يزداد اهتمام  المنظمات الدولية والحكومات بدور الكربون الأزرق، بوصفه أداةً للتخفيف من حدة التغيرات المناخية وكيفية التكيُّف معها، فضلًا عن معالجة العديد من أهداف التنمية المستدامة (SDGs). ما هو الكربون الأزرق؟ ما مقدار الإمكانات المتاحة له بالفعل؟ وكيف يمكننا استخدامه؟

ربما تُسهم نتائج دراسة حديثة نُشرت نتائجها في مجلة الجمعية الملكية "بيولوجي ليترز" في 24 أكتوبر الماضي في الإجابة عن هذا التساؤل المهم. ففي هذا الإطار، كشف جغرافيون في الجامعة الوطنية في سنغافورة(NUS)  أن ما يُعرف باسم "الكربون الأزرق" مثل النباتات الساحلية كأشجار المانجروف والنباتات البحرية والمستنقعات الملحية، قد تكون أكثر الموائل فاعليةً للتخفيف من انبعاثات الكربون المسبِّبة لتغيُّر المناخ، لما لها من  قدرة عالية على امتصاصه وتخزينه عبر آلاف السنين.

ووفق الدراسة ، فإن التوسع في نظم الكربون الأزرق يتَّسق مع أهداف اتفاقية باريس لمواجهة تغير المناخ، التي دعت جميع البلدان إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري للحد من انبعاثات الكربون.

وتشدد نتائج الدراسة على أن النباتات الساحلية تنمو بسرعة ولديها القدرة على تخزين الكربون العضوي في التربة المشبعة بالمياه المحيطة بها، ومن ثم فإن نباتات الكربون الأزرق مثل أشجار المانجروف قادرة على تخزين الكربون بطريقة أكثر كفاءة، مقارنة بأنظمة بيئية أخرى مثل الغابات الاستوائية المطيرة. لذا تنصح الدراسة الدول ذات الواجهات الساحلية الكبيرة بالتوسع في هذه النظم البيئية الصديقة للبيئة لمواجهة تغير المناخ. وتمثل غابات إندونيسيا والبرازيل وماليزيا وبابوا غينيا الجديدة أكثر من 50٪ من المخزون العالمي من الكربون الأزرق.

البداية من باريس

"جاءت فكرة هذه الدراسة في أثناء قراءة أحد بنود اتفاقية باريس للمناخ، الذي ينص على أنه على جميع البلدان المصدقة عليها أن تحقق ميزانيةً صافيةً خاليةً من الكربون في نهاية القرن. في حين أن مصادر ثاني أكسيد الكربون موثقة بشكل جيد، ويشمل احتراق الوقود الأحفوري على المستوى الوطني، وتغيُّر استخدام الأراضي"، كما يقول "بيير تايلاردات"، المؤلف الرئيسي في الدراسة والباحث بقسم الجغرافيا في الجامعة الوطنية في سنغافورة، في تصريح لـ"للعلم".

وتُلزم اتفاقية باريس التي أُبرمت في عام 2015 على هامش القمة الحادية والعشرين للمناخ، جميعَ الدول الموقعة عليها، والبالغ إجمالي عددها 195 دولة، بمحاربة الأسباب المؤدية إلى تغيُّر المناخ، وخفض درجة حرارة الغلاف الجوي للأرض بمقدار درجة ونصف إلى درجتين مئويتين، للوصول بدرجة الحرارة إلى مستويات ما قبل الثورة الصناعية.

ويضيف "تايلاردات": "أردنا في هذه الدراسة اختبار الفرضية القائلة بأن النظم الإيكولوجية للكربون الأزرق (أشجار المانجروف، والمستنقعات الملحية، والأعشاب البحرية) يمكن أن تصبح مصارف للكربون Carbon Sinking تخزن كميات كافية منه كمصيدة طبيعية كما هو مذكور في اتفاقية باريس"، موضحًا أن مصارف الكربون عبارة عن خزانات حيوية أو اصطناعية تجمع ثاني أكسيد الكربون وتختزنه مدةً غير محددة.

ويوضح الباحث الرئيسي أنه لاختبار هذه الفرضية أجرى وفريقه البحثي مراجعةً منهجيةً للدراسات التي تعرضت لتقدير معدل حبس الكربون الحديث للأنظمة الإيكولوجية الأكثر شيوعًا على الأرض، بالإضافة إلى مدى مساحة سطح كلٍّ منها.

