تكتسب الضمادات المستخدمة لإيقاف النزيف اهتمامًا عالميًّا متزايدًا؛ فهي قد تنقذ الإنسان من الموت عند حدوث النزيف أو تقلل من مضاعفاته. وتمتد تطبيقات هذا النوع من المنتجات الطبية فى عمليات الإسعاف والطوارئ والتدخلات الجراحية ومرضى نقص التجلط.

ومن أحدث الابتكارات فى هذا المجال ضمادات علاجية قابلة للتحلل، ابتكرها فريق بحثي مصري أمريكي مشترك متعدد التخصصات، ونشرت دراستهم مؤخرًا دورية "نيتشر كومينيكيشن". تتيح تلك الضمادات سرعة إيقاف النزيف والتئام الجروح، إضافةً إلى تحلُّل الضمادة إلى مركبات حيوية بسيطة غير ضارة بالصحة، وقابلة للامتصاص من قِبَل الجسم.

يقول محمود الصبحي، الباحث المشرف على الدراسة والأستاذ المساعد بكلية الصيدلة بجامعة أسيوط: أُجريت الدراسة على مدار عدة سنوات، بالاشتراك بين كليتي الصيدلة والطب بجامعة أسيوط، وأقسام الكيمياء والهندسة الكيميائية وعلوم المواد والهندسة وتفاعلات البيولوجيا المخلقة بجامعة تكساس A&M، وشملت أيضًا تقييم كفاءة الضمادة المبتكرة مقارنةً بمثيلاتها المتاحة تجاريًّا، وكذلك الضمادات التقليدية المطروحة في الأسواق.

ويقول مصطفى حمد، أستاذ الجراحة العامة بكلية الطب جامعة أسيوط، والباحث المشارك بالدراسة: إن النزيف يُعَد من أكثر مسببات الوفاة أو حدوث المضاعفات في أثناء الحوادث أو العمليات الجراحية، وما زال الباحثون يبذلون جهودًا هائلة؛ لابتكار وسائل جديدة لإيقافه، أو لتحسين فاعلية الوسائل المتاحة بالفعل، مؤكدًا أن "الابتكار الذى نحن بصدده يمثل منتجًا مبتكرًا فى تصنيعه؛ لأنه يعتمد على تكنولوجيا النانو"، مضيفًا أن هذا المنتج يتميز بتنوع تطبيقاته واستخداماته؛ إذ يمكن استخدامه فى حالات الطوارئ، سواء كانت ناتجةً عن إصابات الحروب والعمليات العسكرية أو من جَرَّاء الإصابات المدنية، خاصةً فى مرحلة ما قبل دخول المستشفى، التي تُعَد من أخطر المراحل بعد أي إصابة.

ويشدد "حمد" على أنه فى هذه الحالة يمكن استخدام هذا المنتج فى صورة ضمادات من الشاش؛ لوقف النزيف مرحليًّا إلى أن يتم التعامل الجراحي التخصصي مع الحالة، كما يمكن استخدامه في مختلِف العمليات الجراحية والتدخلات الطبية الأخرى، باعتبار ذلك إحدى الوسائل الفعالة المتوافرة للجراح لإيقاف النزيف المحتمل حدوثه في غرفة العمليات، مضيفًا أنه فى هذه الحالة يفضل استخدام المنتج فى صورة قابلة للامتصاص من الجسم على مدار أيام أو أسابيع بعد العملية.

ويُعد النزف أحد الأسباب الرئيسية للوفاة في الإصابات الرضية؛ إذ يحتل المرتبة الرابعة في الولايات المتحدة، وبتكلفة إجمالية قُدرت بـ671 مليار دولار في عام 2013.

مركب من قشر الجمبري

نجح الفريق البحثي في تطوير ضمادة للجروح قابلة للامتصاص الحيوي استنادًا إلى خصائص مثبتة بالفعل فيما يتعلق بمادة الكيتوزان chitosan -وهي مادة طبيعية تستخدم على نطاق واسع في ضمادات الجروح التجارية- وقد عمل الباحثون على معالجتها على نطاق نانوي لتعزيز فاعليتها وتأثيرها.

ووفقًا للدراسات العالمية فإن هناك اهتمامًا دوليًّا ببعض المركبات الكيميائية التي تُسهم في سرعة التئام الجروح، مثل مركب الكيتوزان المستخرج من قشر الجمبري، والمستخدم حاليًّا لمكافحة العدوى الميكروبية والفطرية والكثير من المجالات الصناعية والزراعية، وفق "الصبحي". يقول "الصبحي" إنه بمتابعة التطور فى مجال الضمادات الطبية يمكننا ملاحظة أن هناك ثلاثة منتجات أمريكية وإنجليزية تهيمن على الأسواق العالمية، ذات أسعار عالية جدًّا، كما أن أغلبها يعتمد على إضافة الكيتوزان؛ لنجاحها فى سرعة التئام الجروح وتجلط الدم، إلا أن هذه المنتجات تتفاوت فى كفاءتها وفقًا لتصميم الضمادة ومساحة التفاعل بين الجروح والكيتوزان.

