منذ الستينيات احتفى بها العلماء واعتبروها إحدى معجزات عالمنا المعاصر، ولأهميتها، شبه البعض اكتشافها باكتشاف النار والزراعة والطاقة النووية، إنها أقراص منع الحمل التي غيرت حياة النساء في كل مكان، منذ ظهورها الأول قبل أكثر من 60 عامًا.

إلا أنه مع مرور الوقت بدأت الأبحاث تشكك في آثارها الصحية على النساء، وهو ما جاء في دراسة نشرتها المجلة العلمية للخصوبة والعقم في الثلث الأول من هذا العام، ورد فيها أن أقراص منع الحمل تؤثر سلبًا على الصحة العامة للنساء.

الدراسة هي جزء من مشروع بحثي لتحديد آثار أقراص منع الحمل على الصحة والسلوك، يجريه معهد كارولينسكا في السويد بالتعاون مع كلية ستوكهولم للاقتصاد.

تقول أنجليكا ليندن هيرشبيرج -الأستاذ بقسم صحة المرأة والطفل في معهد كارولينسكا- في تعليقها على موقع المعهد إنه "مع أن نحو 100 مليون امرأة في جميع أنحاء العالم يستخدمن حبوب منع الحمل؛ إلا أنه من المفاجئ أننا لا نعلم سوى قليل عن تأثير تلك الحبوب على صحة المرأة".

وعمل الفريق البحثي على مراقبة مؤشرات صحية محددة للنساء خلال 3 شهور، مثل الحالة المزاجية والصحية والطاقة لدي مجموعتين من النساء، تناولت المجموعة الأولى أقراص منع الحمل المحتوية على إثينيليستراديول وليفونورجيستريل، أما الثانية فقد تعاطت أقراصًا وهمية.

أسفرت الدراسة عن تأثر المؤشرات الصحية سلبًا في المجموعة الأولى، وهو ما يعضد نتائج دراسة سابقة أجراها الفريق البحثي ذاته، كانت قد أشارت إلى أن الأقراص تسببت في قصور بعض الوظائف الجنسية.

وفي دراسة مماثلة لمعهد كنزي، تَبيَّن وجود علاقة بين تناول أقراص منع الحمل وانخفاض الحالة العامة لصحة النساء بنحو 40%. فيما تشير دراسة إلى أن أقراص منع الحمل المحتوية على دروسبيرينون drospirenone حسَّنت من الحالة الجسدية والنفسية في نحو 60% من عينة الدراسة، وخففت من أعراض نقص الانتباه واحتباس المياه وحب الشباب.

فيما أشارت دراسة دنماركية موسعة شملت مليون امرأة إلى وجود علاقة بين تناول أقراص منع الحمل وازدياد معدلات الإصابة بالاكتئاب بين النساء، وصلت إلى 120% في مانعات الحمل البروجيسترونية.

فوائد الحبوب

يُسهِم تناول أقراص منع الحمل في انتظام دورة الطمث، والوقاية من خطر سرطانات القولون والمستقيم، والحمل خارج الرحم والتهاب الحوض، كما تشير أبحاث منشورة بمجلة Obstetrics and Gynecology Clinics of North America.

وهو ما يوضحه صلاح علي إسماعيل -أستاذ أمراض النساء والتوليد بجامعة سوهاج- لـ"للعلم": "هذه الأقراص تقلل من سرطان الرحم وسرطان المبيض، وترفع من الاحتمالات الأخرى للسرطانات المذكورة بنسبة ضعيفة"، مشيرًا إلى أن سبب ذلك يعود إلى تناول هذه الأقراص في الدول الغربية في سن مبكرة منذ مرحلة المراهقة، والاستمرار على تعاطيها لفترات طويلة.

على الجانب الآخر، يفيد حسن صلاح كامل -أستاذ متفرغ بقسم أمراض النساء والتوليد، بكلية الطب، جامعة أسيوط- لـ"للعلم" بأن "السيدات اللواتي يستخدمن الأقراص لفترة طويلة أقل عرضة للإصابة بسرطان بطانة الرحم".