"أظهر هذا التقييم وكذلك المقارنة أن النظم الإيكولوجية للكربون الأزرق هي الأكثر فاعليةً في تخزينه، بمقدار جرام كربون لكل متر مربع في السنة، ولكنها تظل ذات أهمية محدودة على المستوى العالمي؛ لأنها مقيدة بالسواحل"، وفق "تايلاردات".

يقول "مارك لي"، الباحث بمركز "رويال بوتانك جاردنز" في المملكة المتحدة، لم يشارك بالدراسة: إن مُعدِّي الدراسة التي وصفها بـ"القيمة" أجروا مراجعةً لجميع الدراسات العلمية التي قاست عزل الكربون (كمية الكربون المأخوذة من النظام البيئي وتمت إزالتها من الغلاف الجوي) في النظم البيئية الزرقاء.

ويوضح "لي" في تصريح لـ"للعلم" إنه إذا ما دخل هذا الكربون في الأنظمة الإيكولوجية المائية أو شبه المائية، فعندئذٍ يطلق عليه "الكربون الأزرق"، مثل الموجود في الأعشاب البحرية وأشجار المانجروف والمستنقعات الملحية.

تأثير يتضاءل

ورغم الحاجة إلى النباتات الساحلية كمساهم في صيانة النظام البيئي، فإن تأثير نظم الكربون الأزرق يتضاءل بسبب محدودية المناطق الساحلية الممكن زراعتها فيها. ووفق الدراسة فإن الكربون الأزرق أسهم في تخفيف 0.42% فقط من انبعاثات الكربون التي يسببها الإنسان على المستوى العالمي في عام 2014، رغم أنه يمكن تحقيق نسبة أكبر من هذه بالنسبة للبلدان ذات السواحل الواسعة النطاق، والانبعاثات الكربونية المعتدلة، والتي يجري بها إزالة الغابات على نطاق محدود.

وتشير الدراسة إلى أن تأثير الكربون الأزرق يكون أكثر فاعليةً على المستوى الوطني منه على المستوى العالمي. على سبيل المثال، نجحت أشجار المانجروف في عام 2014 في تخفيف 1% من تأثير انبعاثات الكربون في كلٍّ من نيجيريا وكولومبيا وبنجلاديش، وهم ضمن قائمة أكثر 50 بلدًا في انبعاثات الكربون على مستوى العالم.

وبلغ حجم الغطاء النباتي من أشجار المانجروف في كولومبيا حوالي 1700 كيلومتر مربع في عام 2014، نجحت في خفض ما يقرب من 260000 طن من هذه انبعاثات الكربون سنويًّا، في حين تنتج كولومبيا انبعاثات كربونية تقدر بـ23 مليون طن كل عام.

وتنبه الدراسة إلى خطورة التوسع في إزالة أشجار المانجروف في ماليزيا وإندونيسيا، ما يحد من تأثير الكربون الأزرق، رغم تمتع البلدين بواجهات ساحلية طويلة صالحة لنمو أشجار المانجروف، خاصةً مع توافر الظروف المناخية المواتية. كما أن استخدام أراضي أشجار المانجروف في استخدامات أخرى يتسبب في إعادة تكوين الكربون المخزن على المدى الطويل وانطلاق انبعاثاتها إلى الغلاف الجوي مجددًا. ووفق الدراسة فإن وقف إزالة غابات المانجروف من المحتمل أن يخفف من تأثير انبعاثات الكربون بحوالي 1.6 % في ماليزيا، و2.6% في إندونيسيا.

وتشير دراسة سابقة نُشرت في مجلة "بلوس وان" في سبتمبر 2012، إلى خطورة تدهور النظام البيئي للكربون الأزرق. ووفق الدراسة فإن تحويل هذه النظم الإيكولوجية الساحلية يؤثر أيضًا على مجموعات كبيرة جدًّا من الكربون المعزول سابقًا في التربة، الذي ينطلق في الغلاف الجوي عند تدهور النظام البيئي لأشجار المانجروف والأعشاب البحرية.

تجربة مصرية

"تتمثل الرسالة الرئيسية لهذه الدراسة التي استغرق إعدادها حوالي ثلاثة أعوام في أن الحفاظ على النظم الإيكولوجية للكربون الأزرق واستعادتها يؤثران تأثيرًا مباشرًا على ميزانيات الكربون على المستوى الوطني، ويُعَد حلًّا جيدًا في مواجهة تأثيرات تغير المناخ، بالإضافة إلى أهميتها للأمن الغذائي، وحماية السواحل" وفق المؤلف الرئيسي للدراسة في تصريح لـ"للعلم".

