حذرت دراسة مجمعة من زيادة أعداد المصابين بارتفاع ضغط الدم إلى الضِّعف خلال الـ40 عامًا الماضية، لتصل إلى أكثر من مليار مصاب حول العالم في 2015.

وبتحليل نتائج 1479 دراسة استقصائية ضمت أكثر من 19 مليون بالغ؛ لَحَظ الباحثون اختلاف توزيع الإصابات الجديدة بارتفاع ضغط الدم. فبعد أن تركزت الإصابات في الدول ذات الدخل المرتفع، اتجه الارتفاع في الإصابة صوب الدول الأقل دخلاً، مثل دول جنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء.

الدراسة المنشورة في دورية "The Lancet" العلمية في نوفمبر 2016 شملت 200 دولة، وأوردت ما نصه: "تقدم هذه الدراسة الصورة الأكمل لاتجاهات ضغط الدم بين البشر في كل دول العالم، وترصد فترة زمنية هي الأطول بين الدراسات التي تناولت ضغط الدم عالميًّا، وتعرض توزيع الزيادة في الإصابة بين الدول عبر الزمن وبين المراحل العمرية المختلفة".

ويرجع السبب وراء انخفاض معدلات ارتفاع ضغط الدم في الدول ذات الدخل المرتفع إلى الوعي المتزايد بأهمية العمل على تجنُّب العديد من عوامل الخطر، والتي تتسبب في الإصابة بارتفاع ضغط الدم، كما يعلق لـ"للعلم" ماجد عزاتي، أستاذ الصحة البيئية العالمية، كلية الصحة العامة بجامعة إمبريال كوليدج بالمملكة المتحدة وأحد المشاركين في الدراسة.

ويتابع: "على سبيل المثال، يجب ألا نغفل أهمية الوعي بماهية النمط الصحي والسليم للتغذية، والذي يبدأ بما يتناوله الجنين في بطن أمه في أثناء الحمل، وكذلك مراقبة معدلات الصوديوم والبوتاسيوم الموجودة في الوجبات، إلى جانب الوعي بالآثار السلبية للتدخين وتلوث الهواء".

أضافت الدراسة أنه من بين عوامل الخطر التي تتسبب في الإصابة بارتفاع ضغط الدم: والتقدم في السن، والتاريخ المرضي للعائلة، والزيادة في الوزن والسمنة، وعدم ممارسة الرياضة بانتظام، والتدخين، واتباع نظام غذائي غير متوازن يحتوي على كميات عالية من أملاح الصوديوم وكميات قليلة من أملاح البوتاسيوم وفيتامين د، إضافة إلى الضغط العصبي.

وهو ما أكده عزاتي: "إن الممارسات السلبية -مثل عدم المواظبة على الرياضة، وأنماط التغذية غير الصحية- كانت السبب الرئيسي وراء ارتفاع ضغط الدم في البلاد ذات الدخل المنخفض".

 وأفادت الدراسة أن معدلات ارتفاع ضغط الدم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تزال في ازدياد، كمحصلة للنمو السكاني مع قلة الوعي، وإلى جانب الشيخوخة.

 ويؤكد علي مقداد -أستاذ الصحة العالمية بجامعة واشنطن بالولايات المتحدة- لـ"للعلم" إسهام النمو السكاني وزيادة العمر المتوقع للفرد بالمنطقة في زيادة معدلات الإصابة بارتفاع ضغط الدم في المنطقة، مضيفًا أن التغيُّر الكبير الذي طرأ على شكل الحياة اليومية لسكان المنطقة، مثل تغيُّر العادات الغذائية أدى إلى تزايد أنماط الغذاء غير الصحية، وبالتالي إلى مشكلات السمنة وما يتبعها من أمراض أخرى.

العالم العربي والضغط

في عام 2013 أصدر البنك الدولي تقريرًا عن العبء العالمي للأمراض في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأظهر زيادة في معدلات الأمراض غير المعدية في المنطقة، مثل أمراض القلب التي زادت بمقدار 44%، وارتفاع ضغط الدم الذي زاد بمعدل يصل إلى 59% في الفترة بين عامي 1990 و2010.

"نحن في أمسِّ الحاجة إلى نظام مراقبة صحية وقاعدة بيانات جيدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ حتى نفهم بصورة أفضل ما نحن بصدده من مشكلات، وبالتالي نستطيع إيجاد حلول"، كما يقول مقداد.

ويرى أن توفُّر الأدوية المضادة لارتفاع ضغط الدم بسعر زهيد أسهَم في التحكُّم بالمرض إلى حد كبير، واصفًا إياه بأنه "أرخص من علبة سجائر واحدة"، ولكن كل العوامل الأخرى المحيطة بالفرد في منطقتنا غير مشجعة على الاهتمام بالصحة. ويضيف: "يجب على حكوماتنا دعم الغذاء الصحي، على أن يكون ذلك بالتنسيق بين وزارات التعليم، والزراعة، والصحة".

ومن ناحية أخرى، يرى مقداد أن الوضع في الشرق الأوسط في الوقت الراهن يجعل مراقبة وضع ارتفاع ضغط الدم أمرًا صعبًا أو مستحيلًا. "فالبيانات التاريخية المتوفرة عن المرض محدودة وغير مؤكدة، ولكن بعض الدول الكبرى في المنطقة -بما في ذلك مصر وإيران وتركيا- شرعت في بناء قاعدة بيانات جيدة".

أما الوضع الراهن فأعرب عزاتي عن قلقه مما شهدته نظم الرعاية الصحية من تدهور بسبب أحداث الربيع العربي والحروب الأهلية في بعض دول المنطقة، والتي من شأنها أن تؤثر على الكشف والعلاج وإدارة ارتفاع ضغط الدم، وذلك لعدم توفر الدواء وعدم القدرة على الوصول إلى الطبيب أو مكان تقديم الخدمة العلاجية.

وعن الحلول يوضح عزاتي أن هناك حاجة إلى تطبيق منهج شامل، "ينبغي وضع خطط قومية، مثل خفض استخدام الملح ودعم أسعار الفواكه والخضراوات، بالإضافة لخطط من أجل إدارة نمط الحياة والعلاج للفرد من خلال رفع الوعي وتوفير العلاج لمرضى ارتفاع ضغط الدم".