يحصد السرطان أرواح 9.6 ملايين شخص حول العالم سنويًّا، 70% منهم في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، حيث يقود تأخر التشخيص إلى فشل العلاجات وزيادة معدلات الوفيات؛ فالأرقام المفزعة تكشف أن السرطان مسؤول تقريبًا عن وفاة واحدة من كل 6 وفيات، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.

معضلة السرطان ليست في التشخيص المتأخر وحسب، بل في الأورام الخبيثة التي تنتشر في صمت، ولا تظهر أعراضها إلا بعد أن تستفحل، وتصل إلى مرحلة يصعب معها العلاج، مثل سرطاني الرئة والثدي، وهما من أكثر أسباب الوفاة بالسرطان حول العالم؛ إذ يحصد كلٌّ منهما أرواح 2.09 مليون شخص سنويًّا، وفق الإحصائيات الصادرة في عام 2018.

وفي محاولة لتحسين طرق التشخيص المبكر للسرطان، طوّر علماء في جامعة جونز هوبكنز الأمريكية، اختبارًا للدم يمكنه الكشف عن 10 أنواع مختلفة من السرطان قبل ظهور الأعراض، يأتي في مقدمتها سرطان الرئة. وأوضح الباحثون في دراستهم المنشورة في دورية "ساينس" (Science) أن الاختبار الذي يحمل اسم (DETECT-A) مر بـ3 محطات، بدأوا بتصميم النسخة الأولى منه عام 2016، ثم تطوير نسخة أكثر تقدمًا أُطلقَ عليها (CancerSEEK) في 2018، إلى أن وصل إلى محطته الحالية، كأول اختبار دم يدخل الرعاية الطبية الروتينية، وتجري تجربته على ما يقرب من 10 آلاف سيدة، وتتأكد نتائجه بواسطة التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني المدمج مع التصوير المحوسب (PET-CT).

واختبار (PET-CT) هو فحص دقيق للغاية، يساعد على تصوير أجزاء معينة من الجسم للكشف عن كيفية عمل الأنسجة والأعضاء، ويساعد في الكشف عن السرطان، وعما إذا كان المرض قد انتشر أم لا، وحجم الورم، والمنطقة التي ينتشر فيها.

وفي حديث لـ"للعلم"، قال كينيث كينزلر، أستاذ طب الأورام بجامعة جونز هوبكينز، والباحث المشارك في الدراسة: "كان هدفنا الأساسي من الدراسة هو إظهار موثوقية اختبار الدم الجديد ودقته في التشخيص المبكر للسرطانات؛ لسرعة تحديد العلاج المناسب للمرضى، بالإضافة إلى التحقق من إمكانية دمج الاختبار مع طرق الفحص التقليدية للكشف عن أورام الثدي والقولون والرئة".

وأوضح أن الفريق استهدف التحقق من نتائج فحص الدم عبر اختبار (PET-CT) للتأكد من وجود السرطان أو عدمه بطريقة مستقلة، وتحديد موقعه بدقة، فهذا الفحص يمكنه -على سبيل المثال- الكشف عن سرطان الرئة، وتحديد الفص الذي يوجد فيه الورم، وحجمه، وما إذا كان قد انتشر إلى أعضاء أخرى من الجسم، وهذه التفاصيل الدقيقة لا تظهر عبر اختبار الدم.

وأضاف "كينزلر" أن الجمع بين الاختبار الجديد وفحص (PET-CT) زاد من متوسط القدرة على اكتشاف سرطانات الثدي والقولون والرئة من 47 إلى 71%، بنسب دقة وصلت إلى 99.6٪، كما أسهم في اكتشاف 7 أنواع أخرى من السرطان.

10 سرطانات

وفي الدراسة الجديدة التي بدأت في الفترة من سبتمبر 2017 إلى مايو 2019، تابع الفريق أكثر من 9900 سيدة، تتراوح أعمارهن بين 65 و75 عامًا، ولم يكن لديهن تاريخ مرضي مع السرطان، وجميعهن مشتركات في نظم رعاية صحية في بنسلفانيا ونيوجيرسي في الولايات المتحدة، وتلقين إرشادات فحص الرعاية القياسية للسرطان، ومن بينها التصوير الشعاعي للثدي من أجل الكشف عن سرطان الثدي، وتنظير القولون للكشف عن سرطان القولون.

