من بين كل نجوم السينما العالمية أرى أن الأجمل هي ميريل ستريب، ويمكن أن يجادلني كثيرون في ذلك، فثمة صواريخ هوليودية غيرها، قاصفة الفتنة وساحقة الجاذبية ورائعة النحت والتلوين، ومع ذلك أصر أن "ستريب" تفوقهن جميعًا بجمالها الكلاسيكي، وإشعاع ذكائها النفسي، وموهبتها الفنية الهائلة، وشجاعتها الإنسانية فيما تختار من أعمال فنية وما تتخذه من مواقف. ونجمتي العلمية المفضلة تنطوي على هذا النوع من الجمال وتشع به، ولست وحدي في هذه المُضاهاة، فهناك صورة شهيرة منشورة في وسائل الإعلام ومُتاحة على مواقع الانترنت، نصفها لميريل ستريب ونصفها للين مارجوليس، وهما في المرحلة السنية نفسها وإن في أوقات مختلفة -مارجوليس من مواليد مارس 1938 وستريب من مواليد يونيو 1949- فكأنهما توأمان في ذلك الجمال الذي يشع بأكثر من مجموع ملامحه. هكذا هي ليندا موريس الكسندر، أو لين مارجوليس -تبعًا للاسم الذي حملت فيه كنية زوجها الثاني، وهو الاسم الذي اشتهرت به كعالمة، وأي عالمة.

      ريتشارد دوكنز، عالِم الأحياء التطورية الشهير وصاحب الكتاب الأشهر "الجينية الأنانية" كان أحد مَن قصفتهم بنقدها العلمي الساحق، ومع ذلك قال عنها: "أنا مُعجب كثيرًا بمارجوليس ذات الشجاعة المطلقة والقدرة على التحمل في التمسك بنظرية "التعايش الداخلي" endosymbiosis، التي قدمتها وتحولت إلى عقيدة علمية، وأحد أكبر منجزات القرن العشرين في البيولوجيا التطورية، وأنا معجب كثيرًا بهذا الإنجاز".

نبوغ مبكر ونضوج متمرد

     جاءت شهادة "دوكنز" في تقديمه لحديث أدلى به لجون بروكمان أورده عام 1995 في كتابه "الثقافة الثالثة"، الذي تضمَّن عدة أحاديث لمجموعة من أشهر علماء العالم في مجالات مختلفة، مع تقديم موجز من أحد العلماء المشاهير، وأكثر من تعقيب لعلماء في المجال نفسه، وهي الطريقة التي اشتهر بها "بروكمان" في كتبه "الإنسانيون الجدد" و"السنون الخمسون القادمة" وغيرها، ومن اللافت أن شهادة تقدير "دوكنز" لمارجليوس، صدرت عنه بينما شملته هي في حديثها -مع عديدين من مشاهير العلم- بنقد لاذع تبدو معه حادة جارحة، لكنها لم تكن إلا جادة عظيمة الجدية، في العِلم كما في الحياة، ولم تكن جديتها في كليهما إلا تمردًا على الرائج والمألوف غير المقنعَين لها كعقل جميل، وأنثى نابغة، منذ البداية.

     في الصف الثاني الثانوي، رشحها نبوغها الساطع للقبول ببرنامج الدراسة المبكرة بجامعة شيكاغو وكان عمرها 15 عامًا، وحصلت على البكالوريوس في علم الأحياء وهي في عمر 19، وقبل أن تتخرج بشهور قليلة عام 1957 تماست صدفة بطالب دكتوراة الفيزياء كارل ساجان، على درج أحد سلالم الجامعة، وتولَّدت عن تماس الصدفة شرارة حب بين الفتاة الصغيرة الجميلة وطالب الدكتوراة الوسيم، سرعان ما تُوِجت بالزواج. دام زواجهما سبع سنوات، أثمرت ولدين وانتهت بالانفصال عام 1967، وفيما كان نجم "ساجان" يصعد كعالِم فيزياء فلكية مرموق وكاتب علمي يتسنم القمة، ظلت "لين" بعد حصولها على الدكتوراة تُجابَه برفض توجُّهها العلمي، وما تود نشره عن هذا التوجه، لماذا؟

