كانت النيران تندلع أسفل مكوك الفضاء "إنديفور"، مُعلنةً اقتراب موعد انطلاقه في رحلة تاريخية ثورية. وأمام شاشات التلفاز، جلس المُشاهدون ليتابعوا ذلك الحدث العالمي الأبرز في ذلك التوقيت، فذلك المكوك سيضع الوحدة الأساسية في محطة الفضاء الدولية الوليدة. كانت مهمة الوحدة التي يحملها المكوك هي توفير الدعم اللازم لحياة رواد الفضاء المزمَع انتقالهم إلى تلك المحطة خلال سنوات تلت ذلك الحدث، أظهر أقصى يسار شاشات التليفزيون التي تنقل الحدث عدًّا تنازليًّا، أسفله تاريخ يُشير إلى اليوم 4 ديسمبر 1998.

وفي اليوم نفسه، وفي مكانٍ غير بعيد من المكان الذي انطلق منه المكوك، وبينما كان المُشاهدون يُتابعون أصداء انطلاق ذلك المكوك، اندلعت نيران أخرى من نوعٍ مختلف.

فمن داخل أروقة جامعة إلينوي، أعلن الأمريكي "جيمس تومسون" وفريقه البحثي عن ثورة جديدة في مجال بيولوجيا الخلايا، بعد أن تمكن -لأول مرة في التاريخ- من عزل خلايا جذعية جنينية بشرية أُخذت من زوجين كانا يُعانيان مشكلات في الإنجاب، قامت الدنيا ولم تقعد إلى الآن، انتشر الخبر كالنار في الهشيم، ليحتل صدارة الأنباء، مُزيحًا خبر انطلاق وحدة الدعم في محطة الفضاء الدولية من قمة شريط الأخبار.

وإلى الآن، لا تزال أصداء الثورتين تتردد في الآفاق، ففي الوقت الذي يُعلن فيه العلماء عن نجاح بعض التجارب في المحطة الفضائية الدولية، يُعلن باحثو الخلايا عن نجاحات مذهلة في مجال الخلايا الجذعية.

ووفق الورقة العلمية المنشورة الأربعاء الماضي في مجلة نيتشر، نجح فريق بحثي في إنشاء هياكل جنينية من خلايا جذعية للفئران، وزراعتها داخل رحم إحدى فئران التجارب التي استجابت لعملية الزراعة، وبدأت في الحمل بالفعل.

ومؤخرًا، أعلن فريق بحثي هولندي -من معهد ميرلان للطب التجديدي، التابع لجامعة ماستريخت ومعهد هييرانجت لعلوم الأحياء وأبحاث الخلايا الجذعية- نجاحهم في تخليق مُضغة (جنين أولي) proto-embryo من خلايا جذعية للفئران، تُشبه إلى حدٍّ كبير الأجنة الناتجة عن عمليات التلقيح الطبيعية، ومن دون الحاجة إلى بويضة أو حيوان منوي.

الأجنة التي جرى تخليقها في المعمل، لديها القدرة على التداخل بنجاح في الرحم، بل وبدء الحمل، فهذه الأجنة المبكرة لديها جميع أنواع الخلايا اللازمة لتشكيل كائن كامل، وفق القائمين على الدراسة. فيما يعد خُطوةً ثورية جديدة، تُلقي الكثير من الضوء على القدرات الهائلة التي اكتسبها العلماء خلال العشرين سنة التي تلت إعلان "تومسون" عزل الخلايا الجنينية البشرية.

الصندوق الأسود للخلية

من غير المتوقع أن يخلق هذا الإجراء جنينًا قابلًا للحياة، وهو لم يفعل ذلك، ولكنه يمكن أن يزيح الستار عن معلومات مهمة حول الخصوبة، وبدايات مراحل الحياة.

في الوقت الحالي، تفشل علاجات الإخصاب في المختبر (IVF) بنحو الثلثين، ومعظم هذا الفشل يكون في وقت غرس الأجنة الأولية في الرحم، ولا تزال الأسباب غير معروفة، إلى حدٍّ كبير، حتى الآن.

