وسط توقعات بارتفاع عدد سكان العالم إلى 9.7 مليارات نسمة بحلول عام 2050، تتزايد تحديات القطاع الزراعي فيما يتعلق بتوفير احتياجات البشر من الغذاء، في ظل تفاقُم حدة التداعيات الناجمة عن التغيرات المناخية، وتراجُع مساحات الأراضي القابلة للزراعة، وتدهوُر البيئة والموارد الطبيعية، بما في ذلك فقدان كثير من عناصر التنوع البيولوجي الذي يؤدي دورًا مهمًّا في تحقيق إنتاج زراعي مستدام، من خلال تعزيز إنتاجية الحاصلات الزراعية.

وخلصت دراسة علمية حديثة أجراها أكثر من مئة باحث من مختلِف أنحاء العالم، إلى أن التنوع البيولوجي مهم بالنسبة لاستمرار حياة البشر على كوكب الأرض، باعتبار أن هذا التنوع يؤدي دورًا حاسمًا في تحقيق الأمن الغذائي.

اعتمد الباحثون على مقارنة البيانات التي تم جمعها من نحو 1500 حقل حول العالم، بدايةً من حقول الذرة في السهول الأمريكية، مرورًا بحقول بذور الزيوت في جنوب السويد، حتى مزارع البن في الهند، والمانجو في جنوب أفريقيا، وصولًا إلى محاصيل الحبوب في جبال الألب، لقياس معدلات الإنتاجية الزراعية في تلك الحقول، استنادًا إلى اثنين من المقوِّمات الإيكولوجية التي توفرها الطبيعة، وهما عملية التلقيح التي تقوم بها الحشرات البرية، والمكافحة البيولوجية للآفات الزراعية.

يقول ماتيو دينيز -عالِم الأحياء في معهد "يوراك للأبحاث" بإيطاليا، والمؤلف الأول للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن النتائج التي توصلنا إليها على جانب كبير من الأهمية؛ إذ تُظهر أن التنوع البيولوجي أمرٌ مهمٌّ جدًّا لضمان توفير خدمات النظام الإيكولوجي، والحفاظ على إنتاج زراعي أعلى وأكثر استقرارًا".

بديل آمن

يضرب "دينيز" مثلًا لأهمية الدراسة، موضحًا أنه "يمكن للمزارعين الاعتماد بدرجة أقل على المبيدات الكيميائية للتخلص من الآفات والحشرات الضارة، في حالة إذا ما أمكن زيادة المكافحة البيولوجية الطبيعية، من خلال زيادة التنوع البيولوجي الزراعي"، مشيرًا إلى أن الباحثين أوصوا بحماية النظم البيئية التي تعتمد صحتها على التنوُّع البيولوجي، وتنوُّع المحاصيل، بالإضافة إلى زيادة المسطحات الزراعية قدر الإمكان.

ووفق نتائج الدراسة، تظهر أهمية التنوُّع البيولوجي في إتمام عمليات التلقيح في مناطق المسطحات غير المتجانسة التي تتنوع فيها النباتات والأشجار وتغلب عليها طبيعة المروج المفتوحة، وتكون الملقحات البرية -مثل الحشرات- هي الأكثر وفرةً وتنوعًا، وبالتالي الأكثر نفعًا، ليس فقط لإتمام عمليات التلقيح أو المكافحة البيولوجية، بل وفي زيادة إنتاجية المحاصيل أيضًا.

Caption

وعلى الجانب الآخر، تظهر الدراسة أن "الزراعة الأحادية"، أو الاكتفاء بزراعة محصول واحد، هي سبب نحو ثلث الآثار السلبية لعمليات التلقيح التي تجري في تلك الزراعات، ويتم قياس هذه التأثيرات بمدى فقدان "وفرة الملقحات"، وهذا التأثير عادةً ما يكون أكبر؛ نتيجة عمليات مكافحة الحشرات الضارة، إذ يمثل فقدان الملقحات الطبيعية حوالي 50% من إجمالي العواقب الناتجة عن نمط الزراعة الأحادية.

