بعد أن استقبلَنا عند المدخل المحاط بأحواض الزهور، دعانا إلى ركنه الأثير في الحديقة الداخلية. كنا عشرةً ممن اختصهم بدعوة على الغداء، معظمهم من تلاميذه وأصدقائه المقربين الذين يعرفون المكان جيدًا، بينما كانت هذه أول مرة أشرف فيها بدعوته. تَوزَّعنا على الكنبات والمقاعد المريحة تحت تعريشة مظللة بالنباتات، ولم يكن يتوسطنا، لكن سحره الودود، والمشع في الوقت نفسه، جعله مركز الجمع في هذا المكان الذي يُعد تاريخيًّا على نحوٍ ما، ففي هذا المكان زاره ملوك ورؤساء وقادة سياسة وفكر وصحافة. كان شخصيةً عالميةً عن جدارة، ومصريًّا صميمًا في الوقت نفسه، وهو ما تجلَّى بسلاسة في هذه الجلسة، فقد كان يُحادث العالم عبر مكالمات من أربعة أرجاء الأرض، وفي الوقت نفسه يتداخل معنا نحن العشرة بيقظة صافية وألفة محبَّبة. وبعد نحو ساعة ونصف تلقَّى إشارةً من زوجته السيدة هدايت، كأنها بالتخاطر، فنهض داعيًا إيانا إلى الغداء.

     عبرنا ردهة البيت شديد الأناقة وعميق الألفة في آن، ووجدنا في "التراس" المطل على الحديقة الأمامية عدة موائد مستديرة توزَّعنا عليها دون ترتيب. ولم يجلس هو، بل ظل واقفًا "يوجِّبنا" ويغرينا بهذا الصنف أو ذاك من البوفيه المفتوح في الركن. ولأنني كعادتي "لم أكن" على راحتي في الأكل على موائد أُدعى إليها خارج أريحية انفرادي وحميمية أسرتي، رحت أشرد بعقلي وقدميَّ، وسمحت لنفسي -عندما اكتشفت أن ذلك مقبول- بالتجول هنا وهناك عبر الأبواب المفتوحة على التراس، فكنت ألتقي كتبًا مع كل خطوة، بالعربية والإنجليزية والفرنسية، تشي بأنه كان يقرأ في أكثر من كتاب في وقت واحد، يقرأ طوال الوقت، وفي كل الأماكن.

ظاهرة تدعو إلى التأمل

    لمح الأستاذ هيكل أنني لا آكل كما ينبغي، فأخذني إلى البوفيه، التقط طبقًا وراح ينتقي لي ما يحرِّضني على تذوُّقه والإقبال عليه، تناولتُ الطبق شاكرًا مودَّته، لكنني لم أجلس، بل حملت الطبق مُتمشيًا، "أنقنق" مما اختاره لي وقد كان شهيًّا بالفعل، بينما كان جل انشغالي موجهًا لتأمل هذا الرجل، هذه الظاهرة. لا شك أنني أحبه، حبي لكل موهبة عالية، أيًّا كان الاتفاق أو الاختلاف مع صاحبها. وقد كان هيكل موهوبًا حقيقيًّا، أقولها بثقة قارئ أمضى في أعماق القراءة أكثر من نصف قرن. هيكل هو أحد سادة الكتابة العربية، تلك التي عَمِيَ عنها النقد الأدبي في بلادنا، والتي تنتمي إلى ذلك النوع الذي شيد جسرًا ما بين الصحافة والأدب، عنوانه "رواية الحقيقة القصصية" faction )وليس fiction)، تلك التي خرج من رحمها "التحقيق المعمق" و"القصة الصحفية"، وأزعم أن هيكل كان أحد سادة هذا النوع من أدب الصحافة، ليس في عالمنا العربي فقط، بل في العالم.