    على امتداد عشر سنوات، واصلت "لين" الدفاع ببسالة عن توجُّهها ومحاولة نشر أول أبحاثها الذي تكرر رفضه من 15 مجلة علمية، بل وصل الرفض والإقصاء إلى حد الاستهزاء بها عندما تقدمت لمنحة بحثية، وجاءها الرد شديد القسوة والفظاظة، يقول: "بحثك هراء، لا تكلفي نفسك عناء التقدم للمنحة مرةً أخرى". لم تزدها تلك الإهانات والاستهانات إلا صلابةً وطلاقة، فواصلت الدفاع عما تؤمن به وما بذلت في سبيل إثباته جهودًا مضنية، مرجعية ومعملية وميدانية، حشدت فيها كل أدواتها المتنوعة كعالِمة أحياء من طراز فريد جامِع، فهي باحثة في الوراثة، والبيولوجيا الجزيئية، والكائنات الدقيقة، والكيمياء الحيوية، واستطاعت عام 1967 أن تنشر عن عملها وتوجهها ورقةً بحثية في "مجلة علم الأحياء النظري"، عن نشوء وارتقاء الخلايا حقيقية النواة، من خلايا بكتيرية (لا نواة لها)، وقد تضمنت الورقة إشارة إلى اكتشافها أن الميتوكوندريا (وهي عضيات داخل الخلايا الحيوانية تعمل كمحطات لتوليد الطاقة) والبلاستيدات الخضراء (وهي أيضًا عضيات لكن في الخلايا النباتية تشكل منصات للتمثيل الضوئي) كلتيهما نشأت عن خلايا بكتيريا تقاربت وتضامت واندمجت في علاقة تعاون مشترك مع الخلايا منذ ملايين السنين، وجمعت "لين" كل ذلك تحت مُسمًّى جديد تنفرد به هو "التكافل الداخلي" أو "التعايش الداخلي".

هزَّة لعرش "التطور عبر الصراع"

     كانت تلك الورقة البحثية للين فاتحةً لما يشبه زلزالًا يهدد السلطة النافذة لعلماء التطور من داروينيين محافظين، وداروينيين جدد (زعموا التوافق بين نظرية التطور لداروين وقوانين الوراثة المندلية)، وكما هو شأن العباقرة يلمحون بداهةً ما تمر عليه العيون كثيرًا دون أن تراه، لمحت لين مارجوليس أكثر من عوار في الداروينية القديمة والجديدة (وإن ظلت تحترم رؤية الداروينية لوجود "سلف مشترك" لكل مكونات شجرة الحياة).

 أولًا: كشفت عن تغييب نظرية التطور الدارويني لقرابة ثلاثة مليارات ونصف مليار من السنين، لأن الحياة لم تبدأ بظهور الحيوان الذي بنى "داروين" وأتباعه استنتاجاتهم عليه، لأن بزوغ الحياة بدأ منذ ما يقارب أربعة مليارات سنة بالكيانات والكائنات الدقيقة، خاصةً البكتيريا التي أولتها "مارجوليس" عنايةً خاصة وكانت المنبع الأهم لإلهامها.

ثانيًا: أن الداروينية عميت عن أن ممالك الحياة ليست وقفًا على الحيوان، فمملكة الحيوان هي واحدة من خمس ممالك تضم: الأوليات (من أميبا وطحالب)، والبكتيريا، والفطريات، والنباتات، والحيوان. ولا يُعقل أن تزعم نظريةٌ امتلاكها لمخطط نشوء وارتقاء الحياة في كوكب الأرض اعتمادًا على دراسة خُمس مكونات الحياة وإهمال أربعة أخماسها.

أما ثالثًا، فكانت الضربة الكُبرى ممثلةً في تقديم بديل علمي قائم على الدليل والتجربة يقول بأن التطور ليس فقط ولا أساسًا وليد الصراع، ومن ثم تستبعد منطق "الاصطفاء الطبيعي" الذي يزعم أن البقاء للأقوى، إذ رأت أن التطور المُبدع لتنوع هائل لأشكال الحياة هو وليد التكافل أو التشارك أو التعاون بين الكائنات الحية، بدليل أن شجرة الحياة بممالكها الخمس ما كان لها أن تنشأ وترتقي دون الخطوة الأولى لنشوء الخلايا حقيقية النواة، التي هي لبنات بناء كل الكائنات عديدة الخلايا من زهور وبذور وأفيال وطيور وقردة ونموس وأفاعي وبشر وحيتان وشجر، كل ذلك التنوع الهائل هو إبداع لا يمكن حدوثه إلا بالتعاون والتكافل والتعايش والتكامل بين الأحياء جميعًا، صحيح أن الصراع موجود، لكنه يحذف لا يضيف، فضلًا عن أن يُبدع!