ذلك الإنجاز يُعَد بمنزلة فتح الصندوق الأسود للخلية؛ إذ سيسمح لنا بتعضيد فهم العمليات الخفية التي تنشأ عند بداية تكوُّن الجنين دون استخدام حيوانات التجارب، كما ستجد تلك الطريقة حلولاً لقضايا الخصوبة، وستمكِّن العلماء من تطوير عقاقير جديدة، ربما تسهم في القضاء على العديد من الأمراض المستعصية، كالسرطان، والسكري، وفق نتائج الدراسة.

تعج أجسام الكائنات الحية بأنواعٍ مختلفة من الخلايا، كالجسدية -التي تُعرف بأنها أي خلية موجودة في الجسم غير الخلايا الجنسية وتتكون من 46 كروموسومًا- والخلية المتخصصة -وهي الخلايا التي لديها القدرة على تكوين نوع معين من الأنسجة كالنسيج العصبي أو العضلي- والخلية متعددة القدرات -كخلايا الدم الحمراء والبيضاء والصفائح الدموية- والخلايا الجنسية التي تمثل البويضات في المرأة والحيوان المنوي في الذكر.

وفي بدايات القرن الماضي، استنتج العلماء وجود نوع آخر من الخلايا يُسمى بالخلايا الجذعية، وهي خلايا لها قدرة على الانقسام والتكاثر وتجديد نفسها ذاتيًّا لتنتج أنواعًا أخرى من الخلايا المتخصصة.

 ومنذ اكتشاف ذلك النوع من الخلايا، زعم العلماء قدرتها على شفاء العديد من الأمراض، عبر دمجها داخل خلايا المرضى، لتُساعد في التخلص من الجينات المعطوبة المُسببة للأمراض للمختلفة.

وطيلة السنوات الماضية، حاول العلماء محاكاة عملية استنبات أجنة من تلك الخلايا، لدراسة التفاعلات الأولى التي تنشأ عنها الحياة. وبالفعل، نجح فريق بحثي بريطاني من جامعة "كامبريدج" العام الماضي في تخليق جنين صناعي في المختبر من خلايا جذعية مستخرجة من الفئران، فما الجديد في تلك الدراسة الحديثة؟

يقول المؤلف الرئيسي للدراسة "نيكولا ريفرون" في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إن طريقته في استنبات هياكل جنينية كاملة تمتاز عن الطرق السابقة بوجود جميع الأنسجة التي تُعزِّز التعلُّق بجدار الرحم للأم، وهذا يعني أن الجنين "مُجهز للزرع" في الرحم، ويؤهل الأم للحمل، كما أن تلك الطريقة "تدعم الحياة للجنين لاحقًا" ولها القدرة الكاملة على تشكيل "المُضغة" بأسلوب يشبه إلى حدٍّ كبير تشكُّل الأجنة الطبيعية.

يحدث الحمل الطبيعي في الثدييات عند تخصيب البويضات الأنثوية بالحيوانات المنوية الذكرية، تنقسم البويضة وتتعلق بجدار الرحم مُكونةً الكيسة الأريمية -يُطلق عليها المُضغة- التي تُشكل الجنين في وقت لاحق. وقد قام الفريق البحثي بتكوين تلك المُضغة داخل المعمل دون حدوث عملية الإخصاب الطبيعية، عبر تحفيز الخلايا الجذعية لبدء عملية الانقسام في طبق معملي مُعقم.

حفز الفريق نوعين من الخلايا الجذعية، بتقنية خاصة، جرى استخدام النوع الأول في تشكيل الجنين، أما الثاني فاستُخدم في إنتاج المشيمة التي تساعد على تغذية الجنين وتثبيت الحمل، "قمنا بتحفيزها على التواصل بين بعضها وبعض"، على حد تعبير "ريفرون" الذي يقول إن التقنية "أثارت عملية التنظيم الذاتي للخلايا، وفتحت الطريق أمام تكوين الهيكل الجنيني".