     كان الأستاذ هيكل موهوبًا في أطياف عديدة من النشاطات، محورها ومرآتها كتاباته، إلا أن هناك طيفًا لم يحظَ بالتوقف الواجب عنده، فهو يتطلب نوعًا من التبصُّر الطبي، وتأَمُّل ما تعنيه شجون وفتون "الشيخوخة"، وأظنني مهجوسًا بهذه الفتنة وهذا الشجن، ليس فقط لأنني وكثيرين ممن أحب بلغنا العمر المُشارِف على هذا النطاق، بل لأنني عايشت شجون الشيخوخة مع عديدين قريبين من قلبي، وهو ما أورثني هاجسًا مقيمًا، ليس أن أقاسي هذه الشجون، فهذا مُقدَّر ومقدور عليه بالصبر والرضا والطب التلطيفي (إن وُجِد)، ولكن أن يقاسي مَن أحبهم ويحبونني ما يمكن أن يقع عليهم من أعباء جِسام، تتجشمها أجساد ونفوس مَن يُعنَون بحبيب أو قريب تضربه أمراض الشيخوخة، الذهنية أو الجسدية. لهذا، كان طبيعيًّا أن تفتنني حيوية هيكل في ذلك اليوم وهو في "تراس" التسعين، وقد ظل على هذه الحيوية -الذهنية خاصة- حتى رحيله عن عمر ناهز الرابعة والتسعين.

     كان الأستاذ في ذلك اليوم "على راحته"، يرتدي قميصًا قطنيًّا وبنطالًا من الكتان وحذاءً خفيفًا، فاتحة الألوان كلها، ومكثت أتأمله وهو يتحرك بحيوية بين ضيوفه، وبحضور ذهني يرسل ويتلقى ما يدور من أحاديث على الغداء، برشاقة لاعب بنج بونج بارع الحركة ودقيق التصويب. شاب! شاب في التسعين! روَّض عصف الإيغال في العمر. كيف روَّضه؟ كنت أعرف شيئًا يحملني إلى أول الإجابة، ثم تأكد ما أعرفه من حديث للسيدة الفاضلة هدايت تيمور في ذلك اليوم، فقد حكت وهي تضحك كيف أنها في البداية قاومت الانتقال من بيتها في القاهرة والعيش في هذا البيت بقرية "برقاش" في محافظة الجيزة المصرية، وكان شرطها التعجيزي للأستاذ أن لا مانع، ولكن مع وجبة العشاء! وتيقنت أن ما كان يشاع عن أن هيكل استبعد من طعامه وجبة العشاء كان حقيقة، والمدهش أنه بدأ ذلك وهو في الأربعين! بداية مبكرة جدًّا اجترحها لاتباع نظام "تقييد السعرات" calories restriction، وكان ذلك بدايةً لإبحاري في محاولة الإجابة عن سؤال كبير في الطب، كما هو في مآل الحياة البشرية.

أعجوبة في 1 من الألف من الملليمتر

     منذ عشرينيات القرن العشرين طُرح نظام "تقييد السعرات" كمؤثر بالجودة على الصحة مع طول العمر. فقد تبيَّن أن الفئران التي أُطعِمت وجبات متوازنة التكوين تقل سعراتها بنسبة 40% عن المعتاد، قلت معاناتها لأمراض الشيخوخة مع ازدياد أعمارها بمقدار النصف مقارنةً بغيرها ممن تغذوا جيدًا! وبعدها تدفقت الأبحاث بشأن نظام تقييد السعرات وأثره الإيجابي على الصحة مع التقدم في العمر، خاصةً في السنين العشرين الأخيرة، ثم تجلَّى دور "الميتوكوندريا" كلاعبٍ أساسي في هذا الشأن، مما يضعها في بؤرة الاهتمام كأعجوبة حيوية في أجسامنا، برغم تناهيها في الصغر.

   فالميتوكوندريا، ومفردها"ميتوكوندريون" ويُعرَّبان "مُتقدِّرات" ومفردها "مُتقدِّرة"، هي عُضيَّات تشغل في المتوسط حيزًا مقداره ميكرون واحد، أي جزء من ألف من الملليمتر، وتوجد في سيتوبلازم سائر خلايا الجسد البشري، باستثناء كرات الدم الحمراء، في حين تختلف أعدادها في كل نوع من الخلايا. ولكونها بالأساس مُولِّد الطاقة الذي يزود الخلية بـ90% من احتياجاتها، فإنها تكون كثيفة العدد في الخلايا التي تحتاج إلى كثير من الطاقة، كخلايا القلب، والشبكية، والعضلات، والكبد. والأخير -على سبيل المثال- لكونه يؤدي مئات العمليات الحيوية، فإن كل خلية من خلاياه تضم ما بين 1000 إلى 2000 ميتوكوندريا، تشغل خُمس حجم الخلية.

