لماذا يحلق شبح الموت في جنبات صالات الألعاب الرياضية "الجيم"؟ سؤال فرض نفسه بقوة بعدما انتشرت حالات الموت المفاجئ داخل تلك الصالات، مثلما حدث مؤخرًا مع المذيع المصري عمرو سمير بإسبانيا؛ إذ أرجع تقرير الطب الشرعي الإسباني وفاة عمرو إلى إصابته بهبوط حاد في الدورة الدموية بعد ممارسته الرياضة مدةً طويلة دون تناول أي طعام، الأمر الذي تسبب في هبوط مستوى السكر في الدم على نحو سريع أدى إلى توقف قلبه.

وفاة عمرو أعادت للأذهان حادثة الفنان ممدوح عبد العليم، الذي فقد حياته هو الآخر يوم 5 يناير 2016 إثر أزمة قلبية أصابته في أثناء ممارسته التمارين داخل صالة الألعاب الرياضية بنادي الجزيرة، ما يطرح أسئلة عدة: ما أسباب الوفاة المفاجئة التي تحدث لبعض الرياضيين في أثناء ممارسة أنواع الرياضة المختلفة أو في أثناء ممارسة التمرينات داخل صالات الألعاب؟ وهل الرياضيون كلهم معرضون للإصابة بأزمات قلبية مفاجئة خلال ممارستهم للرياضة؟ وما الشروط والاحتياطات والإرشادات التي يجب على الباحثين عن اللياقة البدنية اتباعها عند ممارسة الرياضة داخل الصالات؟

4 أسباب

يقول أندرو كراهن -رئيس قسم أمراض القلب بجامعة كولومبيا البريطانية- في تصريحات لـ"للعلم" حول دراسته التي نشرها في 2012 تحت عنوان "الموت القلبي المفاجئ تحت سن 40: هل ممارسة التمارين خطيرة؟"-: "إن هناك أربعة أسباب قد تؤدي إلى الموت المفاجئ في أثناء التدريب في صالات الجيم، أولها متلازمة كيو تي الطويلة “Long QT Syndrome”، وهي اضطراب قلبي موروث قد يؤدي إلى ظهور نوبات تسبب حالات الخفقان والإغماء والموت المفاجئ نتيجة لرجفان بطيني، والثاني اعتلال عضلة القلب الضخامي والذي يصيب عضلة القلب بحيث تصبح سميكة بشكل غير طبيعي، ما يُفقِدها القدرة على ضخ الدم بقوة كاملة، والثالث عدم انتظام دقات القلب البطيني، ما يتسبب في خفقان القلب وانقباضه وتسارُع دقاته، أما الرابع والأخير فيتمثل في اعتلال عضلة القلب اللانظمي أو تليف البطين الأيمن للقلب، وينشأ من اضطراب كهربية القلب".


تضاعُف المخاطر لدى الرياضيين

ووفق دراسة سويدية نُشرت عام 2014 في دورية "جورنال أوف إنترنال ميديسين"، فإن "خطر التعرض للموت المفاجئ يتضاعف في أثناء ممارسة التمرينات الرياضية، ولا يقتصر على غير الرياضيين؛ إذ تبلغ نسبة تعرُّض الرياضيين للموت المفاجئ 1-3 من بين كل 100 ألف رياضي، وتزداد احتمالات تعرُّض الرياضيين الذين تبلغ أعمارهم 35 عامًا أو أكثر للموت المفاجئ"، معتبرةً أن "الاضطرابات التي تصيب القلب تُعَد أحد أهم أسباب حدوث الموت المفاجئ في أثناء ممارسة التمرينات الرياضية".

وكانت دراسة أخرى -أجراها فريق دولي من الباحثين، مارس 2017- قد نجحت في تحديد جين جديد قد يؤدي إلى الموت المفاجئ لدى الشباب والرياضيين. الجين -الذي يسمى CDH2- يسبب ما يُعرَف باعتلال في عضلة القلب اللانظمي، وهو اضطراب وراثي يهيئ المرضى للإصابة بالسكتة القلبية، ويُعَد سببًا رئيسيًّا للوفاة غير المتوقعة في فئة من الشباب تتمتع بالصحة الجيدة.

ووفق الدراسة، عادةً ما تتسبب هذه الأشكال الموروثة من اعتلال عضلة القلب في الموت المفاجئ لدى الشباب دون سن 35. ففي هذا المرض تحديدًا، تحل أنسجة دهنية وليفية محل أنسجة القلب، وتشجع هذه العملية على تطور في عدم انتظام ضربات القلب والإصابة بالرجفان البطيني ( توقف القلب عن العمل بسبب خلل في منظومته يؤدي لحدوث ارتجاف)، مما يسبب فقدان الوعي والسكتة القلبية.

