لم يعد العمر مجرد رقم تحمله بطاقة الهوية، فالعمر الزمني الذي يقيس عدد السنوات التي أطفأنا شموعها "ليس الدليل الوحيد على التقدم في العمر"، بل هناك معيار آخر لقياس سرعة تدهور خلايا الجسم، هو عمرها البيولوجي، لكن هل يتطابق العمران دائمًا؟ الإجابة بالقطع: لا.

فهناك أشخاص يبدون أقل عمرًا من أعمارهم الحقيقية، وآخرون يبدو عليهم التقدُّم في العمر في وقت مبكر، بل إنه حتى لدى الشخص نفسه، من الممكن أن تتقدم في العمر أجزاء من الجسم بسرعات متفاوتة عن أخرى.

يكشف مسح جديد للحمض النووي DNA تم جمعه من قرابة 2000 امرأة في سن الإنجاب بالولايات المتحدة الأمريكية أن أولئك النساء اللاتي وضعن أطفالًا قد أظهرن دليلًا على وجود علامات وراثية genetic markers معدلة، تقترح حدوث شيخوخة خلوية سابقة للأوان بدرجة كبيرة، وفق دراسة صادرة حديثًا.

الدراسة التي أجراها فريق بحثي بجامعة "جورج ميسون" الأمريكية، تؤكد نتائجها أن إنجاب المرأة للأطفال قد يضيف أحد عشر عامًا إلى عمر الخلايا لديها، مقارنةً بقريناتها اللاتي لم ينجبن أطفالًا على الإطلاق.

تقول "آنا بولاك" -من قسم الصحة العالمية والمجتمعية، وإحدى الباحثات المشاركات في الأطروحة- لـ"للعلم": "فوجئنا بهذه النتيجة الملفتة للنظر"، مضيفةً أنه مع ضبط متغيرات العمر، والعرق، والحالة الاجتماعية والاقتصادية، ومؤشر كتلة الجسم، فالنساء اللواتي أنجبن لديهن تيلوميرات أقصر، مقارنةً باللواتي لم يكن لديهن أطفال".

 تستطرد بولاك: بالقطع لن نطالبهن بعدم الإنجاب، لكن نعتقد أننا بحاجة إلى مزيد من البحث لاستكشاف ما إذا كانت نتائجنا متأثرةً ببعض العوامل الأخرى، مثل الضغوط التي تتعرض لها الأمهات، والتي تنجم عن تدبير أمور الأطفال وتربيتهم، تلك العوامل التي لم تتمكن دراستنا من قياسها، بالإضافة إلى أننا لا نعرف ما إذا كُنَّ قد بدأن بتيلوميرات أقصر أم لا".

والتيلومير telomere أشبه بغطاء يغلف نهايات الكروموسومات، ويتألف من تتابع متكرر من خمس قواعد جينية للحفاظ على سلامة الجينات في أثناء عملية تكرار الحمض النووي، فهي أقرب للغراء الذي يمنع نهايات أربطة الحذاء من التلف.

تساعد هذه القواعد على حماية المعلومات الوراثية في الخلايا من التدهور مع مرور الوقت، أو من التعرُّض لعوامل تضر بصحة الفرد.

وللتوصل إلى العلاقة بين طول التيلوميرات والإنجاب، أجرى باحثو الدراسة أبحاثهم على عينة من قرابة 2000 سيدة في الشريحة العمرية ما بين (18- 44 عامًا)، عبر استخدام بيانات المسح الوطني لفحص الصحة والتغذية على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية، في الفترة الزمنية ما بين 1999 حتى عام 2002.

استخدم فريق البحث الاستبانة، وكذلك أخذوا عينات دم من المشارِكات لقياس طول التيلوميرات الخاصة بهن. وقد تبيَّن وجود فرق بمعدّل قدره 116 زوجًا أقل من تلك القواعد لدى النساء اللواتي أنجبن، ما يفسرها الباحثون بأنها تعادل حوالي 11 سنة من الشيخوخة الخلوية.

ساعات جزيئية

أصبح ارتباط طول التيلومير بصحة الخلايا أمرًا يثير اهتمام الباحثين في الآونة الأخيرة. فمنذ سنوات بدأ العلماء في طرح فكرة أن التيلوميرات تعمل بمنزلة "ساعات جزيئية" تتحكم في عملية الشيخوخة داخل الخلايا. وتختلف أطوالها من شخص إلى آخر عند الميلاد. وتتعرض الخلية للتآكل عقب كل مرة من مرات الانقسام، التي يصل عددها إلى خمسين مرةً على مدار عمر الإنسان.

في الأشخاص الأصحاء، لا تتقلص التيلوميرات بشكل كبير حتى الشيخوخة؛ لأن الإنزيم تيلوميراز يضمن لها عملية التجدُّد. لكن في نهاية المطاف تصبح القسيمات قصيرةً جدًّا، بحيث يتوقف الحمض النووي عن التكاثر، والأسوأ من ذلك هو أن تبدأ جزيئاته بالاندماج معًا، وغالبًا ما يشجع ذلك الأورام على النمو.

كما قد يصبح تآكل هذه التيلوميرات وقِصَرها سببًا في ضعف قدرة الجسم على المقاومة بصفة خاصة لدى الأفراد الذين يعانون من الشيخوخة الخلوية.

وكان عالِم الوراثة "ريتشارد كاوثون" وزملاؤه في جامعة يوتا قد قاموا بقياس التيلوميرات في مجموعة تم اختيارها عشوائيًّا من 150 مريضًا في سن 60 فما فوق. وتبيَّن أن الأشخاص الذين لديهم تيلوميرات أقصر كانوا عرضةً للوفاة بأمراض مُعدية أكثر بثمانية أضعاف بالمقارنة بأقرانهم الذين لديهم أخرى أكثر طولًا، بل وأكثر عرضةً للإصابة بأزمة قلبية قاتلة بثلاثة أضعاف الآخرين الذين يتمتعون بطول تلك التيلوميرات.

