تؤدي الميكروبات دورًا مهمًّا في التأثير على قابلية الإصابة بالسرطان وتطور الورم، لا سيما في سرطانات القولون والمستقيم، كما تشير الدلائل الناشئة إلى أن الميكروبات تُعد مكوناتٍ أساسيةً لنسيج الورم ذاته في مجموعة واسعة من أنواع السرطان، مثل سرطانات البنكرياس والرئة والثدي.

وترتبط السمات الميكروبية بمخاطر الإصابة بالسرطان والتشخيص واستجابات العلاج، إلا أن  الوظائف البيولوجية للميكروبات المقيمة في الورم تظل غير واضحة، خاصةً دورها في تطور الورم السرطاني.

وتشير دراسة صينية حديثة إلى أن هناك بكتيريا موجودة في الأورام تساعد الخلايا السرطانية على الانتشار في الجسم، وأن البكتيريا توجد داخل الورم بشكل شامل في مجموعة متنوعة من أنواع السرطان، لكن معناها الفسيولوجي غير واضح حتى الآن.

وكشفت الدراسة التي أجراها باحثون بجامعة "ويستليك" الصينية في الصين، ونشرتها دورية "سيل" (Cell) اليوم "الخميس"، 7 أبريل، أن البكتيريا تعزِّز النقائل السرطانية في مجرى الدم، ما يعزِّز بقاء الخلية السرطانية في أثناء تطور الورم.

والنقائل السرطانية –والتي تُعرف أيضًا بـ"الانبثاث"- مصطلح يُستخدم لوصف انتشار الخلايا السرطانية من المكان الذي بدأ فيه الورم إلى جزء مختلف من الجسم، وهي ناجمة عن الخلايا السرطانية المنبثقة من الورم الأصلي؛ إذ تنفصل عن الورم الأصلي وتنتقل إلى أعضاء أخرى في الجسم، وبعدها تنمو وتتحول إلى أورام ثانوية.

وللوصول إلى نتائج الدراسة، استخدم الباحثون نموذجًا لفأر مصاب بسرطان الثدي يحتوي على كميات كبيرة من البكتيريا داخل الخلايا، على غرار سرطان الثدي البشري، ووجدوا أن الميكروبات يمكن أن تنتقل عبر الدورة الدموية مع الخلايا السرطانية وتؤدي أدوارًا مهمة في انتشار الورم الخبيث.

من جهته، يوضح شانج كاي -الأستاذ المساعد في مختبر ويستليك لعلوم الحياة والطب الحيوي في جامعة "ويستليك"، وقائد فريق البحث- أن "سلوك الخلية السرطانية يتم التحكم فيه أيضًا بواسطة الميكروبات المختبئة داخل الأورام، والتي كان يُعتقد في الأصل أن لا دور لها، وتختلف تلك الميكروبات عن المكونات الجينية، والتخليقية، والاستقلابية التي تستهدفها معظم أدوية السرطان"، وفق قوله.

يضيف "كاي" في تصريحات لـ"للعلم": توجد بكتيريا داخل الورم بشكل شامل في مجموعة من أنواع السرطان، لكن معناها الفسيولوجي غير واضح، وتوضح دراستنا أن هذه البكتيريا داخل الورم تختبئ داخل الخلايا السرطانية وتُمكّن الخلايا السرطانية من البقاء على قيد الحياة بشكل أفضل في أثناء الانبثاث، ويتركز دورها في حماية الخلايا السرطانية المنتشرة من الإجهاد الميكانيكي في نظام الدم من خلال إعادة تنظيم الهيكل الخلوي.

والإجهاد الميكانيكي هو مقياس للمقاومة الداخلية التي يُبديها الجسم عند هجوم قوة خارجية عليه وهي الخلايا السرطانية.

وعن أهمية النتائج، يقول "كاي": تُعد بكتيريا الورم الداخلي عاملًا جديدًا لتطور السرطان يختلف عما حددناه سابقًا مثل العوامل الوراثية أو الأيضية، وتلك البكتيريا هي وسيط حاسم تجاهلناه لسنوات فيما يتعلق بنقائل السرطان، وفي المستقبل، قد نكون قادرين على تسخير مكون الورم المهم هذا لتشخيص الورم بشكل أفضل والمساعدة في تقليل الورم الخبيث بكفاءة في مرحلة مبكرة.

ويتابع: يمكن أن تكون الجراثيم داخل الخلايا هدفًا محتملًا للوقاية من ورم خبيث في أنواع السرطان الواسعة في مرحلة مبكرة، وهو أفضل بكثير من الاضطرار إلى معالجته لاحقًا.

في المقابل، يشدد "كاي" على أن دراستهم لا تعني أن استخدام المضادات الحيوية في أثناء علاج السرطان سيفيد بالتأكيد مرضى السرطان، مضيفًا: تتنوع آليات عمل المضادات الحيوية، ويمكن أن تؤدي نتيجة إعطاء المضادات الحيوية إلى القضاء على بكتيريا الورم الداخلي، أو قد تجبر البكتيريا على غزو الخلايا السرطانية في ظروف معينة، لكن من جهة أخرى، قد تكتسب سلالاتٌ مختلفة من البكتيريا مستوياتٍ مختلفة من المقاومة ضد المضادات الحيوية، لذلك لا يزال السؤال العلمي المهم هو كيفية إدارة بكتيريا الورم الداخلي لتحسين علاج السرطان في المستقبل.

وعن خطواتهم المقبلة، أفاد "كاي" بأنه على الرغم من أن الدراسة أظهرت بوضوح أهمية بكتيريا الورم الداخلي، إلا أن هناك العديد من الأسئلة المثيرة للاهتمام ما زالت تحتاج إلى إجابة، ومنها على سبيل المثال، لماذا تحتوي أنسجة الورم على بكتيريا أكثر من نظيراتها من الأنسجة الطبيعية؟ وكيف تنجو داخل الخلايا السرطانية؟ وكيف تتداخل مع الخلايا السرطانية في تحديد مصير الخلية؟ وكيف يمكننا تسخير هذا المكون البكتيري المثير للاهتمام داخل الورم لتحسين علاجنا السريري للسرطان؟ وهذه الأسئلة العلمية المهمة هي ما نسعى لمعالجته مستقبلًا.