يؤدي الكبد دورًا حيويًّا في جسم الإنسان يشبه دور المطبخ في المنزل أو صانع الألعاب في الرياضة؛ إذ إن العضو الذي يُعَد أكبر أعضاء الجسم الصلبة يؤدي حوالي 500 وظيفة حيوية، يقوم فيها بصناعة بعض احتياجات الجسم وتمريرها والدفاع عنه.

وتشمل هذه الوظائف فلترة الدم القادم من الجهاز الهضمي قبل تمريره إلى باقي الجسم، وعرقلة أي مواد كيميائية أو أدوية قد تضر الجسم عن طريق إزالة سُمِّيَّتها، إضافةً إلى إنتاج بعض البروتينات التي تؤدي العديد من الوظائف الحيوية في الجسم.

لكن الكبد، كأي لاعب فاعل في واقع الجسم البشري، عرضة للإصابة بعدة طرق، منها بعض الأمراض الوراثية، مثل داء "ترسب الأصبغة الدموية"، وهو مرض يجعل البدن يمتص قدرًا كبيرًا جدًّا من عنصر الحديد من الطعام الذي يتناوله الشخص، بحيث يتم تخزين الزائد منه في بعض أعضاء الجسم، خصوصًا في الكبد، والقلب، والبنكرياس، ويمكن أن يؤدي ارتفاع نسب عنصر الحديد إلى حدوث حالات مرضية تهدد الحياة، مثل أمراض الكبد، ومشكلات القلب، والسكري.

وهناك أيضًا قائمة طويلة من الفيروسات تترصد للكبد بشكل خاص وتعمل على إيقاف مسيرته، منها قائمة الفيروسات الكبدية (أ، ب، ج، د، هـ)، كما تضم قائمة أعداء الكبد سرطان الكبد، والعديد من الأدوية والسموم، وكذلك إدمان الكحوليات. وتتفاوت نتائج الإصابة بهذه المؤثرات، فبعضها يُحدث تأثيرًا مؤقتًا، يتعافى بعده الكبد ويعود لممارسة أدواره، والبعض الآخر يتسبب في إصابات مزمنة قد تكون مدمرة لمسيرة الكبد، وقد تقضي على الجسد بأكمله.

وتُعد أمراض الكبد الناتجة عن شرب الكحوليات من أهم أسباب المجموعة الثانية التي تدمر الكبد؛ إذ ينتشر المرض بين مدمني الكحوليات الذين يبلغ عددهم 16 مليون شخص في الولايات المتحدة، وحوالي مليون ونصف مليون شخص في إيطاليا، ويتسبب إدمان الكحوليات في حدوث تراكُم للدهون على الكبد، يتبعها التهابات تؤدي في النهاية إلى تليُّفه مع مرور الوقت، وهي المرحلة النهائية القاتلة للمرض.

كما يُعد تليف الكبد السبب رقم 12 للوفيات حول العالم، ويتسبب مرض الكبد الكحولي وحده في نصف هذه الوفيات. وتبلغ نسبة الوفيات بين المرضى حوالي 75% في الشهور الثلاثة الأولى من تشخيص إصابتهم بالتهاب الكبد الكحولي الشديد، وليس له علاج ناجع سوى زراعة الكبد في أسرع وقت ممكن. لكن المشكلة أن هذا العلاج لا يتوافر إلا لعدد محدود من المرضى في المراكز المتخصصة، وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليه كخيار أساسي.

ثلاث مراحل

يمكن القول إن تطور مرض الكبد الكحولي يمر بثلاث مراحل، في المرحلة الأولى يتسبب الكحول في حدوث إصابة لخلايا الكبد، فتنتج عنها التهابات يحاول الجسم التعامل معها عن طريق خلايا المناعة (وهي المرحلة الثانية). وفي المرحلة الثالثة، تتسبب مشكلات الكبد في تغيُّرات في الجهاز الهضمي تؤدي إلى زيادة نمو بعض أنواع البكتيريا الضارة التي تفرز العديد من السموم القاتلة داخل الجسم، في مقابل حدوث نقص في أنواع البكتيريا المفيدة. هذا الفهم الحديث لتطور المرض أسهَمَ في ظهور أفكار علاجية جديدة تقوم على فكرة أنه "إذا كانت البكتيريا تؤدي هذا الدور في المشكلة، فهل يمكن أن يُسهِم القضاء عليها في حلها؟".