     لقد ظل تركيب الميتوكوندريا وطريقة عملها مبهمًا برغم التبشير بوجودها منذ خمسينيات القرن التاسع عشر. لكن في عام 1948 نجح عالِم الكيمياء الحيوية، ألبرت ليننجر، وزميله إيوجين كينيدي، في اكتشاف أنها موقع "الفسفرة التأكسدية" Oxidative phosphorylation المولِّدة لمعظم الطاقة في الخلايا حقيقية النوى، من الكربوهيدات والأحماض الدهنية والبروتينات (بدرجة أقل)، في وجود الأكسجين، وتأخذ الطاقة المولَّدة بهذه الطريقة شكلًا كيميائيًّا هو "أدينوسين ثلاثي الفوسفات" ATP، وهذه العملية تتكون من سلسلة تفاعلات خلابة وكأنها عرض فني إيقاعي مبهر، فالطاقة المطلوبة لإتمام كل تفاعل يتم الحصول عليها بتنقيل الإلكترونات بين مصفوفة من البروتينات، تُنتزع من واحد وتضاف إلى ما يليه، ثم يفقدها الأخير لتذهب إلى ما بعده، وفي كل قفزة إلكترون تتولد كمية صغيرة من الطاقة تُستخدم لإتمام تفاعل، وهكذا حتى التفاعل الأخير لدمج الفوسفات مع أدينوسين ثنائي الفوسفات ADP لتشكيل ذروة العرض، أدينوسين ثلاثي الفوسفات "ATP".

crdit: Kelvin13  تركيب الميتوكوندريا

وكما في الفن الفائق، تكون هناك ذروة ثانية بعد الأولى، وتتمثل هنا في إطلاق الطاقة الكبرى بإضافة جزيء ماء إلى جزيء ATP وعودة الأخير إلى ADP من جديد، ومن جديد يتواصل هذا العرض العظيم، لتوليد طاقة مُستدامة، بالغة السخاء، وبالغة الاقتصاد في الوقت نفسه، فالفسفرة التأكسدية تُنتِج 34 جزيء ATP من جزيء جلوكوز واحد. لكن، أين بالضبط -داخل الميتوكوندريا- تحدث هذه الأعجوبة؟ وكيف؟

      هذا السؤال لم تبدأ الإجابة عنه إلا بعد ثلاث سنوات من اكتشاف الفسفرة التأكسدية لإنتاج أدينوسين ثلاثي الفوسفات، فمع تطور الميكروسكوب الإلكتروني أمكن التقاط صور لدقائق الميتوكوندريا كشفت عن تركيبها مذهل البساطة والعبقرية، من غشائين لا غير، يقومان بعمل مجمع صناعي كيميائي حيوي متكامل. غشاء خارجي رقيق عالي النفاذية، تسمح ثغراته البروتينية بإمرار ما يأتيه من سيتوبلازم الخلية ويلزم مجمل عمل الميتوكوندريا. وغشاء داخلي محدود النفاذية لا يسمح إلا بمرور ما ينتقيه لإتمام تفاعلات إنتاج الطاقة، وهو سميك متعرج تزيد تعرُّجاته من مساحة سطحه ليتسع لمسلسل هذه التفاعلات، كما أن كل تعريجة فيه تصنع حدبةً تفصل بين كل مساحة وأخرى حتى لا يربك أي تفاعُل ما يجاوره. خط إنتاج عبقري للطاقة، حيوي، وحي، ولكن.. يحدث على هامش هذا الإنجاز الهائل، ظهور مُنتج جانبي مثير للجدل، هو الأكسجين التفاعلي ROS ، الذي يفتح على قلب النقاش في معضلة الشيخوخة، وحدود ترويضها...