بعد انفصالها عن نجم الثقافة العلمية الأشهر كارل ساجان، تزوجت عام 1967 من الكيميائي توماس مارجوليس، الذي حملت كنيته فصارت تُنادَى "لين مارجوليس" وقد أنجبت منه ابنًا وابنة. crdit: Javier Pedreira/ CC BY-SA 2.5

      امتشقت "مارجوليس" حسامها المتشكل من معارف وخبرات علمية رحبة وعميقة، وجرأة في مقارعة الحجة بالحجة، وسخرية لاذعة، وروح حلوة تجعل حتى أعدى خصومها يتريث قبل أن يتجاوز الحد معها. ويبدو أن فكرة مركزية البكتيريا وآلية التكافل والتشارك والتعاون كمنطلق للتطور بدت غريبةً في ذلك الوقت، لكنها الآن مدعومة ومقبولة على نطاق واسع، وصارت جزءًا من مناهج البيولوجيا التطورية في أرقى جامعات العالم، خاصةً بعد أن أكدت صحتها التطورات الحديثة في البيولوجيا الجزيئية ودراسة الجينوم. كما تقدم لدعمها وتأييد رؤاها علماء كبار، منهم عالِم الأحياء التطورية البارز إيرنست ماير، الذي علق على عملها الأساسي قائلًا: "كان تطور الخلايا حقيقية النواة هو الحدث الوحيد الأكثر أهميةً في تاريخ العالم العضوي، ومساهمة "مارجوليس" في فهمنا للعوامل التكافلية كانت ذات أهمية كبيرة".

أمومة الأبناء والأرض والعلم

     لم تكتف "مارجوليس" ببحوث محققة وتأملات عميقة في وضع منطق التعايش نقيضًا لمنطق الصراع كأساس لتطور أشكال الحياة على الأرض، بل انتقدت فرضية "الجينة الأنانية"، طارحةً مفهوم "أننا أكبر من جيناتنا" وذهبت إلى فرضية جديدة تقول بأن الجينات لا تُقرأ فقط بل تُكتَب أيضًا، بمعنى أن جيناتنا يضاف إليها جديد عبر الحياة وتعاقب الأجيال، وقدمت عن ذلك وبمشاركة ابنها دوريان ساجان، كتابًا عنوانه "الجينات المُكتسبة"؛ فالجينات ليست صيغة جامدة، بل حية متفاعلة تكتسب معلومات جديدة في ذاكرة تتوسع بفعل التفاعل مع متغيرات المحيط الحيوي حول الكائن الحي. كما انضمت إلى عالِم الكيمياء العبقري المثير للجدل "جيمس لافلوك" صاحب نظرية "جايا" القائلة بأن الأرض نظام حي متكافل ومتجدد، فدعمت بالقرائن البيولوجية لمحته القائلة بأن كوكب الأرض كيان حيوي قادر على التنظيم الذاتي للحفاظ على استدامة إيكولوجيته (نظامه البيئي). ولعل هذا يجعلنا لمناسبة ما نمر به في غمار جائحة كورونا المُستجد نفكر في البُعد البيئي لانتشار الوباء، فبيئة الأرض كنظام حيوي عندما ينشأ ما يهدد استدامتها، ترد بقسوة لردع العامل المسؤول عن تهديد الاستدامة واستقرار النظام. وثمة دلائل على أن جائحة كوفيد- 19 أو كورونا المستجد، هي نتاج للعبث البشري بتوازن النظام البيئي، إنْ بالتلوث أو بتدمير البيئات الفطرية في سباقات وصراعات التنمية الاقتصادية الجشعة، التي تنتهي باعتداء صارخ على موائل الحيوان وما يحمله من ميكروبات متعايشة معه، فتلجأ هذه الميكروبات إلى البحث عن موئل وعائل جديد، ولا يكون أمامها إلا مَن سبب تشريدها: الإنسان!

