أظهرت دراسة أمريكية حديثة، أن اختبارًا جديدًا للدم قد يساعد في معرفة الأشخاص الذين يمكن أن يستغرقوا سنوات للتعافي من إصابات الدماغ الرضِّيَّة أو ارتجاج المخ، مثل اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب.

وإصابة الدِّماغ الرَّضِّيَّة هي حالة مرضية تنتج عن قوة خارجية تُسلّط على الرأس وتؤذي الدماغ بطريقةٍ ما، وقد تتفاوت هذه الحالة من ضربةٍ خفيفةٍ على الرَّأس مصحوبة بدُوار عابر، إلى تلف يؤثر على الدّماغ نتيجة التَّعرُّض لإصابة رضِّيَّة كبرى، كإصابات الرأس المتكررة في حوادث الطرق والملاعب وميادين القتال.

ولكشف تأثيرات ارتجاجات الدماغ الخفيفة (mTBI) وأعراضها المزمنة المحتملة، راقب الباحثون 195 من قدامى المحاربين، متوسط أعمارهم 38 عامًا، 85% منهم ذكور، وفق الدراسة التي نشرتها دورية "نيورولوجي" (Neurology)، الصادرة عن الأكاديمية الأمريكية لعلم الأعصاب.

تم تقسيم المشاركين إلى 3 مجموعات، الأولى بلغ عددها 45 شخصًا ليس لديهم أي تاريخ إصابة بالارتجاجات، والثانية عددها 94 شخصًا، تعرَّضوا لارتجاج الدماغ مرةً إلى مرتين، في حين تعرض 56 شخصًا في المجموعة الأخيرة إلى ارتجاجات 3 مرات أو أكثر.

ووفقًا للدراسة، فقد مرت 7 سنوات على الأقل منذ تعرُّض المشاركين للارتجاج الأخير، كما تم فحصهم للتأكد من إمكانية إصابتهم بأعراض مزمنة ناجمة عن تلك الإصابات، مثل اضطراب ما بعد الصدمة أو الاكتئاب أو متلازمة ما بعد الارتجاج، وهي أعراض طويلة الأمد تقود إلى تغيرات المزاج ومشكلات الذاكرة والصداع.

واستند الباحثون في دراستهم إلى مؤشر حيوي يسمى (NFL)، وهو بروتين عصبي ينتشر في الدم عندما تصاب الخلايا العصبية في الدماغ أو تموت، ويُعد مؤشرًا على الإصابة بمجموعة متنوعة من الأمراض التنكسية العصبية.

وأخذ الباحثون من المشاركين عينات دم لتحديد مستويات هذا البروتين لديهم، ثم عملوا على قياس مستويات البروتين في بلازما الدم بشكل عام، وكذلك في الحويصلات الموجودة في سوائل الجسم خارج الخلية -أو ما يسمى "الأكسوسومات"- التي تؤدي دورًا رئيسيًّا في عمليات حيوية مثل تجلُّط الدم، والإشارات بين الخلايا، بالإضافة إلى كونها مؤشرًا حيويًّا لتشخيص الأمراض وعلاجها.

واكتشف الفريق البحثي أن الأشخاص الذين لديهم تاريخ من التعرُّض لثلاث حوادث فأكثر من الارتجاج، لديهم مستويات أعلى بنسبة 33% من بروتين (NFL)، وكانت مستويات "الإكسوسومات" أعلى بنسبة 34٪ في الدم، مقارنةً بمَن لم يتعرضوا لمثل هذه الحوادث، كما أنهم كانوا أيضًا أكثر عرضةً للإصابة بأعراض أكثر حدةً مثل اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب، بعد سنوات من حدوث الارتجاج.

من جهته، يقول كيمبرا كيني -قائد فريق البحث بمركز "والتر ريد" الطبي العسكري الوطني في الولايات المتحدة- في البيان الصحفي المُصاحب للدراسة: إن الدراسة تفسر السبب الذي يقف وراء تعافي معظم الأشخاص الذين يعانون من حوادث ارتجاج خفيف، وعدم استعادة آخرين لحياتهم بشكل كامل بعد الإصابة بسبب الإعاقة المزمنة.

ويضيف أن "إصابات الدماغ الخفيفة المتعددة تترك آثارها في صورة مؤشرات حيوية في دماء المصابين، حتى بعد سنوات من الإصابة الأخيرة، وهذا قد يساعد الأطباء على التنبؤ بمَن سيصاب بأعراض أكثر حدةً نتيجة تلك الإصابات.

ووصف إنجاز فريقه قائلًا: إنه أمرٌ مثيرٌ؛ لأننا قد نكون قادرين على التدخل مبكرًا للمساعدة في تقليل التأثيرات الكبيرة للارتجاجات على الدماغ، بل والتنبؤ بهذه التأثيرات قبل سنوات من حدوثها. وأشار "كيني" إلى أن أحد قيود الدراسة هو العدد الصغير نسبيًّا للمشاركين.

من جهته، يقول فراس قبيسي، الباحث بقسم الكيمياء الحيوية وعلم الوراثة الجزيئي بالجامعة الأمريكية في بيروت، غير المشارك في الدراسة: إن البحث خرج بنتائج مهمة للغاية للتنبؤ بالأعراض التي يمكن أن تحدث نتيجة تكرار إصابات الدماغ الخفيفة.

يضيف "قبيسي" في تصريحات لـ"للعلم" أن "ما يميز هذا البحث أنه كشف لأول مرة أنه مع التعرُّض لإصابات الدماغ الرضّية بشكل متكرر، فإن "الإكسوسومات" الموجودة في الدم، يمكن أن تحمل بروتين الـ(NFL) التي تأتي من الخلايا العصبية للدماغ، كمؤشر حيوي جديد على أن هناك مشكلةً ما في المخ، يمكن أن تحدث للأشخاص نتيجة تلك الإصابات.

وأشار "قبيسي" إلى أن اكتشاف هذه المؤشرات الحيوية ينبه الأطباء إلى مراقبة مَن لديهم مستويات أعلى من بروتين الـ(NFL) بعد التعرُّض لضربات الرأس الخفيفة المتعددة، وضرورة التدخُّل العلاجي المبكر في حالة ظهور أعراض مثل اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب، وهذا ما يسهِّل علاج مثل هذه الأعراض.