أكسجين للحياة وآخر لتدميرها

     برغم اكتشاف أدوار عديدة للمتقدرات في الخلية، ومن ثم في مجمل الجسد، إلا أن دورها في توليد الطاقة يظل هو الأكبر، والمحور الذي تدور حوله كل تأثيراتها على وجودنا، من الصِّغر حتى الكِبَر، ومن الحياة حتى الممات. مساران يبدوان متعارضَين، لكنهما من منبع واحد، عنوانه الرئيسي "الفسفرة التأكسدية"، وعنوانه الفرعي "الأكسجين التفاعلي"، والأخير ما هو إلا مركبات أكسجينية مثالها الجذور (أو الشوارد الحرة) لأيونات الأكسجين، وهي مُفرِطة أو مُفلِتة النشاط الكيميائي؛ لحَملها إضافةً من الإلكترونات المفردة، لهذا تُسبب حالات أكسدة ضارة لمكونات الميتوكوندريا -خاصة بروتيناتها- إذا تجاوزت القدرات المضادة للأكسدة لدى الميتوكوندريا. أما إذا كان هناك توازن، فإن الأكسجين التفاعلي يعمل كجرس إنذار ينبه الميتوكوندريا لتبطئ من وتيرة اندفاعها في توليد طاقة مُبالغ فيها، وإلا.. يفلت الزمام بتسرُّب كميات ضخمة من الأكسجين التفاعلي، لتبدأ الأكسدة عربدتها في مسلسل مضاد، متصاعد التدمير، يخلِّف بروتينات مشوهة، وعجز عن إنتاج حد الكفاية من الطاقة، فيبدأ موت الميتوكوندريا دون تجدُّد (بالانقسام الثنائي) ومن ثم موت الخلايا. وما الشيخوخة إلا موت خلايا لا تعويض كافيًا لها، أما أمراض الشيخوخة، فهي معاناة مضافة. فهل من سبيل إلى شيخوخة رحيمة؟ شيخوخة كريمة؟ 

لقد أظهر آلان رايت، وزملاؤه بجامعة أدنبرة، أن أمراض الشيخوخة ترتبط بالزيادة المفرطة لمعدل تسرب الجذور الحرة عبر الميتوكوندريا مع الزمن. فإذا كان هذا التسرب سريعًا فإن الأمراض التنكسية Degenerative diseases وهي أمراض تتراجع فيها الوظيفة أو البنية في الأنسجة أو الأعضاء المصابة مع مرور الوقت، ومن أمثلتها هشاشة العظام والتهاب المفاصل العظمي ومرض ألزهايمر. أما إذا كان التسرب بطيئًا فإن تلك الأمراض تتأجل، وقد تختفي. لكن عندما تبدأ مجموعات الميتوكوندريا في البِلى والانحلال داخل الخلايا، ويتحول تسرُّب الجذور أو الشوارد الحرة إلى فيض كاسح، فإن هذه الجذور نفسها تُطلق صافرة الخطر، فتنشط مئات الجينات في محاولة مرتبكة لاستعادة الأوضاع السليمة، وتحدث استجابات مفرطة وغير ملائمة من الجهاز المناعي، مما يُسبب الأمراض الالتهابية المزمنة، وهذه تمثل معظم أمراض الشيخوخة، من التهاب المفاصل الروماتويدي، وتصلُّب الشرايين، وأمراض القلب، وغيرها. فهل من بصيص أمل لتقدُّم في السن دون هذه التنكسات وتلك الالتهابات، أو حتى مع القليل المحدود غير المعوِّق منها؟