الأزمات القلبية

يقول أشرف جميل -أخصائي الإعداد البدني لمنتخب مصر لكرة اليد، وخبير اللياقة البدنية- لـ"للعلم": "من بين أسباب الوفاة المفاجئة التي قد تحدث لبعض مرتادي صالات "الجيم" التدريب الزائد عن الحد، وعدم التدرُّج في ممارسة التمارين الرياضية، ما يعرض الجسم وأجهزته الحيوية لضغط أعلى من أن تتحمله تلك الأجهزة".
يضيف جميل أن "من بين أسباب الأزمات القلبية التي قد تصيب بعض المترددين على صالات اللياقة البدنية عدم اتباع نظام غذائي متوازن يحتوي على الكربوهيدرات والبروتينات والأملاح والفيتامينات والمياه. إذ يتسبب سوء التغذية في عدم وصول الدم المحمل بالأكسجين إلي الأجهزة الحيوية للجسم، ما قد يؤدي إلي حدوث وفاة مفاجئة وأزمات قلبية. كما أن التدريب على معدة فارغة يُعَد من أخطر الأسباب التي تؤدي إلى الوفاة داخل صالات الجيم، وكذلك عدم قدرة الأجهزة الحيوية على تحمُّل الأحمال والتمرينات عالية الجهد، ما يسبب إرهاقًا شديدًا قد ينتج عنه وفاة مفاجئة".

الاستشفاء

يؤكد جميل أن من بين الأسباب التي قد تؤدي لانتكاسات خطيرة داخل صالات الجيم عدم مساعدة الجسم على استعادة طاقته بعد الجهد المبذول، مشيرًا إلى أنه "بعد التمرينات المرهقة، يحتاج الجسم إلى ما يُعرَف بعملية الاستشفاء، التي تستهدف إزالة كل آثار تلك التدريبات أو بعضها، وإعادة تهيئة الشخص من جديد لأداء التدريبات الرياضية؛ إذ يحتاج الجسم إلى ممارسة تمرينات الاسترخاء والمساج والساونا والجاكوزي، وهذه الأنواع من الاسترخاء تعيد الجسم إلى حالته الطبيعية"، مؤكدًا ضرورة "تناول غذاء متوازن يحتوي على كل العناصر الأساسية التي يحتاجها الجسم، والنوم مدةً لا تقل عن ٨ ساعات يوميًّا، وتناوُل ما لا يقل عن ٣ لترات من المياه يوميًّا، على أن يراعى تناول كميات قليلة من المياه في أثناء أداء التمرينات".

بطاقة صحية

تهتم صالات "الجيم" على مستوى العالم بأن تكون هناك "بطاقة صحية لأي ممارس للتدريبات الرياضية"، بحيث تتضمن سن اللاعب وتفاصيل حالته الصحية والتاريخ المرضي لعائلته. وعلى الرغم من وجود قرار صادر عام 2014 من وزير الصحة المصري بالتنسيق مع وزير الشباب والرياضة ينص على "ضرورة وجود طبيب داخل صالات الجيم، وإصدار بطاقة صحية لكل شخص تتضمن تفاصيل حالته الصحية وحالة القلب والصدر وضغط الدم"، غير أن غياب الرقابة الحقيقية على تلك الصالات وعدم وجود إحصاء رسمي بعددها يجعل من تطبيق هذا القرار مجرد حبر على ورق.

 يقول ياسر فؤاد -أخصائي التغذية واللياقة البدنية- لـ"للعلم": "يجب إجراء الكشف الطبي على أي شخص قبل البدء في أداء التمرينات. كما يجب إعداد ملف للشخص يتضمن وضعه الصحي، وتحديدًا فيما يتعلق باضطرابات الدورة الدموية وأمراض الضغط والسكر والقلب، وما إن كان مدخنًا أم لا. وهل يتناول أدوية معينة؟ وهل يشرب الكحوليات؟ لأن كل هذه العوامل تؤثر بشكل مباشر على حياة ممارسي الرياضة، لكن للأسف فإن عددًا قليلاً من مسؤولي صالات الجيم في مصر هم الذين يهتمون باتباع مثل هذه القواعد".

ويضيف فؤاد أنه "إذا كان أحد الأشخاص يعاني من أمراض قلب أو ضغط أو سكر، فلا بد من الحصول على فترات راحة بين التمرين والآخر أطول نسبيًّا من التي يحصل عليها الإنسان الطبيعي. كما أن الشخص الذي تخطى الـ40 عامًا وأجرى عمليات قلب لا ينبغي أن يمارس التمرينات الهوائية كالمشي والجري وركوب الدراجات أكثر من ساعتين أسبوعيًّا، أما من تخطى الـ٥٧ عامًا فلا يجب أن يمارس التمرينات الهوائية أكثر من ١٠ دقائق يوميًّا.