تمكَّن باحثون من تنفيذ عملياتٍ منطقية أسرع وأكثر فاعليةً باستخدام جزيئات الحمض النووي، لأداء مهمات منطقية حوسبية، قد تساعد يومًا ما في تشخيص الأمراض وعلاجها. يمكن إعادة توظيف عدة خصائص في الحمض النووي لتنفيذ عملياتٍ منطقية حوسبية. إذ يخزن الحمض النووي المعلومات في «تسلسله القاعدي» الجزيئي. ويمكن لشريطٍ من الحمض النووي أن يتعرف على شريطٍ آخر متوافق معه ويتسم بتسلسلٍ مكمل لتسلسله، ومن ثم يرتبط به. ومن الممكن أيضًا نسخ أشرطة الحمض النووي عن طريق الإنزيمات، أو قد توجد مجموعاتٌ كيميائية مرتبطة بها. وهذه المجموعات يُمكن تنشيطها عن طريق إضافة أشرطة مكملة قصيرة من الحمض النووي، أو إيقاف نشاطها عبر إزالة تلك الأشرطة.

استغل هذه الخصائص جون ريف -المتخصص في علم الحاسوب بجامعة دوك الأمريكية- مع زملائه في الولايات المتحدة ومصر، لابتكار أنظمة منطقية سريعة وتشغل حيزًا صغيرًا، تُكافئ بوابات "OR" و"AND" في الحوسبة التقليدية. تُرسل بوابات "OR" إشارةً خارجة في حال وصلتها إشارتان داخلتان أو واحدةٌ فقط، في حين ترسل بوابات "AND" الإشارة حين تصلها كلتا الإشارتين المختارتين.

في عمليات حوسبة الحمض النووي التي أجراها الفريق البحثي، كانت المدخلات عبارة عن جزيئات حمض نووي قصيرة، تتفاعل مع غيرها من جزيئات الحمض النووي والإنزيمات، لتوليد إشارةٍ خارجة عن طريق تنشيط خاصية الإشعاع الفلوري في مجموعةٍ كيميائية مرتبطة بحمضٍ نووي مُرسِل للإشارات. ويمكن أن تُمثل جزيئات الإشارات الداخلة والخارجة أرقامًا، أو جوانب أكثر تعقيدًا من النظام الخاضع للتحليل.

يستخدم هذا النهج إنزيمًا يمكنه التأثير على الأشرطة المفردة من الحمض النووي، بدلًا من الأشرطة المزدوجة التي تُستخدم في التقنيات الأكثر تعقيدًا والأقل فاعلية. إذ يُستخدم إنزيمٌ طبيعي يُطلق عليه «بوليميريز الحمض النووي» لنسخ جزيئات الحمض النووي، وصولًا إلى المستويات المطلوبة.

ويقول ريف عن البحث: "استخدمنا بواباتنا المنطقية البسيطة لتنفيذ دائرةٍ كبيرة، يمكنها حساب الجذر التربيعي لعددٍ ثنائي يتكون من 4 بتات".

هذا النهج المبتكر يُبسط العمليات الجزيئية ويطورها لتنفيذ العمليات الحوسبية في دقائق، وليس ساعاتٍ مثلما كانت الأبحاث السابقة تتطلب، ويقلل في الوقت نفسه عدد التفاعلات الجانبية غير المرغوب فيها.

ويقول يانيك رونديليه، خبير الحوسبة الجزيئية البيولوجية في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، والذي لم يُشارك في الدراسة: "يجمع هذا العمل ببراعة بين إمكانية برمجة تفاعلات الحمض النووي وفاعلية الإنزيمات، لتوفير نهجٍ فعال وبسيط وسريع لتصميم الدوائر المنطقية الجزيئية".

ويرى أندرو فيليبس -مدير مجموعة الحوسبة البيولوجية بمؤسسة مايكروسوفت للأبحاث في كامبريدج بالمملكة المتحدة، والذي لم يشارك في الدراسة أيضًا- أنَّ هذا العمل يمثل "بديلًا مهمًّا لبِنى الحمض النووي الأكثر تعقيدًا".

ويُقرُّ ريف بأنَّ هذا الجهد البحثي ما زال بحاجة إلى كثيرٍ من العمل قبل أن ينجح في تطوير أي تطبيقاتٍ عملية. لكنَّه في نهاية المطاف ربما يُمكِّن شبكات جزيئات الحمض النووي والإنزيمات من اكتشاف الدلائل الجزيئية للأمراض وتحليلها، وحساب الخطوات الضرورية لإفراز العقاقير بطرقٍ أكثر فاعلية، والتحكم في تلك الخطوات.