تنظيف المكان لحلول الجديد

     لقد ثبت أن تقييد السعرات قلل من استهلاك الأكسجين اللازم لتوليد الطاقة داخل الميتوكوندريا، وأدى من ثم إلى تباطؤ معدل تسرب الجذور الحرة أو الأكسجين التفاعلي عبر أغشية الميتوكوندريا، واستنهاض قوى الترميم والتجديد والوصول إلى حالة التوازن. وهناك رأي علمي لا يحبِّذ استخدام مضادات الأكسدة المُصنَّعة؛ لأنها تظل موادَّ غريبةً لا يتعرف عليها الجسم، فيلفظها دون طائل. كما أن هناك مَن يرى عدم المنطق في التناوُل المُبالَغ فيه لمضادات الأكسدة بغية القضاء على الجذور الحرة، فلا يُعقل أن نقاوم اشتعال الحرائق بتعطيل أجهزة الإنذار ضد الحريق، وهنا يصعد نظام تقييد السعرات كحاجز وقائي ضد ازدياد معدل تسريب الجذور الحرة، دون تعطيل لدورها المُنذر والموجِّه للتوازن والترميم، ودون إطاحة بدورها شديد الأهمية في تنظيف الساحة من حطام العضيات والخلايا التالفة لصالح تكاثر ميتوكوندريا جديدية وخلايا متجددة. فالجذور الحرة لها الكلمة النهائية إذا وصل تلف المتقدرة والخلية إلى درجة اللارجعة، فهي تعطي إشارة البدء بتشغيل جهاز "الاستماتة" أو "الموت المبرمج" للخلية Apoptosis، وبدلًا من أن تتحلل وتتحول إلى نفايات نخِرة كما تفعل خلايا السرطان عند موتها النهائي، تمضي خطوات الموت المبرمج إلى البلعمة autophagy أو الالتهام الذاتي، فتقوم الخلايا المجاورة السليمة بامتصاص بقايا الخلية التي خضعت للاستماتة، لتُدخل هذه البقايا في عملية تدوير تدعم ترميم الخلايا السليمة وتجديدها. وهكذا يقوم نظام تقييد السعرات بتقليل الأكسدة المدمرة في الميتوكوندريا، فيحافظ على استتباب حالة التوازن فيها، خاصةً الاستتباب البروتيني الذي يعني وجود بروتينات سليمة، ويتيح الإمكانية لعمر مديد بلا أمراض شيخوخة، أو بالقليل وغير المعوِّق منها، وهو ما ينعكس في القدرة الجسدية والنفسية على مقاومة المفاجآت الأخطر. ولعلني لا أذيع سرًّا إذا ذكرت، بهذا الخصوص، أن الأستاذ هيكل عندما رأيته في ذلك اليوم ببيت برقاش، كان قبلها بسنوات أحد القلائل الذين انتصروا على السرطان، بشفاء كامل.

طيران بلا أجنحة

     في كتابه البديع "ارتقاء الحياة" الصادر عام 2009، يقول عالِم الكيمياء الحيوية البارز، والكاتب العلمي الرائع نك لين: "إن نظام تقييد السعرات يحمي الجسم من أمراض الشيخوخة، على الأقل إذا بدأ ذلك في وقت مبكر من الحياة قبل أن تبلى الميتوكوندريا، ولا بأس بأن يكون هذا في منتصف العمر"، فخفض تسرُّب الجذور الحرة ودعم أغشية الميتوكوندريا ضد التلف مع زيادة أعدادها، تعمل كلها بكفاءة على «إعادة ضبط» ساعة الحياة وإعادتها إلى الوراء، إلى مرحلة «الشباب». وفي أثناء فعل هذا النظام لذلك، يكبح عمل مئات الجينات المسببة للالتهابات. وهذه الأمور مجتمعةً تثبط كلًّا من السرطان والأمراض التنكُّسية وتبطئ معدلات الشيخوخة!"، فكيف اهتدى هيكل إلى ذلك وطبَّقه بقناعة وإصرار، قبل نشر كتاب "ارتقاء الحياة" بما يقارب نصف قرن؟! عجيب!

     لقد مكثت أتابع الأستاذ هيكل في ذلك اليوم الجميل، في تلك الحديقة البديعة، مُمعنًا متفرِّسًا. وراق لي أن أستخدم في تفرُّسي طريقة تقريب شكل الإنسان إلى أقرب كائن يشبهه، وهي طريقة أوردها فخر الدين الرازي في كتابه "الفراسة"، وبها نستدل من المعلوم في خصال كائنٍ ما، على المجهول فيمن يلوح مشابهًا له من البشر. ولم أجد إلا أن هيكل يشبه طائرًا، يرفرف هنا وهناك. وللمفاجأة، أنني عندما انشغلت بقضية صمود حيويته الذهنية قبل الجسدية، برغم التسعين التي رأيته فيها والرابعة والتسعين التي وصل إليها، تفاجأت بأن تفرُّسي لذلك الطائر البشري يلتقي، بالمجاز أو الاستعارة، مع استثناء حقيقي مدهش للطيور في مقاومة أمراض الشيخوخة مع تقدُّم أعمارها، وأثبتت أبحاث عديدة أن هذا الاستثناء ينهض أيضًا على حيوية الميتوكوندريا، التي ثبت وجودها ليس فقط في خلايا أجسادها، بل في كريات دمائها الحمراء أيضًا!

