حاول أن تستعيد خبراتك وتجاربك مع كل مرة احتجت فيها لعمل بعض الفحوصات الطبية استجابةً لأمر طبيب، أو رغبةً في أن تطمئن على صحتك. كم عدد الاختبارات الطبية التى أجريتها خلال حياتك؟ وكم تكلفتها المادية؟

الاستبدال بطرق الفحص التقليدية للأمراض طرقًا أخرى حديثة أسرع وأكثر توافرًا وأقل في التكلفة، كان موضوع اللقاء الخامس من سلسلة "موعد مع خبير" الذى ينظَّم بشكل دوري في مقر الجامعة الأمريكية بالقاهرة.

جاء اللقاء الذى عُقد في 23 فبراير الجاري، تحت عنوان "الرقاقة البيولوجية: الطريق إلى تشخيص الأمراض"، إذ تحدث الدكتور يحيى إسماعيل -أستاذ هندسة الإلكترونيات وهندسة الاتصالات، ومدير مركز إلكترونيات وأجهزة النانو بالجامعة الأمريكية بالقاهرة ومدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا- عن دور الرقاقات البيولوجية أو ما يعرف أيضًا بالرقاقات الحيوية Bio Chips المستقبلي في الاستبدال بطرق الفحص التقليدية لأمراض مثل السكري والسرطان والأمراض الفيروسية كالالتهاب الكبدي الوبائي بي وسي.

قال إسماعيل: "من المتوقع أن تحل الرقاقات البيولوجية محل وسائل التشخيص الطبي التقليدية في الكشف عن العديد من الأمراض، وفي مقدمتها مرض السرطان؛ إذ ستمكننا من الكشف عن المرض في مراحله المبكرة، كما أنها تُعَد -بشكل عام- أسرع وأكثر توافرًا وانخفاضًا في التكلفة".

وشدد إسماعيل على أن الرقاقات البيولوجية ستتيح لنا أيضًا تشخيص المرضى عن بعد، باستخدام التكنولوجيا المعروفة بالطب عن بُعد telemedicine، واصفًا الأمر بأنه "ثورة مستقبلية" في طرق تشخيص الأمراض من خلال تقديم فحص أسرع ويتميز بالدقة العالية.

وعادةً ما يستغرق الفحص وقتًا، ويحتاج منا التنقُّل حيث المعامل المجهَّزة، وتكون تكلفته المادية عالية، وخاصة مع أولئك الذين يعيشون في المجتمعات الفقيرة بالعالم النامي.

وتُعَد الرقاقات البيولوجية اتجاهًا جديدًا وجزءًا من طفرة تكنولوجية هائلة في العلوم؛ إذ يجري دمج الإلكترونيات مع تكنولوجيات أخرى داخل رقاقة واحدة بالغة الصغر؛ وذلك لاستخدامها في نطاق واسع من المجالات، مثل الطب. وقد أمكن من خلال التطوُّر الحاصل في تكنولوجيات النمنمة أو التصغير دمج الملايين من أجهزة الترانزستور في مساحة صغيرة ومحدودة للغاية واستثمار ذلك في صناعة أجهزة الحاسوب والمحمول، والرهان الآن على الاستفادة مما وصل إليه العلم في هذا الإطار في المجال الطبي.

وظائف أكثر تعقيدًا

ولا يزال تشيخص الأمراض على نطاق واسع بالطرق التقليدية المعتادة أمرًا صعب المنال، فبرغم الدقة البالغة للنظم الحالية، يصعب توفيرها بأعداد كبيرة، فضلاً عن كونها باهظة التكلفة. فعادةً ما تحتاج المجسات الكيميائية -المعتمدة على رصد وتحليل المتغيرات الكيميائية، والمستخدَمة في الرقاقات- إلى محركات معقدة مثل مضخات وقنوات ميكانيكية بالغة الصغر MEMs (نظم كهروميكانيكية صغرى Microelectromechanical systems)، بحيث تستطيع نقل وتحريك السوائل والخلايا المراد تشخيصها وتحليلها من موضع إلى آخر.

يقول إسماعيل: "ولذلك، يركز بحثنا على فئة فرعية من الرقاقات البيولوجية التي تعتمد على تكنولوجيا الإلكترونيات القياسية والعامة، وهي ترتكز على استخدام تقنية تُعرَف بشبه موصل أكسيد الفلز المكمل أو ما يُعرَف علميًّا بـCMOS (Metal Oxide Semiconductors Complementary)". ويعتمد هذا النوع من الرقاقات على رصد وتحليل الخواص الفيزيائية للخلايا وسوائل الجسم البشري، وليس على رصد وتحليل خواصها الكيميائية.

