تفتَّح وعي الطفل على حب العلوم. فمنذ سنوات نشأته الأولى قرر بهاء الجندي أن يُصبح مُهندسًا. لم يكن يُدرك إطلاقًا أن القدر يُخبئ له أمرًا مختلفًا. فبعد أن ظهرت نتيجة الثانوية العامة، وبسبب كسر عشري من درجة مئوية، لم ينجح "بهاء" في الالتحاق بالكلية التي كان يحلم بها. وشأنه شأن الكثيرين، قاده "مكتب التنسيق" إلى كلية العلوم بجامعة بنها. وفي سنته الأولى قرر التخصص في مجال الكيمياء. وفي عام 1999 تخرج متفوقًا على دفعته، ليسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية ويلتحق بجامعة "فلوريدا" لتنفيذ رسالة "الدكتوراة"، ويتتلمذ على يد أحد رواد ذلك العلم، الأمريكي "آلان كاتريسكي"، وينتقل بعدها إلى واحد من أهم المعاهد على مستوى العالم في مجال الكيمياء.. معهد "سكريبس" للأبحاث، حيث تعلَّم هناك أصول الكيمياء الدوائية، وتخصَّص في تخليق المركَّبات التي تنظِّم عمل المستقبلات النووية للخلايا.

كان عمل "الجندي" يجري على قدم وساق. ورسالته تُشارف على الانتهاء. وفي تلك الآونة، تعرَّف على الشخصية التي غيرت وعيه وأثرت على تكوينه بامتياز.

في مكانٍ غير المكان، وزمانٍ غير الزمان، كان الوضع مأسويًّا عقب دخول قوات النازي "هتلر" إلى العاصمة النمساوية عام 1938. وبالنسبة لطبيب الأعصاب "فيكتور فرانكل" كان الوضع مُهددًا للحياة أيضًا. فهو يهودي الديانة، وكما هو معروف في ذلك الزمان، كان "هتلر" يسوق اليهود إلى معسكرات الاعتقال. بعد عامين من الغزو الألماني، أدرك "فيكتور" أن الأمور أصبحت أصعب فأصعب. وأن المستقبل لن يحمل له –أو لبني ديانته- أي خير. تقدم للحصول على تأشيرة للولايات المتحدة الأمريكية. وبالفعل نجح في الحصول عليها، إلا أن زوجته، ووالديه، لم يُحالفهم النجاح ذاته.

credit: Bahaa el gendy

وقبل سفره بأيام، وجد خارج منزل والديه قطعةً من الحجر، مكتوبًا عليها: "أكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ"، وهو جزء من الوصايا العشر لنبي الله موسى. اضطرب "فرانكل"، وقرر المكوث مع أمه. وخلال عام، اعتقلته القوات النازية مع والدته وزوجته، أرسلت الوالدة مباشرةً إلى أفران الغاز في "أوشفيتز"، وقُتلت زوجته "تيلي" في معسكر الاحتجاز. وتعرَّض هو للتنكيل، إلا أنه في نهاية المطاف نجا من المحرقة. ليؤلف كتابه الشهير "الإنسان والبحث عن المعنى"، الذي ألهم عشرات الملايين حول العالم، ومن ضمنهم الباحث المصري "بهاء الجندي"، الذي يقول إن ذلك الكتاب "قلب حياته رأسًا على عقب".

يقول "بهاء الجندي" في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن شخصية طبيب الأعصاب النمساوي، فيكتور فرانكل، جعلته يُفكر على نحو مختلف. فالكتاب الشهير الذي خطه "فرانكل" يُطالب أن يبحث كل إنسان داخل نفسه عن معنى الوجود. وجوده ووجود غيره. وأن يفكر في الأهداف، ويفتش عن الأسباب. وعلى نحوٍ ما، قرر "الجندي" أن يُطبق ما تعلَّمه من ذلك الكتاب على علم الكيمياء.

فالكثير من مسبِّبات الأمراض يكمن في الخلل الحادث في المستقبِلات النووية للخلايا. إذًا، فدراسة تلك المستقبِلات وفهمها قد تكون الطريقة المُثلى للقضاء على الأمراض، الذي يُشكل الهدف الأسمى لكل العلماء الذين يعملون في حقل الكيمياء الدوائية.

من هنا، قرر "الجندي" تتبُّع تلك المستقبلات، التي يبلغ عددها 48 مستقبلًا خلويًّا، تتعدد وظائفها، ويُسبب أي خلل فيها الإصابة بالأمراض المختلفة، بدايةً من "ألزهايمر" وانتهاءً بـ"السرطان". يقول "الجندي": إن نحو نصف تلك المستقبِلات غير معروف ما ينظم عملها أو حتى الطريقة التي تعمل بها، "وهدفي فهم تلك المستقبِلات بصورة أفضل".

يحاول "الجندي" ومجموعته البحثية تخليق مركبات كيميائية يُطلَق عليها اسم "بروبس Probes" للتحكم في نشاط تلك المستقبلات. تقوم تلك المجسات بزيادة نشاط المستقبلات، أو تثبيطها. وبالتالي تتحكم تلك الجزيئات على نحوٍ كبير في الطريقة التي يعمل بها المُستقبل الخلوي.

credit: Bahaa el gendy

قام بهاء بدراسة سلوك تلك الجزيئات، ونجح في اكتشاف مركب عضوي مُنظم لعمل مستقبلات إكس الكبدية، كما قام أيضًا بابتكار جزيئات تستهدف مسارات الطاقة في الخلايا السرطانية، وتخليق مركب يستهدف مستقبِلات الهرمون في النوع نفسه من الخلايا.

نشر بهاء الجندي حوالي 42 ورقة علمية، وحصل على نحو 635 استشهادًا. وحاز جائزة الدولة للعلوم في عام 2015؛ تقديرًا لجهوده في مجال الكيمياء الدوائية.

يقود "الجندي" حاليًّا مجموعةً بحثية في مركز أبحاث كلينيكال فارماكولوجي Clinical Pharmacology بصيدلة سانت لويس وكلية الطب في جامعة واشنطن بسانت لويس، تعمل على تطوير جزيء جديد يستهدف خلل المستقبلات المسؤولة عن الإصابة بالضمور العضلي وألزهايمر. ويأمل أن يتمكن في المستقبل القريب من وضع "حجر زاوية في جدار فهم تلك الأمراض".

أبرز انجازات العلماء المصريين في 2019