من مرارة "الدموع" يمكن للمرء أن يلعق "الشهد"، مقولة ربما تنطبق على حال كثير من نساء المجتمعات الريفية المتضررة من النزاع والصراعات في "جنوب السودان"، ومن بينهن نساء قرية "وولوو"، اللاتي وَجدن في تربية النحل وتجهيز عسله وسيلةً للحصول على مكافآت "حلوة".

تقول "أليس مامور"، البالغة من العمر 38 عامًا، إحدى نساء قرية "وولو"، إنها تعلمت تربية النحل وتجهيز عسله من والدها ثم زوجها فيما بعد، وإنها تشعر بالفخر لكونها امرأةً تعمل بيدها لضمان كسب العيش لمساعدة نفسها وعائلتها من خلال "لسعات النحل".

وتعتمد "مامور" في عملها على مبادرة تبنَّتها بعثة حفظ السلام في جنوب السودان لتغذية شريان الحياة الاقتصادية في تلك المناطق عن طريق "النحل"، الذي خصصت الأمم المتحدة 20 مايو يومًا عالميًّا للاحتفال به.

بساطة كلمات "مامور" من المؤكد أنها تختلف كثيرًا عن عمق "لغة النحل"، التي فك شفرات إشاراتها العالم النمساوي "كارل فون فريش"، وكانت سببًا في حصوله على جائزة نوبل للطب في عام 1973.

يشير "فريش" إلى أن "النحل يعمل حركات غريبة حين يكون قريبًا من أماكن التغذية؛ لجذب النحل الموجود في خلية العسل وجعْله يتكالب على مكان الرحيق؛ إذ هناك نوعان من الرقصات التي يستخدمها كلغة للتواصل، الأول الرقص الدائري الذي تقوم به الشغالات لإبلاغ باقي النحل الموجود داخل الخلية بأن مصدر الغذاء موجود على مسافة لا تزيد على 25 مترًا، أما الثاني فهو الرقص الاهتزازي، الذي تلجأ إليه الشغالات حين يكون مصدر الطعام على مسافة أكثر من 50 مترًا".

وكما آمن الكاتب المسرحي الإنجليزي "ويليام شكسبير" بأن "النحل يمكن أن يعلمنا كيف نعيش ونسعى بذكاء"، يؤمن النحالون بأن وجود ملكة قوية داخل الخلية التي تحوي آلاف الشغالات يعنى إنتاجًا أفضل، من العسل وشمع العسل و"البروبوليس" أو "صمغ النحل".

و"البروبوليس" هو مادة حمضية لزجة تجمعها الشغالات من براعم الأشجار وعصاراتها أو مصادر أخرى، ويستخدمه النحل من أجل سد شقوق الخلية وإغلاق الفتحات المؤدية إليها لتجنُّب دخول التيارات الهوائية إليها في فترة الشتاء، وكذلك تنظيف الخلية؛ لما يحمله من خصائص مبيدة للجراثيم والفطريات، كما تستعمله الشغالات في تغطية بعض أعدائها التي تقتلها داخل الخلية ويكون حجمها كبيرًا ويصعب إخراجها من الخلية، كالفراشات الكبيرة والسحالي والفئران، وبهذه الطريقة تمنع تَحلُّلها وتَعفُّنها.

تقول "أسماء أنور عيسي" -الأستاذ بقسم بحوث النحل التابع لوزارة الزراعة المصرية- في تصريحات لـ"للعلم": "إن النحل يعيش في طائفة تشمل ملكة واحدة وعددا قليلا من الذكور وعدة آلاف من الشغالات مهتمهن تنظيف العيون السداسية والعناية بالملكة وحراسة الخلية وكذلك الدفاع عنها؛ وتجمع الشغالات الرحيق وحبوب اللقاح والبروبوليس وتفرز سم النحل والشمع والغذاء الملكي".

