في عام 1956، أعلنت شركة IBM الشهيرة عن إنجاز ثوري، نقل عالم الحواسيب إلى منطقة جديدة تمامًا، إذ نجحت الشركة العملاقة في ابتكار كمبيوتر يحوي محرك أقراص مغناطيسي «هارد ديسك» بسعة تبلغ 5 ميجابايت. أطلقت الشركة على كمبيوترها الجديد اسم «راماك 350» وقالت -آنذاك- إن وحدة تخزين المعلومات الجديدة ستمكِّن المستخدم من إدخال المعلومات والوصول إليها على الفور.

وقبل راماك، كان يجب إدخال المعلومات عن طريق تشغيل كومة من البطاقات من خلال آلة مثقوبة، الأمر الذي يستغرق ساعات أو حتى أيامًا، أما محرك الأقراص المغناطيسي الصلب المُضمن في جهاز IBM فقد ساعد الشركات على استخدام الكمبيوتر عبر إدخال البيانات بسرعة ودقة، ودون جُهد يُذكر، مقارنة بما كان عليه الوضع في السابق.

الآن، وبعد نحو 60 عامًا على ابتكار الأب الشرعي لكل محركات الأقراص الجديدة، يبدو أن العالم على عتبة حقبة جديدة في مجال تخزين المعلومات وإدخال البيانات، فعوضًا عن استخدام الأقراص الصلبة لتخزين البيانات، تمكَّن علماء من جامعة هارفارد من تطوير وسيلة حيوية لحفظ البيانات واستعادتها، ألا وهي الحمض النووي (دي إن إيه DNA)، ما يبشر بثورة جديدة في عالم تخزين البيانات.

فوفق ورقة علمية، نُشرت في دورية «نيتشر»، تمكَّن باحثون من جامعة هارفارد من تخزين البيانات في الحمض النووي، وتشفير صورة بالأبيض والأسود، علاوة على فيلم قصير، على مجموعة من الوحدات الأساسية في الحمض النووي، ثم قاموا بإدخالها إلى جينومات لتجمُّعات بكتيريا حية.

استخدم الباحثون نظام كريسبر- كاس لتشفير قيم بكسلات الصور بالأبيض والأسود وفيلم قصير في جينومات تجمُّعات البكتيريا الحية، ونجحوا في دفع الحدود التقنية لنظام تخزين المعلومات في هذا الوسيط الجديد، كما حسنوها للحد من القيود الموجودة بهذا النظام.

ويقول الباحثون أن التقنية المستخدمة هنا يمكن أن تمكن الخلايا الحية لتصبح "مسجل جزيئي" يرصد ما يحدث في الخلية آنيًا، ويالتالي التقاط التطورات البيولوجية التى تحدث داخل الجسم، ولم يكن من الممكن رؤيتها من قبل، أي اننا أمام نوع جديد من المسجلات، يمكن أن نطلق عليه مسجل فيديو عضوي رقمي.

يقول الباحث الرئيسي في الدراسة، سيث شيبمان، والذي يعمل في كلية الطب بجامعة هارفارد، إنه استخدم طريقة إدخال البيانات عبر 21 تسلسلًا مختلفًا، لإنشاء قاعدة حفظ بيانات مرنة في الحمض النووي، مشيرًا إلى أن خطوتهم التالية هي ربط هذا النظام بالكائنات الحية لتسجيل عمليات حيوية لا يُمكن فهمها إلى الآن.

وأضاف أن الفريق البحثي بدأ في العمل على الورقة المنشورة اليوم منذ عام 2013، إلا أنه استعان بورقات بحثية أخرى سابقة نُشرت في أوائل القرن الحالي، مؤكدًا أن حساب تكلفة عملية الترميز وإدخال البيانات «معقد بشدة»، وتصل لقرابة 0.96 دولار لكل بايت.

ووفق شريف الخميسي، أستاذ الكيمياء الحيوية وعلم الوراثة الجزيئية ومدير مركز علوم الجينوم بمدينة زويل العلمية، فإن الدراسة الجديدة تمهد الطريق أمام إنتاج «هارد ديسك حيوي» يُخزن المعلومات في الحمض النووي.