    لين مارجوليس سمَّوها "لين.. الأم الجامحة للأرض" و" لين.. المتمردة العلمية". وهي لم تكن متمردة علمية فقط، بل عبقرية متمردة في الحياة أيضًا. فبعد انفصالها عن نجم الثقافة العلمية الأشهر كارل ساجان، تزوجت عام 1967 من الكيميائي توماس مارجوليس، الذي حملت كنيته فصارت تُنادَى "لين مارجوليس" وقد أنجبت منه ابنًا وابنة، لكن زواجهما انتهى بالانفصال عام 1980، وفي تعليق لها على حياتها الخاصة قالت: "لقد تركت وظيفتي كزوجة مرتين، فليس من الممكن إنسانيًّا أن أكون زوجة صالحة وأمًّا جيدة وعالمة من الدرجة الأولى". تصريح صادق ومؤلم ينم عن تواضع وشجاعة عظيمين، لكنه لا يخلو من ظلم لذات إنسانية كبيرة، فقد كانت أمًّا عظيمة أيضًا، بدليل نبوغ أبنائها وسويتهم، وحفاظها على نقاء العلاقة الإنسانية مع زوجها الأول "ساجان" الذي دعمت توجهه ودافعت عنه ككاتب علمي واسع التأثير. كما كانت أمًّا لشباب الباحثين الذين عملوا معها، ويُحكى أن بيتها لا تُغلَق أبوابه أمام تلامذتها وأصدقائها. بل حتى للعابرين الذين لا يجدون مكانًا يبيتون فيه عند مرورهم ببيتها المضياف في إحدى الضواحي الخضراء المتنائية عن القلب الصاخب للمدينة. إنها قصة كبيرة جميلة لعالِمة كبيرة وجميلة، وما أكثر ملامح جمالها.

عقل جميل في كيان شجاع

      في عز سنوات الحرب الباردة، ازدرت لين مارجوليس تسلُّل شوائب هذه الحرب إلى ساحة العلم، وعندما وجدت جذورًا لمنهجها البحثي عند العلماء الروس غير المؤدلجين لم تتردد في إعلان تقديرها لهذه الجذور، وتساءلت بتحدٍّ: "إن النظرة التكافلية للتطور لها سلالة طويلة في روسيا، أليس كذلك؟ وأضافت بوضوح: "منذ البداية قال الروس إن الانتقاء الطبيعي هو عملية إزالة ولا يمكن أن ينتج كل التنوع الذي نراه. لقد فهموا أن التوالد هو مصدر رئيسي للابتكار، وقد تحفظوا على "داروين". فإذا كان العالم الناطق بالإنجليزية يمتلك "الانتقاء الطبيعي"، فإن الروس يمتلكون "نظرة التعايش"، ففي عام 1924 قدم بوريس ميخائيلوفيتش بوليانسكي كتابًا بعنوان: النشوء التعايشي: قاعدة جديدة للتطورSymbiogenesis: A New Principle of Evolution ، قام فيه بتوفيق الانتقاء الطبيعي لداروين كمُخلِّص والتعاضد كمُبدِع". والمدهش أنها لم تكتفِ بذلك، بل راجعت بنفسها ترجمة كتاب "بولانسكي" إلى الإنجليزية، ودعمت نشره في الولايات المتحدة.

      انتقدت "مارجوليس" النظرة الاختزالية التي استمرأها كثيرون من أهل العلم المُحدَثين الذين تعاملوا مع الكائنات الحية كآلات، وقاموا بتفكيكها ودراستها كأجزاء منفصلة، فصاروا كمَن يمعن النظر في شجرة فلا يرى الغابة، وقدمت بعملها نموذجًا للتفكير بنهجٍ كُليِّ، فاكتشفت أن مكونات الحياة تتدفق معًا كنظام، وأن هناك خصائص جامعة تنشأ من النظام نفسه، وتتحدى هذه الخصائص مَن يتوهم إخضاعها بالسيطرة على مُكوِّنٍ هنا أو مُكوِّن هناك (ألا يستدعي ذلك سيرة ما نمر به من جائحة يُحدثها فيروس حيواني المنشأ اقتحمنا موئله؟). وفي تواضع يليق بعالمة عظيمة وشجاعة قالت: "لا توجد حقيقة مطلقة، لكن العلم هو أفضل طريقة للمعرفة، ولنتذكر أنه بعد كل هذه السنوات من التحقيق، ما زلنا نعرف القليل عن الحياة". وهذا يذكرنا أيضًا بجهل البشرية المحير تجاه فيروس كورونا المستجد الذي يكتسحها الآن ولا تجد في جعبتها لمقاومة اكتساحه إلا الاختباء في البيوت والتباعد.. الاجتماعي!