زيادة الإنتاجية

وعن أهمية التنوُّع البيولوجي في زيادة إنتاجية الحاصلات الزراعية، يقول "دينيز": "إن تعزيز التنوع البيولوجي حول الحقول الزراعية يُعد أمرًا ضروريًّا لضمان الحصول على إنتاج غذائي أكثر وفرةً واستقرارًا؛ إذ إن المسطحات الخضراء التي تتميز بثراء مكوناتها وتنوُّعها -مثل المحاصيل والأشجار والمروج- تعزِّز عمليات التلقيح البرية، بالإضافة إلى تحسين المقاومة البيولوجية للآفات والحشرات الضارة، وبالتالي زيادة الإنتاجية الزراعية".

من جهته، يقول إنجولف ستيفان دوينتر" -العالِم في قسم البيئة الحيوانية والأحياء الاستوائية بجامعة "فورتسبورج" في ألمانيا، والباحث المشارك في الدراسة، ضمن مشروع "التحرير"، التابع للاتحاد الأوروبي- إنه "مع التغيرات العالمية المستمرة، وتزايد نوبات المناخ القاسية، تصبح قيمة التنوع البيولوجي للأراضي الزراعية أكثرَ أهمية، لضمان مرونة هذه المناطق بمواجهة الاضطرابات البيئية".

يضيف "دوينتر"، في تصريحات لـ"للعلم"، أن "الدراسة توفر دعمًا تجريبيًّا قويًّا للمنافع المحتملة لانتهاج أساليب جديدة للزراعة المستدامة، تهدف إلى التوفيق بين حماية التنوع البيولوجي، وإنتاج الغذاء للأعداد المتزايدة من البشر".

وعن أهمية ما توصلت إليه الدراسة، يقول مصطفى فودة، الرئيس السابق لقطاع حماية الطبيعة بوزارة البيئة: إن "التلقيح هو خدمة أساسية في الأنظمة الإيكولوجية، وفي كثير من الأحوال يكون نتيجةً لعلاقات متشابكة بين النبات والحيوان، وإذا ما تأثر أحدهما فإن ذلك سيؤثر في بقاء كلا الطرفين، وبينما تعتمد كثير من النباتات في تلقيحها على الرياح، وليس الحشرات فقط، فإن ما يقرب من ثلث المحاصيل الزراعية في العالم، تعتمد على التلقيح بفعل الحشرات أو الحيوانات الأخرى، وبالتالي فإن الملقحات تُعد أحد العوامل الجوهرية للتنوع في ألوان الطعام، وفي حفظ الموارد الطبيعية".

تهديدات ومخاطر

إلا أن "فودة" تحدث -في تصريحاته لـ"للعلم"- عن بعض المهددات والمخاطر التي بدأت تواجه التنوع البيولوجي الزراعي في مصر، منها الممارسات الزراعية الخطأ، كالاستخدام المفرط للمبيدات والأسمدة الكيميائية، والزحف العمراني على الأراضي الزراعية، والصرف الصناعي والصحي في المجاري المائية والأنهار، مما أدى إلى تلوُّثها وتغيُّر خواصها، فضلًا عن الأنواع المهندَسة وراثيًّا، والأنواع الغريبة والغازية التي يتم إدخالها -سواء بقصد أو دون قصد- إلى البيئة المحلية، بالإضافة إلى بعض المشكلات التي قد تنجم عن ظواهر طبيعية أخرى، مثل التغيرات المناخية، والتصحر، وزحف الكثبان الرملية، وتملُّح التربة، وتراجُع خصوبتها، نتيجة غياب سياسة الدورات الزراعية.