وتضيف "عيسى" أن "الملكة قد تعيش من سنة الي ثلاث سنوات، وقد تمتد إلي خمس سنوات؛ وتقوم بإفراز المادة الملكية التي تسيطر علي الخلية وهي تلقح مره واحدة؛ وتضع الملكة حوالي ٢٥٠٠بيضة في موسم النشاط، ويقل هذا العدد في حال عدم توافر غذاء بروتين".

 يوم عالمي

تُرجع الأمم المتحدة اختيار 20 مايو يومًا عالميًّا للنحل إلى تزامنه مع ميلاد "أنطون جانشا" الذي كان رائدًا في مجال أساليب تربية النحل الحديثة في بلده الأصلي "سلوفينيا" في القرن الثامن عشر.

يقول "عبد الله ناجي" -أستاذ علوم البيئة المساعد بجامعة الأزهر- في تصريحات لـ"للعلم": "إن النحل يؤدي دورًا مهمًّا في الحفاظ على التنوع البيولوجي للنباتات من خلال عملية التلقيح التي ترتبط بالنظام الإيكولوجي وبالعناصر الفيزيائية والبيولوجية المجتمِعة في البيئة وبنظام الإنتاج الزراعي وسبل معيشة البشر".

وتشير "منظمة الأغذية والزراعة" (الفاو) إلى أن النحل يمكن أن يكون له دور رئيسي في تحسين إنتاج ما لا يقل عن ملياري نسمة من صغار المزارعين في جميع أنحاء الكوكب وتدعيم الأمن الغذائي والتغذية في ظل التزايُد المطَّرد لسكانه.

وتوضح "الفاو" أن أكثر من ثلاثة أرباع أنواع المحاصيل في العالم، تعتمد على النحل وغيرها من الملقِّحات، التي تغذي البشر بما يتفق مع الخصائص الرئيسية لخطة التنمية المستدامة لعام 2030. إذ تؤدّي الملقحات دورًا أساسيًّا في المساعدة على إطعام عدد سكان العالم المتزايد بطريقة مستدامة، والمساعدة في الحفاظ على التنوع البيولوجي والنظام البيئي الحيوي، وتُسهم في بناء سبل عيش مرنة، وخلق فرص عمل جديدة للمزارعين الفقراء.

انهيار المستعمرات

ويحذر "ناجي" من ظاهرة "اضطراب انهيار مستعمرات النحل"، مشيرًا إلى أن هذه الظاهرة تحدث عندما تختفي غالبية النحل العامل من مستعمرة النحل، تاركةً وراءها الملكة وحيدةً داخل الخلية، وهو ما سبق أن شهدته الولايات المتحدة الأمريكية على فترات منذ عام 2006؛ إذ وجد مربو النحل أنفسهم "فجأة" أمام "خلايا فارغة".

وتُرجع دراسة أمريكية انهيار مستعمرات النحل إلى قيام النحل الصغير "عمرًا" بالطيران لمسافات طويلة لجمع الغذاء، مما يزيد من خطر وفاته، إضافةً إلى الطفيليات ومسبِّبات الأمراض والمبيدات الحشرية.

وفقدت الولايات المتحدة الأمريكية 29.9% من مستعمرات النحل في موسم شتاء 2010-2011، و22.5 من المستعمرات في شتاء 2011-2012، و28.1% من المستعمرات خلال شتاء 2015-2016، وهي الظاهرة التي انتقلت إلى أوروبا، التي فقدت 11.9% من مستعمرات النحل في شتاء 2015-2016، بينما فقدت كندا 16.8% من مستعمرات النحل خلال الفترة نفسها.

وكان لتلك الظاهرة آثار سلبية على عمليات تلقيح النباتات على مستوى العالم؛ إذ يتراوح عدد ملقحات النحل بين 20 ألفًا إلى 30 ألف نوع، ما يجعله أشهر أنواع الملقحات المسؤولة عن 35% من إنتاج المحاصيل في العالم؛ فالنحل من عوامل التلقيح الرئيسية لثلث النباتات في العالم، التي تقدر قيمتها بـ168 مليار دولار أمريكي سنويًّا في جميع أنحاء العالم.

