أمضت مجموعة من علماء الأعصاب في ألمانيا عدة أسابيع في حجرة صغيرة تمتلئ بالصناديق التي تحوي مجموعة من القوارض. لم يكن الهدف دراسة تأثير عقارٍ ما على فئران التجارب، بل كان السبب غريبًا للغاية.

ففي أثناء استراحة قهوة عادية بين زملاء من جامعة "هومبولت" في برلين، تساءل أحدهم عما إذا كانت الفئران تستطيع لعب "الاستغماية"! ليقول آخر إن ذلك الأمر –إذا ما كان يحدث بالفعل- ستكون له آثار كبيرة على فهمنا لـ"وعي وإدراك النشاط العصبي للحيوانات".

بالفعل، صمم الباحثون تجربة علمية؛ لمعرفة ما إذا كانت تلك الفرضية صحيحةً أم لا. ليجدوا أن الفئران تستطيع -ببراعة مدهشة- لعب الاستغماية بهدف "المرح" وليس لأي أهداف أخرى، ولا حتى الحصول على مكافأة ما!

الدراسة التي نشرتها دورية "ساينس" (Science) أمس الأول "الجمعة"، 13 سبتمبر، تقول إن الفئران "تستمتع بلعب الاستغماية دون أي أطماع في الحصول على المكافآت أو الطعام".

بدأت الدراسة بتصميم غرفة وُضعت داخلها مجموعة من الحواجز الكرتونية، وضع الباحثون داخل بعض تلك الحواجز صناديق من البلاستيك، بعضها معتم والبعض الآخر شفاف. ثم أطلق الباحثون 6 من الفئران داخل تلك الغرفة، وعلموها الاختباء من بعضها البعض عبر وضع فأرين منها في الصناديق المعتمة، وثلاثة فئران في صناديق شبه معتمة، وإطلاق واحد فقط في باقي الغرفة للبحث عن الفئران الأخرى.

وجد الباحثون أن تلك اللعبة أثارت حماس الفئران التي كانت تصدر مجموعةً من الأصوات تدل على شعورها بالمرح. وبعد فترة، قامت الفئران بتقسيم أنفسها بحيث تم تبادل الأدوار فيما بينها، فاللاعب الخاسر هو مَن يبحث عن باقي الفئران في الدور التالي، في أسلوب يُشبه تمامًا الطريقة التي يلعب بها البشر.

يقول خوان إجناسيو سانجوينيتي -الباحث بمركز بيرنشتاين للعلوم العصبية الحاسوبية بجامعة هومبولت ببرلين، والمؤلف المشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن النتيجة الأولى المذهلة تتعلق بأن الفئران قادرة جدًّا على لعب الاستغماية، حتى دون استخدام المكافآت الغذائية أو المائية التقليدية، أما ثانية تلك النتائج فهي قدرة الفئران الكبيرة على التعلُّم بسرعة".

يضيف "سانجوينيتي" أن "هناك نتائج أخرى مثيرة، تمثلت في قدرة هذه الفئران على تبديل الأدوار، واللعب وفق القواعد، واستخدام إشارات مختلفة للعب عبر التحدث فيما بينها بأصوات تُعبر عن البهجة".

نادرًا ما يدرس علماء الأعصاب ذلك السلوك الحر والمعقد، والمتعلق بالطريقة التي يُمكن أن تتعلم بها الحيوانات الألعاب التي نظن أنها حكر على الرئيسيات –القردة والبشر، لكن في تلك الدراسة استطاع الفريق البحثي إثبات أن أدمغة الفئران لا تزال مستعدةً لتعلم الألعاب، إذ اكتشف الباحثون وجود نشاط في قشرة الفص الجبهي بالدماغ خلال المراحل المختلفة من اللعب.

يشير "سانجوينيتي" إلى أن "لعب الفئران الاستغماية يؤكد قدرتها على صناعة القرار، والتخطيط، واستخدام الدوافع، واللعب من أجل المرح، وهذه كلها أمور تبدو بشريةً للغاية، أو شوهدت على مستوى القردة العليا ولم تجرِ ملاحظتها في سلوك الفئران"، على حد وصفه.

لتلك الدراسة أهمية كبيرة من وجهة نظر "سانجوينيتي"؛ إذ إن دراسة اللعب –كسلوك حيواني- أمر بالغ الأهمية بالنسبة لنا نحن البشر؛ "فالطريقة التي يعمل بها الدماغ في أثناء اللعب يُمكن أن تساعدنا على ابتكار وسائل لتنمية المهارات الاجتماعية والمعرفية".

استغرق العمل على تلك الدراسة نحو عامين كاملين، وتثبت أن الفئران تمتلك سلوكيات متطورة وحياة اجتماعية مرحة للغاية لم تكن معروفة سلفًا، كما تتيح الدراسة للعلماء كشف الغموض المحيط بالطريقة التي تعمل بها أدمغتنا –وأدمغة الحيوانات- في أثناء اللعب، فضلًا عن أنها وسيلة لدراسة قشرة الفص الجبهي، والكيفية التي تتحكم بها تلك المنطقة في سلوك اللعب.

يُمكن أيضًا استخدام نتائج الدراسة في المستقبل للنظر في أهمية اللعب باعتباره "نشاطًا مفيدًا للتطور العصبي خلال فترة المراهقة"، كما يُمكن أن تسهم أيضًا في إثارة مجموعة من الأسئلة الأخلاقية حول استخدام الحيوانات في التجارب الطبية، فإذا ما كانت الحيوانات تملك "قدرة معرفية" فسيصب ذلك في صالح الآراء التي ترفض استخدام الحيوانات في ذلك النوع من التجارب، وفق "سانجوينيتي".