 نموذج للضمادة المبتكرة credit:Dr Mahmoud ElSabahy  

وبالتالي ما سعينا لتنفيذه هو تصميم مركب هيدروجيل لنوع من البوليستر، يتميز بمساحة سطح كبيرة، ويتيح حمل مركبات نانومترية للكيتوزان، أملًا في تحقيق معدلات أسرع فى وقف النزيف والتئام الجروح، كما حرصنا على إضافة خاصية أخرى تُسهم فى تحلل الضمادات وامتصاص الجسم لها، بما يغني عن أي تدخل طبي لتغيير الضمادات أو إزالتها، وفق "الصبحي".

 وللتأكد من فاعلية التصميم المبتكر تم إجراء التجارب المعملية على أنواع مختلفة من الحيوانات مثل الفئران والأرانب والخنازير، وذلك بتعريضها لإصابات مختلفة ومقارنة سرعة التئام الجروح ومعدلات الدم المفقودة عند استخدام الضمادة المبتكرة والمقارنة بمثيلاتها، إذ جرى تعريض حيوانات التجارب لجروح حادة في الكبد واختبار قدرة الضمادات على وقف النزيف من حيث سرعة الإيقاف وكمية الدم المفقودة. 

من جانبه، يشير "حمد" إلى أنه بخلاف التجارب على الحيوان، أُجريت تجربة على البشر باستخدام أنواع مشابهة من الضمادات غير قابلة للامتصاص بعد أخذ كل التصاريح اللازمة، إذ أثبتت فاعلية عالية في إيقاف النزيف في أثناء نوعيات مختلفة من الجراحات. ويشدد "حمد" على أنه يمكن الاستعانة بالضمادة ذاتها في الجراحات المعقدة، موضحًا أنه فى هذه الحالة ستنضم هذه الضمادات إلى الوسائل الأخرى التي توقف النزيف الناتج عن الجراحة، وقد تكون مفيدة جدًّا في تقصير مدة العملية الجراحية، وتجنُّب بعض الطرق الأخرى التي قد تكون أكثر تعقيدًا أو تكلفةً أو أقل فاعلية، ويؤكد أنهم حريصون فى المستقبل القريب على تجربة هذه الأنواع من الضمادات القابلة للامتصاص على أعداد أكبر من البشر.

وبدوره، يؤكد "الصبحي" أنه وفقًا للتجارب المعملية التي أجريت على أنواع مختلفة من الحيوانات، ثبت أن الضمادة المبتكرة تُسهم فى سرعة توقف النزيف، وبالتالي خفض معدلات فقد الجسم للدم بنسب أفضل بكثير بالمقارنة بالضمادات المشابهة حاليًّا.

وعن نوعية المركبات التي تتحلل إليها الضمادة بعد التئام الجرح، أشار إلى أنها عبارة عن مركبات جلوكوزامين ومشتقات السيكلودكسترين، إذ تمتص في مكان الإصابة، كما يتخلص الجسم منها طبيعيًّا عن طريق الكبد والكلى.

الابتكار قابل للتصنيع

ويشدد "الصبحى" على أن الابتكار قابل للتصنيع كمنتج مصرى فعال لإيقاف النزيف ويتميز بفاعلية عالية، وقد جرت مقارنته بالمنتجات العالمية. وأضاف أنه بالرغم من كونه يعتمد على تكنولوجيا النانو، إلا أن تصنيعه غير مكلف، ويمكن تسويقه بأسعار أرخص بكثير من مثيلاته العالمية، موضحًا أنه يمثل ابتكارًا علميًّا جديدًا، لذا فقد تم التقدم ببراءة اختراع دولية قاربت إجراءاتها على الانتهاء لتغطي مصر وأمريكا والاتحاد الأوروبي؛ لحماية هذا الابتكار من محاولات تقليده دون إذن.

وتعليقًا على نتائج البحث يقول هشام فتحي، أستاذ أمراض النساء والتوليد بكلية الطب جامعة عين شمس: إن الدراسة واعدة ومبشرة وفقًا لنتائج التجارب التي أُجريت على الحيوان، ومقارنتها بالضمادات التقليدية، إلا أنه من المفضل انتظار بدء التجارب على البشر وعلى أنواع مختلفة من الجروح السطحية والداخلية؛ للاطمئنان إلى كفاءة الضمادات.

: د. محمود الصبحي والفريق البحثي المشارك فى الدراسة credit:Dr Mahmoud ElSabahy  

ومن جانبه، يقول إيهاب سعد، أستاذ طب وجراحة أمراض العيون بكلية الطب جامعة القاهرة: تتناول الدراسة سبل إيقاف النزيف غير محدد المصدر، مضيفًا أن النزيف يحدث بسبب فقد الدم من أوعية دقيقة أو متوسطة أو كبيرة، وفى حالة الأوعية الدقيقة فإنه من المعتاد إيقاف النزيف بالكي، أما في حالة الأوعية المتوسطة والكبيرة، فيتم إيقاف النزيف بربط الجرح، وفي حالات نزيف الكبد أو الطحال فيجب إيقاف النزيف باستخدام مواد وضمادات خاصة. وأضاف أن الابتكار يُعد خطوة مهمة على المستويين المحلي والدولي؛ لتلبية حاجة دائمة إلى الضمادات التي يمكن الاستفادة بها لإيقاف نزيف الجروح، خاصة في حالات الطوارئ؛ لتجنُّب فقد المريض للدم، والحفاظ على حياة المصابين.