وتشير دراسة سابقة نُشرت في فبراير الماضي في دورية "نيتشر كلايمت تشينج" إلى أن غابات المانجروف لديها القدرة على الإسهام بشكل كبير في التخفيف من آثار انبعاثات الكربون، ما يجعلها مرشحةً وبقوة للدخول ضمن إستراتيجية الأمم المتحدة للتكيف مع تغير المناخ.

وقدرت الدراسة كمية مخزونات الكربون المانجروفية السنوية في الفترة من 2000 إلى 2012 على المستويات العالمية والوطنية ودون الوطنية، وانبعاثات الكربون العالمية الناتجة عن إزالة الغابات خلال الفترة الزمنية نفسها. إذ تشير نتائجها إلى أنه على الصعيد العالمي تختزن غابات المانجروف 4.19 جرامات من الكربون في عام 2012.

وفيما يتعلق بالوضع في مصر، يرى "تايلاردات" أن مصر لديها مساحة سطحية محدودة من المانجروف، وبالتالي فإن إمكانية التخفيف من آثار تغير المناخ بالاستعانة بغابات المانجروف في مصر أمرٌ ذو أهمية محدودة. ويضيف أنه على المستوى الإقليمي، استعمرت بعض أشجار المانجروف السواحل العربية، لكن جفاف الطقس في هذه المنطقة يمنع تحقيق إنتاجية نباتية عالية، على عكس السواحل الاستوائية في جنوب شرق آسيا على سبيل المثال.

ومن جانبه، يشير عضو اللجنة الاستشارية لمؤتمر الأطراف الرابع عشر لاتفاقية التنوع البيولوجي، "حمد الله زيدان"، في تصريح لـ"للعلم"، إلى أن الشعاب المرجانية وغابات المانجروف من أهم وسائل التخفيف من آثار تغير المناخ عن طريق امتصاص الكربون، ويوضح "زيدان" أن مصر تتوسع حاليًّا في زراعة أشجار المانجروف على طول ساحل البحر الأحمر. ووفق "زيدان" فإن مصر لا تتجه إلى زراعة المانجروف على ساحلها المطل على البحر المتوسط؛ نظرًا لعدم توافر الظروف البيئية المواتية لزراعته.

أهمية متزايدة

ويتفق "ستيوارت إي هاملتون"، أستاذ الجغرافيا وعلوم الأرض المشارك في جامعة "ساليزبوري" الأمريكية، مع نتائج الدراسة الحالية من حيث أهمية الكربون الأزرق وتأثيره في التخفيف من آثار تغير المناخ. "هاملتون" قال في تصريح لـ"للعلم" إن الكربون الأزرق له تأثير كبير في التخفيف من آثار انبعاثات الكربون في الدول ذات الواجهات الساحلية الكبيرة، وهو ما قالته الدراسة.

وأضاف أنه رغم أنه سيكون من الصعب تطبيق نتائج الدراسة على الدول الصناعية الكبيرة ذات الكميات الضخمة من انبعاثات الكربون مثل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، فإن الكربون الأزرق يمكن أن يساعد في تخفيف آثار تغير المناخ بطريقتين: الأولى من خلال إزالة ثاني أكسيد الكربون الموجود من الغلاف الجوي من أجل تقليل الاحترار، والثانية عبر عدم الاسهام في زيادة الاحترار عن طريق تحويل الكربون المخزَّن القديم إلى ثاني أكسيد الكربون الجوي، ولكنه يظل مختزنًا في جوف الأرض.

"لذلك فإن الحفاظ على الكربون الأزرق له فائدة من جانبين: يمكن أن يستهلك ثاني أكسيد الكربون الموجود في الغلاف الجوي ويدفنه، ولا يطلق الكربون المدفون القديم"، يوضح "هاملتون".

في الختام ينبه "لي" إلى أن الدراسة لم تشر إلى فوائد أخرى للنظم البيئية الزرقاء، إذ يقول: "لم يشر المؤلفون إلى أن هذه النظم، مثل أشجار المانجروف، تدعم أيضًا العديد من المجتمعات الفريدة من النباتات والحيوانات، وتحمي السواحل من الأعاصير على سبيل المثال، وتدعم الاقتصادات المحلية مثل زراعة المحار والسياحة، لذلك هناك العديد من الأسباب لحماية النظام البيئي الأزرق".