ضمان الاستدامة

يصف محمد عبد المنعم -خبير التنوع البيولوجي في المكتب الإقليمي للشرق الأدنى وشمال أفريقيا بمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "الفاو"- الدراسة بأنها "مفيدة للغاية"، مضيفًا في تصريحات لـ"للعلم"، أن "الدراسة تُسهم في تسليط الضوء على الأدوار المهمة التي يمكن أن يؤديها التنوع البيولوجي في الإنتاج الزراعي المستدام، إذ ترتبط زيادة الإنتاج ارتباطًا وثيقًا بمدى ما يمكن تحقيقه في حماية البيئة، وضمان توفير خدمات النظام البيئي على نحوٍ مستدام"، وفق قوله.

ولفت خبير الفاو إلى أن المنظمة لديها إستراتيجية واضحة بشأن تعميم التنوع البيولوجي في النظم الزراعية والغذائية، موضحًا أن "الفاو تقوم بالتعاون مع شركاء آخرين ببناء قدرات بلدان الإقليم لتحقيق ذلك، وأن المكتب الإقليمي للشرق الأدنى وشمال أفريقيا بصدد تنظيم أول حوار إقليمي حول تعميم التنوع البيولوجي في القطاعات الزراعية، بهدف زيادة الوعي بأهمية الاستفادة من هذا التعميم، وتبادُل المعارف والخبرات والدروس المستفادة، إضافةً إلى مناقشة البرامج والمشروعات المتعلقة بهذا الهدف، سواء التي يجري تنفيذها، أو المشروعات المستقبلية".

ويشير تقرير لمنظمة الفاو، بعنوان "التنوع البيولوجي يكشف عن الكنوز في كل مكان حولنا.. كيف يمكن للأصناف المحلية أن تدعم التغذية والأمن الغذائي"، إلى أن "تناقص الأغذية المنتجة محليًّا، وزيادة الأغذية الصناعية، في كثير من المجتمعات المحلية، أدى إلى الابتعاد عن الموارد الغذائية التقليدية، والاتجاه نحو الأطعمة التجارية والجاهزة، وقد ارتبط هذا الاتجاه بالآثار الصحية السلبية، مثل السمنة، ومرض السكري، وأمراض القلب، وارتفاع ضغط الدم، وغيرها من الاضطرابات المرتبطة بالنظام الغذائي".

وشدد التقرير على أن "فهم العلاقات الرئيسية بين الشعوب وثقافاتها، والتنوع البيولوجي، وسبل العيش التقليدية وأنظمة المعرفة، والحفاظ عليها، هي عوامل حاسمة في ضمان الأمن الغذائي والتغذوي المستدام"، لافتًا إلى أنه بالرغم من فقدان العديد من الممارسات الغذائية التقليدية، لا تزال هناك فرصة لاستعادة نظم الأغذية المحلية وتعزيزها؛ حتى نتمكن من الاستفادة من المعارف والممارسات القديمة، للحفاظ على التنوع البيولوجي والاستفادة منه اليوم وفي المستقبل".

وعن أبرز التحديات التي واجهها فريق الدراسة، يقول "دينيز": تنويع مكونات المسطحات الزراعية ربما يكون مفتاحًا للحفاظ على التنوع البيولوجي، وقد يكون هذا التنوع في صورته البسيطة، مثل إضافة شريط من الزهور البرية على أطراف الحقول، أو إحاطتها بسياج من الأشجار، مما يتيح لهذه الأنواع المفيدة أماكن للعيش فيها، كما أن إنشاء شبكة من الموائل شبه الطبيعية يشكل خطوة مهمة نحو الوصول إلى نظم زراعية أكثر استدامة، تهدف إلى التوفيق بين حماية التنوع البيولوجي وإنتاج الغذاء لإطعام البشر، ويتمثل التحدي الرئيسي في الوصول إلى نظام إدارة أكثر فاعليةً للمسطحات الزراعية، يمكن أن يستفيد منها الجميع، الطبيعة والبشر.