على امتصاص الضوء تنبع من بنيته المجهرية. وأن الريش ظل محتفظاً بسواده المخملي حتى بعد طلائه بطبقة رقيقة لامعة من اللون الذهبي، في حين بدا لون الريش الأسود العادي ذهبيًّا كما هو متوقع.

لماذا إذًا تطور الريش حالك السواد لدى ذكور طيور الجنة؟ تقترح "ماكوي" وزملاؤها أن الهدف من ذلك هو أن تبدو الذكور جذابةً للشريكات المُحتملات. وفي كل الأنواع التي درسها الباحثون وكانت ذكورها مكسوةً بهذا الريش المخملي، اتضح أن الريش شديد السواد يكون دائمًا مجاورًا تمامًا لريش فاتح قزحي اللون. وتذكر ماكوي أنه في أثناء استعراضات التزاوج، ترفع الذكور ريشها المخملي بحيث يبدو للإناث لونه الأسود في أحلك حالاته.

يقول شوكي: "هذا بالتأكيد لا علاقة له بالتمويه. فهذا الريش الحالك السواد يعزِّز درجة تبايُن الألوان بالاستعانة بالريش الفاتح القزحي اللون المجاور له".