     لقد أجرى العالم الإسباني، جوستاف باروخا، سلسلةً من التجارب أظهرت أن تسرُّب الجذور الحرة لدى الطيور يقل بمقدار عشرة أضعاف عنه لدى نظائرها من الثدييات عند مقارنة ذلك بمعدل استهلاكها للأكسجين، وينطبق هذا على الخفافيش التي تشبه الطيور في معدل تسرُّب الجذور الحرة المحدود من الميتوكوندريا، ومن ثم يُرجَّح أن تلك المفارقة، أو الاستثناء، يتعلقان بفعل الطيران.

صحيح أن هيكل، كبشر، لم تكن خلايا دمه الحمراء تحتوي على الميتوكوندريا التي ثبت وجودها عند الطيور، ولم يكن يمتلك جناحين ماديين يطير بهما، لكنه كان بنشاطه المرفرف في الكتابة والسياسة والفكر والأدب وشغف المعرفة، يحلق طوال الوقت، يحلق دون توقف، وبطاقة ميتوكوندريا محمية طويلًا بنظام تقييد السعرات.

العمر الزمني، والعمر الصحي

     يبقى أنني في حين كنت أجمع معلومات هذا المقال، لاحظت في عديد من الأوراق العلمية خلطًا بين مفهومَي العمر الزمني والعمر الصحي، و"بصراحة"، لم أقتنع بأن دراسة علمية على دودة في مختبر، حتى لو كانت "الربداء الرشيقة" Caenorhabditis elegans التي كانت نموذج البحث في أكثر من دراسة، يمكن أن تقطع بإمكانية إطالة عمر الإنسان أو تقصيره، وليست قناعتي الدينية والروحية هي وحدها ما يُنطقني ذلك، بل حتى الإعمال العقلي العلمي يُرجِّح لي ذلك؛ لأن قضية العمر محكومة بمداخلات وتقاطعات ومفاجآت واحتمالات لا حصر لها، ويستحيل التحكم فيها مجتمعة.

لهذا، كان وسيظل ما يعنيني هنا، هو العمر الصحي، الذي يجعل الإنسان منتجًا مبدعًا على هذه الأرض في صغره وفي كِبَرِه، وليس نظام تقييد السعرات إلا وسيلةً من وسائل بلوغ هذه الغاية، وحالة الأستاذ هيكل حُجَّة، لكنها حجة لا تكتمل إلا بالتنبيه إلى أن اتباعه نظام تقييد السعرات منذ سن الأربعين، لم يكن إلا مفردة من حزمة ودائع صحية ادخرها في شبابه واستثمرها مع امتداد العمر. حزمة بينها: نومه المبكر واستيقاظه المبكر، أي التناغم مع الإيقاع الحيوي الفطري، والخروج لممارسة رياضة المشي في الهواء الطلق في الصباح، وتمارين الذاكرة التي تعيد إيقاظ الكامن في خلايا المخ وتفرعاتها الشجرية، فقد كان يراجع دومًا ما يحفظه من الشعر، وهو كثير، ولا يُفوِّت اسمًا أو تاريخًا يهرب من ذاكرته وهو يتكلم أو يكتب، فيصمت ويكد بذهنه مهما طال الصمت، حتى يمسك بالهارب، ويعيده إلى بهو الذاكرة، وأي ذاكرة؟!

منطلقات، وتفاصيل :

ــ كتاب "ارتقاء الحياة "، تأليف "نك لين"، منشورات مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة ــ 2015

ــDietary restriction, mitochondrial function and aging: from yeast to humans. https://doi.org/10.1002/jcsm.12611

ــMitochondrial Dysfunction in Aging and Diseases of Aging. Biology (Basel). 2019 Jun; 8(2): 48

ــAvian erythrocytes have functional mitochondria, opening novel perspectives for birds as animal models in the study of ageing . Frontiers in Zoology  .Published: 08 June 2013

ـMitochondrial DNA and the Longevity of Birds. fightaging.org/archives/2016/09