ويُشير في تصريحاته لـ"للعلم" إلى أن الطريقة الجديدة تفتح الباب أمام البحث عن الحلول الجديدة الممكنة لمشكلات الخصوبة، وفشل الحمل، والأصل الجنيني للأمراض، مؤكدًا أن إنتاج تلك الهياكل الشبيهة بالأجنة "ممكن جدًّا على نطاق واسع" وهذا يعني أن تطوير العلاجات أصبح أسهل، فهذه الهياكل الشبيهة بالجنين "سوف تُقلل بشكل كبير من استخدام الأجنة الطبيعية والحيوانات في اختبار الأدوية والعلاجات الجديدة".

استخرج الفريق الخلايا الجذعية من خلايا حمل الدم السري لفئران التجارب، ثم قام بحصرها وتنميتها داخل الأطباق لتُكوِّن ركامًا غير مُلتصق تَشكَّل في غضون 24 ساعة، وبعدها، كونت تلك الخلايا الكيسات الأريمية، وخلال 65 ساعة، حُقِنت داخل أرحام فئران التجارب، التي استجابت للعملية وحملت بالفعل.

استغرقت التجربة خمس سنوات كاملة، وفق ريفرون، الذي يقول إن التحدي الرئيسي للدراسة كان في العثور على الظروف الأولية الصالحة لتنظيم الخلايا الجذعية. "كانت هنالك مشكلة في خلط الخلايا الجذعية الجنينية مع خلايا الأرومة الغازية –خلايا المشيمة- غير أن التقنية التي استخدمناها ساعدت على تحفيز التفاعل" يقول ريفرون، مشيرًا إلى أنه بمجرد إتمام عملية التحفيز، ترك الفريق مهمة التنظيم الذاتي وتكوين الجنين على الخلايا نفسها؛ إذ إن الخلايا الجذعية "تعلم ما يجب عليها عمله لتكوين الأجنة" على حد قوله.

المعضلة الأخلاقية

من الناحية الفنية البحتة، يُمكن استخدام تلك التقنية مع الخلايا الجذعية البشرية، ولكن، لا تسمح معظم القوانين بإجراء ذلك النوع من التجارب على الأجنة البشرية، غير أن "نيكولاس ريفرون" يرى أن استخدام تلك الطريقة في البشر "سيؤدي إلى زيادة المعارف الأساسية حول المراحل الأولى لتكوين الأجنة".

ترى "ماجدالينا جويتز" -أستاذ بيولوجيا الخلايا الجذعية في جامعة كامبريدج- أنه من المرغوب إجراء نقاشات أخلاقية لعمل تقييم متوازن حول جدوى استخدام التجارب على الأجنة البشرية، مشيرةً في تصريحات لـ"للعلم" إلى أن النقاش الأساسي يجب أن يدور حول سؤال: هل يجب توفير حماية للأجنة البشرية الاصطناعية كالأجنة الطبيعية؟ هل يمكن "إنتاج" إنسان كامل؟ وهل توسيع اللوائح الخاصة بإجراء التجارب أو تقييدها مفيدٌ للبشرية أم لا؟ "فبغض النظر عما يشعر به الناس من القلق، يجب وضع إطار أخلاقي لتلك التجارب".

"هذا ليس جزءًا من منظورنا البحثي"، يقول "ريفرون" تعقيبًا على المشكلات الأخلاقية التي تواجه أبحاث الخلايا الجذعية، مشيرًا إلى أن الأبحاث "ستمضي قُدمًا"، سواء رضينا أم أبينا.

ويقول "دوجلاس ميلتون" -أستاذ بيولوجيا الخلايا بجامعة "هارفارد"- في تصريحات مذكورة ضمن كتاب "الخلايا الجذعية –نهاية عصر زراعة الأعضاء" للدكتور أحمد شاهين: إن هناك عددًا من الأسئلة الجوهرية في هذا الموضوع، من ضمنها: ما البداية الحقيقية للحياة البشرية؟ وهل يُمكن وصف إعدام الأجنة التي تُنتَج داخل الأطباق بالقتل؟ وما هي حدود العلم؟ وما هو سلطان الأخلاق؟ مشيرًا إلى أن المشكلة عويصة والإجابة عن تلك التساؤلات لن تكون واضحة، لكن الأمر الجلي هو أنه "لا سبيل لنا غير حماية تقدُّمنا العلمي وصيانة أخلاقنا بمراعاة الاعتراضات ذات الأساس المتين".