يقول الخميسي في تصريحات خاصة لـ«للعلم»: إن تخزين البيانات والمعلومات على الحمض النووي واحدة من أفضل طرق التخزين الواعدة، إذ إنه خفيف الوزن، ولا يحتاج إلى مساحة كبيرة، وسهل النقل، ويحافظ على المعلومات لمئات السنوات دون الحاجة إلى استبداله كما يحدث في وسائل التخزين التقليدية.

 

الحاجة إلى التطوير

وينمو الطلب على تخزين البيانات باستمرار، غير أن قدرة وسائل التخزين الحالية لا تواكب هذا الطلب، خصوصًا مع الحجم الهائل في إنتاج المعلومات، إذ تزيد الحاجة إلى ابتكار وسائل تخزين غير اعتيادية.

ويُعَد الدي إن إيه هو العماد الأساسي للكائنات الحية ووجود الحياة على الأرض، إذ إنه يحتوي على التعليمات الجينية التي تصف التطوُّر البيولوجي للكائنات الحية ومعظم الفيروسات، كما أنه يحوي التعليمات اللازمة لتكوين أعضاء الأجنة، سواء في الرحم أو البيضة أو النبات.

ومنذ بدء الكون وإلى الآن، تستخدم جميع النظم الحيوية الحمض النووي لتخزين المعلومات الخاصة بها ونقلها إلى الأجيال المقبلة، لذا يرى العلماء أنه أحد أهم الوسائل المستقبلية لحفظ البيانات.

لقد حاول العلماء، مع بداية القرن الحالي، استخدام تقنيات مختلفة لإدخال البيانات في الجينات، وفي عام 2013، نشرت مجلة نيتشر بحثًا يُفيد بنجاح علماء من جامعة نيوساوث ويلز الأسترالية في ترميز مجموعة 154 سوناتا الشِّعرية لشكسيبر، علاوة على مقطع صوتي للخطاب الشهير «لديَّ حلم» الذي ألقاه الناشط المعروف مارتن لوثر كينج أمام تجمع من الأمريكان عام 1963.

كما قامت شركة مايكروسوفت في عام 2015، بافتتاح معمل مُخصص لابتكار طُرق لتخزين البيانات على المستوي الجزيئي في الحمض النووي من خلال الاستفادة من التقدم في مجالات التكنولوجيا الحيوية وأساليب التلاعب بالتسلسل الجيني. وإلى الآن يتعاون باحثو مايكروسوفت مع جامعة واشنطن لاستخدام الحمض النووي كوسيط تخزين عالي الكثافة.

الكتابة على الدي إن إيه

من المعروف أن وسائل التخزين الرقمية الاعتيادية تُخزن المعلومات وتسترجعها عن طريق الكتابة بطريقة «صفر وواحد»، فكيف يتم تخزين المعلومات على الحمض النووي DNA؟

الإجابة يقدمها طارق قابيل، أستاذ التقنية الحيوية المساعد بكليتي العلوم والآداب جامعة الباحة والعلوم جامعة القاهرة، الذي يقول في تصريحات خاصة لـ«العلم» إن العلماء يستبدلون بقيم الصفر والواحد قيمًا أخرى تمثلها الحروف الجينية الأربعة ACGT، والتي تمثل الوحدات الرئيسية في بناء الحمض الريبوزي النووي منزوع الأكسجين DNA وتُعَدُّ الحروف الأساسية التي تكتب بها الجينات.

ووفق «قابيل» فإن العلماء يُرمزون البيانات بالحروف الجينية الأربعة، ثم يقومون بإدخالها إلى الحمض النووي عن طريق جهاز خاص لتحويل البيانات الرقمية إلى بيانات حيوية، ثم يتم حفظ الحمض النووي في درجات حرارة منخفضة لحين الحاجة إلى استعادة البيانات عبر استخدام الجهاز نفسه لإجراء عملية عكسية تُحول الحروف الجينية إلى لغة الكمبيوتر المعروفة «صفر وواحد».