وخلال مدة الدراسة، عثر فحص الدم الجديد على 26 حالة سرطان بين مَن أجريت عليهن الدراسة، في حين جرى اكتشاف 24 حالة أخرى عن طريق الفحوصات القياسية، مثل التصوير الشعاعي للثدي أو تنظير القولون، وذلك من بين 96 حالة سرطان تم اكتشافها بين المشارِكات خلال مدة الدراسة.

واحتوت الـ26 حالة التي اكتشفها اختبار الدم على 10 سرطانات، مقسمة كالتالي: الأورام اللمفاوية (2)، القولون والمستقيم (2)، سرطان الزائدة الدودية (1)، الرحم (2)، الغدة الدرقية (1)، الكلى (1)، الرئة (9)، الثدي (1)، المبيض (6)، أورام أولية غير معروفة (1).

لكن النتيجة الأبرز أن 17 حالة من مجموع الـ26، كانت في مرحلة مبكرة جدًّا من الورم، أي قبل ظهور الأعراض، إذ كان السرطان لا يزال موضعيًّا في المنطقة التي نشأ فيها. ونتيجةً لذلك، وضع الفريق خطةً لعلاجهن، إذ أُجريتْ للمشارِكات 12 عملية جراحية لإزالة تلك الأورام. ومن بين 26 مريضة شُفيت 12 حالة، في حين لا تزال 8 حالات تتلقى العلاج وتبدو حالتهن مستقرة بعد 9 أشهر تقريبًا من التشخيص.

وقال "كينزلر": إن هذه الدراسة هي الأولى التي يتم فيها إدخال اختبار الدم للكشف عن السرطان بغرض التشخيص والتدخل العلاجي.

ومن بين 6 حالات لسرطان المبيض ساعد اختبار الدم في اكتشافها، كانت هناك حالة لمريضة تبلغ من العمر 71 سنة، قالت: "لم أكن لأعرف أبدًا. لم أشعر بأي شيء قبل العثور على الورم وهو بحجم كرة". وتمكَّن الجرَّاحون من إزالته، وهي الآن تحت الملاحظة.

سرطانات يصعب اكتشافها

من جانبها، قالت نجوى البدري، مدير برنامج العلوم الطبية والحيوية، ومدير مركز التميز لأبحاث الخلايا الجذعية والطب التجديدي، بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا: إن ما يميز نتائج هذه الدراسة أنها ركزت على الاكتشاف المبكر لأنواع من السرطانات، يتم اكتشافها عادةً في مراحل حرجة؛ لتأخُّر ظهور أعراضها، مثل سرطاني المبيض والرئة.

وأضافت لـ"للعلم"، أن المبيض على سبيل المثال جزء صغير جدًّا في بطن المرأة، وعند الإصابة بأورام صغيرة فإن السيدات لا يشعرن بها عادةً، ولا تظهر عليهن أعراض جانبية إلا بعد أن يتحول الورم إلى كتل كبيرة في المبيض تضغط على باقي الأعضاء، وعندها تشعر به وينعكس ذلك على حجم البطن، وعندما يشك الأطباء في وجود ورم، يتم عادةً إجراء فحص (PET-CT) ويكون الورم في مراحله المتأخرة، وهذا ينطبق على سرطان الرئة الذي يظل صامتًا لفترة كبيرة، ويمكن أن يُكتشف بالصدفة، والأمر ذاته ينطبق على سرطان البنكرياس.

وعن الطريقة التي يعثر بها الاختبار على السرطان، أوضحت "البدري" أن الفحص الجديد يركز على العثور على علامات حيوية (biomarkers) في الدم، وهي عبارة عن بروتينات غير طبيعية مسببة للسرطان، أو طفرات جينية موجودة في الـDNA الجائل في الدم، هذه العلامات تشير إلى وجود أورام سرطانية في الجسم بمختلف أنواعها؛ لأن كل سرطان يمكن أن يترك في الدم علامات وطفرات جينية مختلفة تميزه عن غيره، فعلامات سرطان الرئة -على سبيل المثال- تختلف عن مثيلاتها في سرطان المبيض.