الإجابة هي نعم، وفق دراسة نشرتها دورية "نيتشر" Nature، إذ تعرف الباحثون على نوع من السموم الخلوية (سيتوليسين)، يتم إفرازه بواسطة بكتيريا "المكورات المعوية البرازية"، مشيرين إلى أن "هذا السم من أهم أسباب تدمير خلايا الكبد في بعض مرضى الكبد الكحولي".

استخدام البكتريوفاج

في الدراسة الأخيرة التي أجراها عدد من الباحثين من عدة مراكز حول العالم، وجدوا أن وجود سم السيتوليسين يرتبط بحدة المرض، وبارتفاع معدلات الوفاة بين المرضى. استخدم الباحثون البكتريوفاج -نوع من الفيروسات التي تصيب البكتيريا- كتطبيق علاجي للقضاء على المكورات المعوية البرازية في فئران التجارب، ووجدوا أن "استخدام البكتريوفاج قلل من وجود السيتوليسين في الكبد، وأبطل التأثير السلبي للكحول على خلاياه، وهو ما يدل على أن توجيه استخدام البكتريوفاج ضد هذا النوع من البكتيريا يمكن أن يسهم في منع تطور المرض".

والبكتريوفاج هي فيروسات قادرة على تدمير البكتيريا على وجه التحديد، عمل العلماء على تجريبها، في أوائل القرن العشرين، كوسيلة محتملة لعلاج الالتهابات البكتيرية. ولكن بعد أن ظهرت المضادات الحيوية تراجَعَ هذا التوجه الطبي إلى الوراء. ومع صعود الإصابات المقاوِمة للمضادات الحيوية، جدد الباحثون اهتمامهم بهذا النوع من العلاج مرةً أخرى. في حالات محدودة، عولج بنجاح المرضى الذين يعانون من الالتهابات البكتيرية المقاوِمة للعديد من العقاقير التي تهدد الحياة من خلال علاج تجريبية للبكتريوفاج، وذلك بعد استنفاد جميع البدائل الأخرى.

يقول بيرند شنابل -الأستاذ بقسم الجهاز الهضمي في كلية الطب بجامعة كاليفورنيا سان دييجو الأمريكية، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة تمت في عدة مراكز حول العالم من أجل دراسة أمراض الكبد الكحولية، إذ قمنا بتحليل المحتوى البكتيري للأمعاء في هؤلاء المرضى، وكذلك تحليل العوامل التي قد ترتبط بشدة المرض وحدوث الوفاة".

يضيف "شنابل": نعرف أن المرض يمكن أن ينتقل عن طريق نقل البكتيريا الموجودة في البراز، لذا نقلنا البراز من المرضى المصابين بالتهاب الكبد الكحولي إلى فئران التجارب، وبذلك عرَّضنا الفئران لنماذج من أمراض الكبد الكحولية، كما درسنا العلاقة بين السيتوليسين الذي تفرزه المكورات المعوية البرازية، ومرض الكبد الكحولي لدى الفئران. وأوضح: بعدها استخدمنا البكتريوفاج للتخلص من هذه البكتيريا في الفئران محل الدراسة، وبناء على نتائج هذه الدراسة، قمنا بتصميم طريقة علاجية جديدة تعتمد علي استخدام البكتريوفاج للقضاء على المكورات المعوية البرازية التي تفرز السيتوليسين، وهو ما أثبت نجاحًا في فئران التجارب.