تقول "أمل العوضي" -أستاذ بقسم بحوث تداول الخضر في معهد بحوث البساتين بالمنصورة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن النحل من العناصر الرئيسية لعملية التلقيح؛ إذ يقوم بنقل حبوب اللقاح من الجزء الأنثوي فى الزهرة، التي قد تكون أعضاؤها الذكرية والأنثوية في النبات نفسه أو موجودة في نبات آخر، حيث يتم التلقيح إما فى وجود هواء أو حشرات، ومنها النحل الذي يقف على الزهرة ليأخذ الرحيق؛ لتلتصق حبوب اللقاح بأرجلها فتقوم بنقلها من المتك (العضو الذكري في الزهرة) إلى الميسم (الجزء الأنثوي في الزهرة)، وبذلك يحدث الإخصاب".

تضيف "العوضي" أنه "كلما كان النحل موجودًا فى المكان، زادت جودة المحصول، سواء في شكل الثمرة أو حجمها، ما دفع الأمم المتحدة للتحذير من أن غياب مسكن مناسب للنحل قد يؤدي إلى انخفاض مستمر في عملية التلقيح، كما أن الزراعة الأحادية (زراعة محصول واحد على المساحة نفسها لسنوات متتالية) والمبيدات الحشرية، وارتفاع درجات الحرارة المرتبطة بتغير المناخ يؤدى إلى مشكلات في نمو النحل، وبالتالي، جودة الغذاء الذي نزرعه".

أعداء النحل

يقول "نصر بسيوني"، الباحث بقسم بحوث النحل، ومؤسس رابطة النحالين المصريين: "هناك العديد من أعداء النحل، مثل طائر الوروار الذي يتلذذ بالتهام النحل الطائر ويحتاج إلى كميات كبيرة منه يوميًّا، ما يشكل خطورةً على المناحل، إضافةً إلى الضفادع والسحالي ودبور البلح وذئب النحل ودب العسل والفاروا ودودة الشمع وفراشة السمسم والنمل وخنفساء النحل وغرير العسل".

ويشدد "بسيوني" على أهمية حماية النحل المصري، مضيفًا في تصريحات لـ"للعلم" أن "النحل المصري يُعد من السلالات القياسية التي يُعتدُّ بها على مستوى العالم عند مقارنتها بأنواع أخرى؛ فالسلالة المصرية مقاوِمة للأمراض وتتحمل الظروف البيئية الصعبة وتتكاثر بسهولة".

تقوية مناعة النحل

بدوره، يؤكد "أيمن غنية" -أستاذ مساعد بقسم بحوث النحل، وسكرتير عام رابطة مملكة النحل المصرية- ضرورة استخدام مواد طبيعية لرفع مناعة النحل.

ويقول "غنية" لـ"للعلم": تقوية مناعة النحل تُسهِم في تحقيق صناعة قوية واقتصاد قوي، وقد سجلت دواءين مصريين يعتمدان على استخدام المواد الطبيعية، مثل قصب السكر والذي هو أفضل من البنجر في تغذية النحل، ويضيف أن أخطر مرضين يواجهان النحل هما "الفاروا"، وهو من أخطر الأمراض التي تفتك بكلٍّ من الحضنة والنحل الكامل على السواء، وتسببه طفيليات خارجية تُسمى "الفاروا" تدخل إلى الخلية المحتوية على اليرقة التي ستصبح نحلة، وتدفن نفسها تحت الطعام الذي تضعه الشغالات، وتنتظر حتى تقوم الشغالات بختم الخلية بالشمع، ثم تبدأ بسحب دم اليرقة، أما الثاني فهو مرض "إسهال النحل" والمعروف بـ"النوزيما"، وهو من الأمراض التي تقضي على الخلايا بصورة تامة.