وتابعت أن نقاط التميز في الدراسة أنها أُجريت على حوالى 10 آلاف سيدة، وهذا رقم جيد جدًّا، لكن نقاط ضعفه أنه أثار بعض الإنذارات الكاذبة التي أدت إلى إجراءات متابعة غير ضرورية فيما يُعرف بـ(False positive)، وهو أن الفحص أظهر علامات حيوية للسرطان، لكن مع إجراء الفحص المقطعي، تَبيَّن عدم وجود أورام سرطانية، وكان عددها في الدرسة 108 من المشاركات، بنسبة تبلغ حوالي 1%.

وأشارت "البدري" إلى أن ما ينقص هذا الفحص أيضًا، أنه أُجري على السيدات فقط، وهذا يجعله غير معلوم النتائج بالنسبة للرجال، ويحتاج إلى استكمال الأبحاث على الذكور، قبل اعتماده بشكل رسمي كأداة فعالة للكشف المبكر عن السرطان؛ لأن هناك أدوية كثيرة مثل أدوية الربو وسرطان الثدي كانت نتائجها مختلفة بين الجنسين.

وعن سبب اختيار السيدات فقط، قال "كينزلر": إن الفريق كان يركز على الاكتشاف المبكر لسرطان المبيض الذي يصيب النساء، وهو أحد أكثر السرطانات التي يكتشفها الاختبار، ويُكتشف عادةً في مراحله المتأخرة، وأن النساء في الفئة العمرية التي اختارتها الدراسة، أكثر عُرضةً للإصابة بالسرطان، لكنهن قادرات على محاربة المرض أكثر إذا جرى اكتشافه مبكرًا، مشيرًا إلى أن الاختبار ما زال في طور التجربة، وسيواصل الفريق تحسين نتائجه حتى يتم إقراره من هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA).

تحسين نتائج العلاج

أما مها النجار -استشاري علاج الأورام، والأستاذ المساعد بقسم علاج الأورام، كلية الطب بجامعة أسيوط- فاعتبرت أن ما يميز الاختبار الجديد أنه يركز على الاكتشاف المبكر للأورام السرطانية، ما يؤدي إلى تحسين نتائج العلاج، والحد من الوفاة بسبب السرطان، وتجنُّب انتقاله من عضو إلى آخر.

وأضافت -في تصريحات لـ"للعلم"- أن الأنظمة الصحية تسعى جاهدةً حول العالم لاعتماد تقنيات الفحص المبكر للسرطان، لتحسين العلاج والحفاظ على حياة المرضى، لكن التقنيات التي يمكن أن تفحص الجسم لتحديد الأورام فحص (PET-CT) تتكلف حوالي 1000 دولار، ولا يمكن تطبيقها على عينات كبيرة من المواطنين كفحوصات روتينية، لذلك هناك اتجاه نحو تطوير فحوصات بسيطة -كاختبار الدم الذي طوره فريق البحث- تساعد على تحديد مَن يحتاجون بالفعل إلى استكمال خطة الفحص وإجراء التصوير المقطعي لتحديد مكان الورم.

أوضحت "النجار" أن الأورام السرطانية تمر بأربع مراحل في الجسم، أُولاها حين تكون محدودة جدًّا في مكان مثل الثدي، وإذا زاد حجم الورم فإنه يدخل إلى المرحلة الثانية ثم الثالثة، وتنتهي بالمرحلة الرابعة التي ينتقل فيها الورم إلى أعضاء أخرى من الجسم كالمخ والعظام، وهي أسوأ المراحل التي ليس لها علاج، وتتركز العلاجات الموجودة حاليًّا على العلاجات التكميلية التي تتعامل مع مضاعفات المرض.

وعن نسب الشفاء في المراحل المختلفة، قالت "النجار": إن أهمية الفحص والاكتشاف المبكر تتجلى في رفع نسب التعافي من المرض وإنقاذ حياة المرضى، فلو تم اكتشاف حالات سرطان الثدي على سبيل المثال في المرحلة الأولى، فإن نسبة الشفاء تتعدى 99%، وإذا جرى اكتشافه في المرحلة الثانية فإن نسبة الشفاء تنخفض إلى 70%، ثم حوالي 60% في المرحلة الثالثة، وإذا وصل الورم إلى المرحلة الرابعة، فإن المريض يصعب شفاؤه.