والرقاقات البيولوجية هي رقاقات إلكترونية متطورة، مزوَّدة بوظائف خاصة للاستشعار بالخلايا البيولوجية والتأثير عليها. وهناك الآن العديد من أنواع الرقاقات البيولوجية التي تتضمن أنواعًا كثيرة من المجسات والمحركات. ويُعَد التحدي الماثل أمام العلماء الآن عدم إمكانية تزويد MEMs بإمكانيات نقل الخلايا والسوائل داخل الجسم لاتمام عمليات الفحص والتشخيص.

ويوضح إسماعيل: "نحاول استخدام وسائل مكتشفة حديثًا نسبيًّا من أجل الاستبدال بـMEMs، بما يمكِّننا من نقل الخلايا عبر تسليط الأقطاب الكهربائية عليه، ومن دون أية أجزاء ميكانيكية".

ويضيف: كما نعمل على الاستبدال بالمجسات الكيميائية مجساتٍ فيزيائية؛ إذ يمكن لهذا النوع من المجسات الكشف عن الخصائص الفيزيائية للخلايا، مثل حجمها وكتلتها، أو خواصها الكهربية وغيرها من الخصائص المميزة".

ويجري تصنيع رقاقات CMOS البيولوجية عبر إضافة الإشارات الكهربائية إلى الأقطاب الكهربائية الموجودة على الرقاقات، بما يمكِّنها من نقل وتحريك عينة الخلايا المراد فحصها وتحليلها، وهي إمكانية غير متاحة في الأنواع التقليدية من الرقاقات.

وأوضح إسماعيل: من خلال استشعار حركة الخلايا، يمكننا الاستدلال على بعض الخصائص الفيزيائية لها والتي تختلف في حالة الخلايا الطبيعية عن الخلايا السرطانية، على سبيل المثال، مما يتيح لنا الفرصة لاكتشاف الإصابة بمرض السرطان من عدمه. ويوضح إسماعيل: "عادة ما تكون الخلايا السرطانية أثقل وزنًا من الطبيعية، وبالتالي يمكننا -من خلال قياسات الكتلة والحركة- التمييز بين النوعين".

وتتوافر الآن الكثير من الأماكن المعتمدة حول العالم التي تقوم بتصنيع أية رقاقات بصورة سريعة ومضمونة ومنخفضة التكلفة وبأعداد هائلة، وهو ما يعد ميزة أساسية في استخدام تكنولوجيا CMOS.

وفي الماضي، كان مجالا الاتصالات والحوسبة يُسهمان في تطور تكنولوجيا CMOS والرقائق البيولوجية، أما الآن، فقد أصبح الطب الحيوي هو القوة الدافعة الجديدة في تطور تكنولوجيا CMOS مؤديًا إلى ابتكارات مثل استخدام الرقائق البيولوجية في الكشف عن مرض السرطان.

"من المتوقع أن تتاح الرقائق البيولوجية في الصيدليات والمكاتب الطبية، في المستقبل، بتكلفة منخفضة، في غضون السنوات العشر القادمة، وفق إسماعيل، بالإضافة إلى قيامها بوظائف أكثر تعقيدًا مثل تحليل الدم الشامل والكشف عن الكثير من الأمراض مثل الفيروسات وتحليل الحمض النووي. وأضاف: "سيكون هناك عالم متصل من خلال الممارسات الطبية، بدايةً من البحث والتطوير إلى إمكانية توافر أجهزة للكشف الطبي بالمنازل، وأخيرًا، الحصول على العلاج من قِبَل مقدمي الخدمات الطبية، وسيكون لذلك دور مهم فيما يتعلق بالكشف عن مرض السرطان بشكل خاص، بالإضافة إلى إمكانية تطبيق ذلك في جميع المجالات".

وكان اللقاء قد تناول أيضًا الجهود البحثية التي يقوم بها مركز الإلكترونيات وأجهزة النانو بالجامعة الأمريكية بالقاهرة بالتعاون مع جامعة زويل في تصميم الرقاقات البيولوجية واختبارها في تشخيص الأمراض والإمكانيات المستقبلية لتطوير استخدامها، كما تناول أيضًا التطور التكنولوجي المستمر في عالم الرقاقات البيولوجية والعائد المباشر على صحة الإنسان.