في هذا السياق ذاته، يؤخَذ طول التيلومير مؤشرًا لكبر العمر على المستوى الخلوي، مع اعتبار أن التيلوميرات الأطول أفضل، إذ إن الأقصر قد ارتبطت ببعض الأمراض، مثل السرطان وأمراض القلب والتدهور المعرفي.

اليوم تضيف دراسة جامعة جورج ميسون مسببًا آخر هو الإنجاب، الذي قد يتسبب في تآكُل التيلوميرات لدى السيدات اللاتي أنجبن بمعدل يصل إلى 4.2% أكثر من أقرانهن اللاتي لم ينجبن على الإطلاق.

ومن المفاجآت الغريبة في هذه الدراسة أن معدل نقصان التيلومير عند الإنجاب يتآكل بنسبة أعلى من تآكله نتيجةً للتدخين الذي يتسبب في تقدُّم عمر الخلية بـ4.6 أعوام، وكذلك السمنة التي تتسبب في زيادة عمر الخلية بمعدل يصل إلى 8.8 سنوات، وفق ما جاءت به دراسة بريطانية أُجريت في وحدة بحوث التوائم والأوبئة الجينية بمستشفى سانت توماس.

ويزداد معدل تآكل التيلوميرات زيادةً طرديةً مع عدد الأطفال، وفق الدراسة الأخيرة، "تبيَّن من فحص عينة البحث أن السيدات اللاتي كان لديهن خمسة أطفال، تميَّزن بقصر طول التيلومير مقارنةً بنظيراتهن اللاتي كان لديهن طفل أو اثنان أو ثلاثة أو حتى أربعة أطفال"، هكذا تمضي بولاك.

نتائج متناقضة

ورغم جِدة ما حملته نتائج تلك الدراسة -التي نُشرت في مجلة هيومان ريبرودكشين- لم تسلم من الانتقادات؛ إذ تتعارض نتائجها مع ما جاءت به دراسة أخرى ماليزية تؤكد أن السيدات اللاتي أنجبن أطفالًا يكون طول التليوميرات لديهن أكبر.

وهو ما تؤكده دارسة أخرى أُجريت في جواتيمالا عام 2016 على مجتمعات المايا الكاشيكية؛ إذ وجدت أن النساء اللاتي لديهن المزيد من الأطفال الذين بقوا على قيد الحياة، يكون لديهن تيلوميرات أطول، مما يشير إلى أن إنجاب الأطفال يمكن أن يحمي النساء من الشيخوخة الخلوية. تقول "نجوى البدري"، مدير مركز التميز لأبحاث الخلايا الجذعية والطب التجددي بجامعة زويل: "إن نتائج الدراسة تتعارض كثيرًا مع أدبيات علمية تؤكد وجود علاقة بين طول العمر وإنجاب الأطفال، بل يتناسب كذلك تناسُبًا طرديًّا مع زيادة عدد الأطفال".

تضرب البدري مثالًا لذلك؛ إذ تقول: "في دراسة أُجريت في الولايات المتحدة الأمريكية على جماعات الأميش، وهي جماعات دينية تقطن شمال أمريكا ( تتمركز في أوهايو) وكندا تتضاعف كل 22 عامًا بسبب تبنِّيها أفكارًا تبيح تعدد الزوجات، أكدت وجود علاقة بين وجود أطفال لدى أفراد العينة وطول أعمارهن".

توضح: رغم أن الدراسة لم يتم إجراؤها على طول التيلومير كما هو حال الدراسة التي نحن بصددها، لكنها تطرح فكرة أنه بالرغم من الضغوط التي يتكبدها هؤلاء في تربية الأولاد، يكون لديهن حافز يدفعهن للتمسك بالحياة.

كما تختلف نتائج دراسة جامعة جورج ماسون مع نتائج دراسة أمريكية أخرى أجراها "مسعود شماس"، الباحث بمعهد دانا فاربر للسرطان -مؤسسة تعليمية رئيسية تابعة لكلية الطب بجامعة هارفارد- فوفقًا لهذه الدراسة يزيد الإنجاب من العمر الخلوي للنساء، لكن بمعدل أقل. إذ تؤكد هذه الأطروحة أن الخلية تتقدم في العمر بنحو 4.5 سنوات، وليس أحد عشرعامًا كما تطرح الدراسة الأخيرة.

ورغم كل السجال الدائر حول صحة هذا الطرح العلمي، مما لا شك فيه أنه يحاول سبر أغوار تكوين البناء الخلوي شديد التعقيد والمؤثرات التي قد تضع بصماتها عليه، هذا العالم الخفي الذي ما زال العلماء يفكون شفراته في سعي دؤوب للتعرف على أسرار الحياة، وكيفية الوقاية من الأمراض، لا سيما وأن الخلية هي الوحدة الأولى للجسم البشري.

وهو ما تدعمه "تيتيا دي لانج"، خبيرة التيلومير في جامعة روكفلر بنيويورك، فهي تعتقد أن البحوث التي تدرس العلاقة بين انكماش التيلومير والشيخوخة لا بد من الاستفادة منها لتأخير تكاثر الخلية. من ناحية أخرى، قد يكون ذلك وسيلةً من شأنها أن توفر "مسار قمع الأورام" في الخلايا القديمة الأكثر عرضةً للتحول إلى خلايا سرطانية.