      قالت "مارجوليس" مُستنكرة: ماذا يعني للمجتمع دمج استعارات "البقاء للأصلح" و"الجينات الأنانية" في إسقاطات ثقافية عديدة وخطيرة. نحن أكثر من جيناتنا، يعتمد الكثير من فهمنا الشعبي للميراث على فكرة منتصف القرن العشرين، وهي أن جيناتنا تحدد مَن نحن، وقد أطلقوا عليها "المخططات" أو "كتاب الحياة". لقد وجد العلماء الآن أن هذا النهج الجيني موغل في التبسيط والاختزال المخل بمجمل الحقيقة. ومجمل الحقيقة العلمية يقول إنه بدلًا من أن تكون الجينات نظام ذاكرة للقراءة فقط، فإن جيناتنا هي نظام للقراءة والكتابة دائم الاتصال مع بيئته والاستجابة لها. هذه الفكرة مهمة وذات صلة، إذ نتذكر أن المؤسسة الطبية الصناعية تقدم الآن "ملامح وراثية شخصية" كوسيلة للتنبؤ بالأمراض في المستقبل، ومع ذلك، فإن العلم الذي يقف وراء هذه الصناعات يُنظر إليه على نحو متزايد على أنه تبسيط مفرط، إن لم يكن خطأ. وهذا نراه جهارًا نهارًا في فشل واضعي سياسات قيادة الأرض في إدراك تحذيرات علمية مبكرة بما أسماه علماء الوبائيات منذ عدة عقود "الحدث الكبير القادم" دون أن يلتفت إلى تحذيرهم أحد!

النظرة الرحيبة، لرؤية أعمق

     وعن العالم الميكروبي الذي يتضمن الفيروسات في تكوينه وإن لم تذكره "مارجوليس" لأن البكتيريا كانت مركز اهتمامها، قالت: "في حين أن الكثير من الناس لا يزالون يعتقدون أن البكتيريا هي "جراثيم وطاعون على البشرية"، يعرف العلماء الآن أن البكتيريا -أسلافنا- هم المنتجون الرئيسيون للأرض وإعادة تدويرها، وأنه لا يمكننا العيش من دونها في الواقع، اتضح أن كل واحد منا ليس الفرد المستقل الذي نعتقد أننا نكونه، بل مجتمع من الكائنات الحية التي تعيش معًا عبر علاقات تكافلية معقدة. نحن نحتوي على خلايا بكتيرية في أجسامنا أكثر من خلايانا البشرية. إن الفهم الأفضل لدور البكتيريا في أجسامنا وفي البيئة أمر أساسي لفهم صحتنا وصحة البيئة". أليس هذا بحديث نبوئي مُبكر عن العالم الميكروبي نعيد اكتشافه مجددًا الآن، وبتركيز على الفيروسات التي هي الأمة الأكبر بين أمم " الميكروبات"، والأخطر علينا بما نصنع بها، وبغيرها؟

      لقد انتصرت "مارجوليس" على أفكار مَن اكتفوا بالنظر إلى شجرة أو بضع أشجار وغابت عن بصائرهم كلية الغابة وعظمتها، فتقليديًّا اعتاد العلم الطاغي أن ينظر للكائنات الحية كماكينات، وحتى يستطيع دراستها لجأ إلى المقاربة الاختزالية reductionist approach، التي تفكك الأشياء إلى الأجزاء المكونة لها. الآن، وبفضل مُنجز علماء عظام بينهم "مارجوليس" صار هناك توجه إلى إعمال المقاربة أو النظرة الكلية holistic approach -أو التفكير في الكائنات الحية كمنظومات، وهو ما يعيد تجميع شتات العالم من جديد، مستخلصًا خواص كل كائن من المنظومة نفسها، ومتحديًا أوهامنا عن غرور السيطرة على الطبيعة وإخضاعها. وفي ذلك تقول لين: "لا توجد حقيقة مطلقة، لكن يظل العلم هو أفضل سبيل للمعرفة"، وهي ستظل تذكِّرنا بعد كل تلك السنين من جهودها كباحثة ومفكرة علمية عظيمة بأن ما نعرفه عن الحياة لا يزال محدودًا للغاية ( ولننظر إلى حالنا والتخبط البشري الشامل أمام فيروس مَهين التكوين، يُهين غرورنا أشد الإهانة) .