ويوضح أن منافع حبوب منع الحمل تزداد مع طول مدة استخدامها وحتى بعد توقف تناولها لفترات طويلة؛ فالمواظبة على تناولها خمس سنوات تقلل خطر الإصابة بسرطانات الرحم بنحو 25%.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أثبتت الدراسات أن هذه الأقراص توفر الحماية طويلة المدى ضد سرطان المبيض، فانخفضت معدلات الوفاة الناجمة عنه، ويُتوقع أن تستمر في الانخفاض.

وتبحث العديد من الدراسات في استخدام هذه الأقراص وفوائدها في علاج أمراض أخرى، مثل تكيُّسات المبايض والتهاب المفاصل والتصلُّب المتعدد وغيرها. أيضًا لم يثبت وجود علاقة بين تناول أقراص منع الحمل وإصابة الأجنة بعيوب خلقية.

أعراض وأمراض

إذا ما نظرت إلى النشرة المرفقة بأقراص منع الحمل، فستجد الأعراض الجانبية المذكورة تتراوح بين الصداع والدوار وحب الشباب والإعياء وزيادة الوزن، وحتى الذئبة والاكتئاب والعمى الجزئي أو الكلي المفاجئ، بجانب انخفاض معدل الخصوبة، واستنزاف المعادن والفيتامينات الضرورية للجسم، مثل فيتامين ب وج والمغنيسيوم والزنك وحمض الفوليك.

فضلًا عن أن الدراسات أثبتت ارتفاع معدلات الإصابة بالجلوكوما –المسبب الرئيس للعمى في العالم- إلى الضعف لدى النساء اللواتي تعاطين هذه الأقراص لنحو ثلاث سنوات أو أكثر.

 بالإضافة إلى الإصابة بالأزمات القلبية والسكتات الدماغية، والإصابة بالسرطانات المختلفة؛ فقد اعتبرت منظمة الصحة العالمية وسائل منع الحمل الهرمونية -ومنها الأقراص- موادَّ مسرطنة، مشيرة إلى ارتباطها بالإصابة بسرطان عنق الرحم والثدي والكبد.

يقول كامل: "إن أكثر المخاطر الممكنة لها هي حدوث أورام الثدي؛ لذا يجب أن تلجأ المرأة لأخذ المشورة الجيدة ومعرفة التاريخ المرضي للأسرة وإجراء فحص للثدي في الثلاثينيات أو منتصف العمر، ولكن لا يعني الأمر أن المرأة معرضة لخطر الإصابة، وإنما إن كان هناك تاريخ مرضي أو كان لدى السيدة أورام حميدة فقد تتحول إلى أورام ثدي خبيثة أو مشكلات أخرى؛ لذلك لا يفضل إعطائها لهؤلاء السيدات".

فيما تكشف الجمعية الطبية البريطانية أن بعض أنواع الأقراص يرفع خطر جلطات الساقين لنحو خمسة أضعاف. إلا أن نسب الإصابة تُعَد قليلة، وتزداد مخاطر الإصابة وفقًا لعوامل أخرى مثل كبر السن والبدانة والتدخين، لكن تُعَد آمنة إلى حدٍّ ما للنساء تحت سن 35. لذا يُنصح باستخدامها فقط للنساء اللواتي لا يعانين من عوامل خطر أخرى تزيد من الإصابة بسرطان الثدي والأمراض القلبية. ويوضح د.إسماعيل أن: "ارتفاع خطر الإصابة بالجلطات إنما ينحصر في النساء فوق سن 35 من المدخنات؛ فهن الفئة الأكثر عرضة لمشكلات ومضاعفات".

ويضيف أن "جلطات الأوردة عادةً ما تحدث نتيجةً لأنواع أقراص منع الحمل المحتوية على هرموني الإستروجين والبروجيسترون، أو ما يُعرف بـCompined Oral Contraceptives، وليس مانعات الحمل ذات الهرمون الواحد، كذلك يرتفع خطر الإصابة مع وجود البدانة، ولمَن سبقت لهن الإصابة بالجلطة؛ لذا يُحظر على هؤلاء النساء تعاطي هذه الأقراص، وأن البدائل المتاحة سواء الهرمونية أو غير الهرمونية تتميز بالفاعلية والكفاءة وتحدد وفقًا للحالة الصحية، وما إن كانت المريضة تعاني من عوامل خطورة معينة".