يقول "شنابل": وجدنا أن براز المرضى المصابين بمرض الكبد الكحولي يحتوي على كميات كبيرة من المكورات المعوية البرازية، مقارنةً بمَن لا يعانون من هذا المرض، كما وجدنا أن السيتوليسين الذي يتم إفرازه بواسطة هذا النوع من البكتيريا يرتبط بتطور مرض الكبد الكحولي على نحوٍ سيئ وارتفاع نسبة الوفيات بين المرضى؛ إذ إن المرضى الذين توجَد لديهم البكتيريا يموتون خلال 6 أشهر، بينما لا يحدث هذا في غياب البكتيريا والسيتوليسين الخاص بها. لذا اعتبرنا أن وجود الجين الخاص بالسيتوليسين يمكن أن يُستخدم كمؤشر على خطورة المرض واحتمالات الوفاة. وهذه النتائج تم تأكيدها أيضًا في فئران التجارب.

يعلق أحمد شمس -المدرس المساعد بقسم الميكروبيولوجي بالمعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة- بأن "هذه الدراسة تلقي الضوء على جانب آخر من ارتباط الميكروبيوم بالأمراض، ويبدو أن تناوُل الكحول قد أدى إلى حدوث نوع من الانتقاء الطبيعي للمكورات المعوية البرازية التي تفرز السيتوليسين، وهو ما يحتاج إلى مزيد من الدراسة؛ من أجل فهم أعمق لحدوث هذه العملية".

ويضيف أن "فكرة استخدام البكتريوفاج في العلاج ليست جديدة؛ فقد تم استخدامها في الاتحاد السوفيتي السابق على نطاق واسع لعلاج العديد من أنواع العدوى. واليوم يعود البكتريوفاج مرةً أخرى إلى الواجهة بعد ظهور العديد من سلالات البكتيريا المقاوِمة للمضادات الحيوية".

خبرات سابقة

والدراسة الحديثة ليست الأولى التي تثبت علاقة الميكروبيوم بأمراض الكبد الكحولية؛ إذ أثبتت دراسة فرنسية سابقة أن قابلية الإصابة بمرض الكبد الكحولي ترتبط بتغيرات الميكروبيوم الموجود في الأمعاء. لذا اعتقد الباحثون أن إحداث تغييرات في هذا الميكروبيوم يمكن أن يفيد في منع المرض وعلاجه.

من جهته، يشير "شمس" -في تصريحات لـ"للعلم"- إلى أن "البكتيريا الموجودة في جهازنا الهضمي تسمى بالميكروبيوم، وهناك أدلة عديدة ظهرت في الفترة الأخيرة بشأن ارتباط الميكروبيوم بالعديد من الأمراض، وتشمل هذه القائمة العديد من أمراض التمثيل الغذائي، والاكتئاب، والسرطان، بالإضافة إلى بعض الأمراض العصبية، والقائمة تطول يومًا بعد يوم".

وكانت دراسة أخرى قد شددت على أن تثبيط إنتاج حمض المعدة بواسطة بعض الأدوية يمكن أن يزيد من مضاعفات أمراض الكبد الكحولية عن طريق زيادة نمو البكتيريا المعوية. وسبق أن تم استخدام البكتريوفاج كعلاج بالفعل على أرض الواقع؛ ففي عام 2016 كان توم باترسون -أستاذ الطب النفسي في كلية طب سان دييجو بجامعة كاليفورنيا- أول شخص يتم علاجه باستخدام البكتريوفاج، التي استُخدمت لعلاجه من سلالة بكتيرية قاتلة ومقاوِمة للمضادات الحيوية أصابته في أثناء إجازته في مصر.

وأدى العلاج الذي حصل عليه "باترسون" إلى نتائج مدهشة؛ إذ تحسنت صحته على نحوٍ فوري، وأفاق من الغيبوبة التي أصيب بها لمدة شهور، وعاد لممارسة مهمات وظيفته.

يقول "شنابل": العلاج الجديد سيتيح لنا تعديل الميكروبيوم واختيار سلالات البكتيريا التي تفرز السيتوليسين للقضاء عليها، ومن المهم للغاية تقييم هذا العلاج على البشر، خاصةً مع محدودية خيارات العلاج الأخرى، لذا من الضروري بدء المرحلة الأولى من التجارب السريرية على مرضى الالتهاب الكبدي الكحولي في أقرب فرصة.