ومن الناحية الكيميائية، يتكون الدي إن إيه من سلسلتين من الجزيئات مرتبطتين بعضهما ببعض، وتشكلان اللولب المزدوج، وهاتان السلسلتان تمثلان ضلعي "سلم"، وحداته البنائية تسمى النيوكليوتيدات. وتتكون السلسلتان من سكر خماسي الكربون ريبوزي منقوص الأكسجين ومجموعة فوسفات، إذ تربط القواعد النيتروجينية: غوانين (G) وأدينين (A) وثيمين (T) وسيتوزين (C)، أو ما يُتعارف عليه بدرجات السلم بين السلسلتين.

تقنية كريسبر

وفي الماضي، كان العلماء يقومون بتخليق الحمض النووي معمليًّا وإدخال المعلومات عليه، أما الآن، ووفق الدراسة الجديدة التي نشرتها نيتشر اليوم، فقد تمكن العلماء من استخدام تقنية كريسبر لإدخال البيانات إلى مجموعات من البكتيريا الحية، الأمر الذي فتح آفاقًا جديدة؛ إذ إن الطريقة الجديدة تتيح نقل تلك المعلومات إلى أجيال أخرى من البكتيريا، عبر تناسخ الحمض النووي في جيل «الأبناء».

ووفق شيبمان، قام الفريق البحثي باستخدام نظام التحرير الجيني (كريسبر- كاس) لتخزين محتويات النوكليوتيدات –الوحدة الأساسية في بناء الحمض النووي- الخاصة بالفيروسات الغازية في الجهاز المناعي الميكروبي لاكتساب حصانة تكييفية من جَرَّاء عمليات التكيُّف معها، وقد نجح في تسخير هذه الآلية، ما جعل النظام لديه القدرة على كتابة معلومات محددة في جينوم الخلية.

ومن المعروف أنه حين تُهاجم البكتيريا أو الفيروسات الخلايا الحية، تقوم الخلايا بنسخ معلوماتها والاحتفاظ بها في سجلاتها الجينية لتسهيل عملية مقاومتها حال الهجوم عليها مرة أخرى من قِبَل نفس الكائنات، وهو الأمر الذي يُعرف في البكتيريا باسم الحصانة التكييفية.

البيانات شديدة الحساسة

ويمكن لنظام قائم على الحمض النووي تخزين البيانات بشكل آمِن لألف عام، في حين يمكن للنظم الرقمية الحالية تخزين المعلومات لحوالي 50 عامًا فقط، لكن ترميزها في الحمض النووي قد يمدّ -إلى حد كبير- من عمرها.

 يشير الخميسي إلى أن تخزين البيانات في الحمض النووي يصلح للحفاظ على الأسرار العسكرية والبيانات الحساسة التي تمس الأمن القومي للبلاد؛ «فطريقة التشفير والترميز تجعل من المستحيل على أي جهة اختراق تلك المعلومات أو الحصول عليها، حتى لو حصلت على الحمض النووي ذاته المخزن عليه المعلومات» على حد قوله.

إلا أن هناك عددًا من العقبات التي يرى الخميسي أنها لا تزال في حاجة إلى مزيد من الأبحاث، منها مشكلة ارتفاع التكلفة مقارنة بتكلفة تخزين البيانات في الوسائل العادية، وأيضًا ارتفاع نسبة الخطأ في الاسترجاع حال تخزين بيانات كبيرة على الحمض النووي، "الحروف الجينية التى تُكتب بها البيانات يتكرر بعضها وراء بعض بنفس التتابع، ما قد يُسبب خطأ في أثناء استرجاع المعلومات"، إلا أنه يعود ويؤكد أن تلك المشكلات "ستُحل بالتأكيد خلال السنوات العشر المقبلة"، مشيرًا إلى أنه ليس من المستبعد أن يتحول الإنسان في المستقبل إلى "هارد ديسك يمشي على قدمين".