على الجانب الآخر، تستمر مخاطر هذه الأقراص رغم التوقف عنها، فتتسبب في اضطرابات هرمونية وجنسية حتى بعد إيقاف تناولها، ويزيد استخدام الأقراص لنحو سنة قبل الحمل من احتمالات إصابة الطفل بالحساسية. كذلك كشفت دراسات أن تناوُل المرأة لهذه الأقراص يمكن أن يؤثر في علاقتها بشريك الحياة، أو اختيار خطأ لشريك الحياة نتيجة لتغيُّر الهرمونات.

بدائل آمنة

وتوضح هيرشبرج أنه بالرغم مما تشير إليه الأبحاث من وجود آثار سلبية لحبوب منع الحمل، إلا أنها لا ترجح توقف النساء عن تناول هذه الأقراص، لكنها تنصحهن بمناقشة الطبيب في حال ظهرت شكوك حيال تأثيرها في الحالية المزاجية ونوعية الحياة وما إن كان هناك بدائل أفضل.

تفيد الدراسة الحديثة بأخذ هذه النتائج في الحسبان، والحيطة والحذر عند اختيار الوسيلة الملائمة لمنع الحمل، مثلما يقول نيكلاس زيثرايوس، أحد باحثي الدراسة، كذلك تشير إلى أن نتائج هذه الدراسة لا يجب تعميمها على بقية الأنواع الأخرى، والتي قد تختلف في مكوناتها وفي آثارها الجانبية كذلك.

ويعلق هاني علي عبد الرحمن -أستاذ طب النساء والتوليد بجامعة الإسكندرية- على نتائج هذه الأبحاث مشيرًا لـ"للعلم" إلى أن: "لكل شيء أضرارًا، لكن أضراره على حسب الاستخدام".

ويتابع: "لذلك لا تُعطَى الأقراص إلا تحت إشراف طبي، وبعد الكشف والمتابعة". ويُطمئِن النساء بأنه لا خطر من استخدامها، ويشيد بفوائدها العديدة، وإنما يعتمد الأمر على اختيار الطبيب الجيد، كذلك يتوقف على طبيعة الحالة الصحية للمريضة واحتياجاتها.

هناك حبوب تؤخذ فقط قبل ممارسة العلاقة الحميمة أو بعدها، توفر وسيلة حماية قصير المدى، خاصة لمن يمارسن العلاقة على فترات متباعدة.

فيما تسعى التطورات البحثية لإيجاد وسائل طويلة المدى وقليلة المتاعب، وتنقسم إلى نوعين: هرمونية، وغير هرمونية، ومنها كبسولة الإمبلانون Implanon، التي يضعها الطبيب تحت جلد الذراع، ويمكن استخدامها خلال الرضاعة، والحلقات المهبلية، مثل نوفارينج NuvaRing، التي طورتها منظمة الصحة العالمية ويمكن أن تبقى في المهبل خمسة شهور، وهي مماثلة في عملها للأقراص، كذلك اللوالب، التي توفر حماية تتراوح بين خمس سنوات للأنواع الهرمونية وحتى عشر سنوات لغير الهرمونية، والتي تكون أكثر أمانًا في الرضاعة وأقل تكلفة.

فيما تعتمد بدائل أخرى على منع وصول الحيوانات المنوية إلى البويضة، مثل الواقيات الذكرية والأنثوية والحاجز المهبلي وغطاء عنق الرحم، أو المبيدات المنوية التي تأتي في صورة تحاميل أو كريمات ومراهم.

وقد تتبع بعض النساء طرقًا طبيعية لمنع الحمل، مثل تحديد أيام التبويض ومراقبة حرارة الجسم خلالها.