  التمرد والعلم الجيد

     في كتاب عالِم الفيزياء فريدمان دايسون "العالِم متمردًا"، الذي تضمَّن ما يشبه "بورتريهات" لعدد من مشاهير العِلم العظام ذوي النزعة التمردية، أكد اقتناعه بأن التمرد شرط من شروط العلم الجيد، وأن تمرُّد مَن احتفى بهم كتابه لم يكن مجرد اندفاع وتهور، بل كان مسيرةً مخططةً بعناية على مدى سنوات عديدة، ولم يكن تمردًا يهدف إلى التدمير، بل يحافظ -بقدر الإمكان- على ما هو صالح ومستقر من نظام العالم. كما أوضح عبر النماذج التي عرض لها أن التمرد والكفاءة المهنية العلمية ظلا يسيران جنبًا إلى جنب، ويبدو أن "تايسون" لم يلحق بلحظات التسليم بعبقرية رؤى الثورية المتمردة البناءة لمارجليوس، فلم يرسم لها "بورتريهًا" نَصيًّا في كتابه، لكن أي قارئ لسيرتها، ومتابع لمُنجزها، سيضيفها بقناعة تامة إلى قائمة المتمردين العظام في تاريخ العلم في القرن العشرين، ومطلع القرن الحادي والعشرين. وهو تمرد خلاق، قائم على الكفاءة العلمية والبحث المعمق. تمرد كفيل باستلهام تألقاته لإنقاذ الحياة في هذا الكوكب المعلق على الحافة، وما قدمته لين مارجيلوس، يمكن استخدامه كمجاز جديد يتجسد في إستراتيجيات عيش بشري إحيائي جديد، ويصلح تمامًا لعالمنا القادم -إن كان لنا أن نستمر- بعد كورونا! وأهم من الاستمرار: أن نتعظ.

فيلم عنها يستحق المشاهدة

   عندما توفيت لين مارجليوس فجأةً بسكتة دماغية في عام 2011 عن عمر يناهز 73 عامًا، (وكان العالَم العلمي قد سلَّم بنبوغها فصارت عضوًا موقرًا في معظم الأكاديميات العلمية الأرفع مقامًا في أربعة أرجاء الأرض، كما سلم بذلك السياسيون، وقلدها الرئيس الأمريكي كلينتون أرفع وسام للإنجاز العلمي في الولايات المتحدة). قرر المخرج جون فيلدمان أن يصنع فيلمًا حول نطاق ومضمون إنجازها العلمي وانعكاساته، مستعينًا بوجهات نظر عديد من العلماء ومَن عملوا معها، وكان "فيلدمان" قد التقى "مارجليوس" عام 2005 عندما صنع فيلمًا عن التطور، وبمساعدتها بدأ في عملٍ أكثر طموحًا لفيلم عن "أفكار جديدة في علم الأحياء التطوري"، وقد أنجز هذا الفيلم المعنون: "الأرض التكافلية" Symbiotic Earth الذي كان عرضه الخاص الأول في يوم المرأة العالمي مُكرِّسًا "لإحياء ذكرى عالمة عظيمة ونموذج لشجاعة ودأب وعمق رؤى أنثى قوية الإرادة صنعت لنفسها دربًا مميزًا في أرض طال خضوعها لهيمنة الذكور" (وأي ذكور؟!). وهذا الفيلم ليس متاحًا بالمجان على الإنترنت، لكن يمكن شراؤه بسعر زهيد، وهو جدير بأن يُترجَم إلى العربية ويُعرَض عرضًا جماهيريًّا لتوسيع التنوير العلمي، وإذكاء التفكير في قضية الإناث النابغات في مجتمعاتنا، وطرح ذلك النموذج الاستثنائي للجمال والتمرد، المُنقذين لعالمنا، بعد "كورونا".