ذكرت دراسة أمريكية-بريطانية مشتركة أن الجينات الوراثية تؤدي دورًا مهمًّا في برمجة أنماط النوم والاستيقاظ لدى البشر، ما يجعلهم يميلون إلى النوم والاستيقاظ في وقت معين بصورة فطرية.

وأوضحت الدراسة، التي نشرتها دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications) اليوم "الثلاثاء"، 29 يناير، وأعدها باحثون من جامعة "إكستر" في المملكة المتحدة و"مستشفى ماساتشوستس العام" بالولايات المتحدة الأمريكية، أن "الساعة البيولوجية للفرد، والتي قد تجعله يفضل الاستيقاظ ليلًا بدلًا من النهار، تتحكم فيها الجينات الوراثية بصورة تجعل الشخص يستيقظ باكرًا مثل طائر القنبرة، أو تدفعه للسهر طوال اليوم مثل البومة".

يقول "مايك ويدون" -المحاضر في المعلوماتية الحيوية بكلية الطب في جامعة إكستر، والباحث المشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة تسلط الضوء على عدد كبير من الجينات التي يمكن دراستها بمزيد من التفصيل لتحديد آلية عمل الساعة البيولوجية للجسم بشكل متباين لدى أشخاص مختلفين. واعتمدنا على عينة كبيرة بلغت 697 ألفًا و828 شخصًا (بين بريطانيين وأمريكيين)، ما ساعدنا على تقديم دليل قوي على أن الأشخاص ذوي الطبيعة الليلية قد يكونون معرضين بشكل أكبر لاضطرابات في الصحة العقلية، وأن الطبيعة النهارية لبعض الأفراد -والتي تؤدي الجينات دورًا في برمجتها- قد تحسِّن من الصحة النفسية وتقلل من مخاطر الإصابة ببعض الاضطرابات الذهنية كالفصام والاكتئاب"، مشددًا على ضرورة إجراء مزيد من الدراسات لفهم تلك الارتباطات بشكل كامل.

يضيف "ويدون" أن "الدراسة الجديدة كشفت وجود 327 موقعًا جينيًّا جديدًا ترتبط بإيقاع الساعة البيولوجية الكامنة ودورها في عدد لا يعد ولا يحصى من العمليات الفيزيائية داخل الجسم، وأجرينا دراسة طولية لبيانات المشاركين على مدار 10 سنوات، كما تم سؤال جميع المشاركين عما إذا كانوا "أشخاصًا نهاريين" أم "أشخاصًا ليليين"، وتم تحليل الجينوم الخاص بهم للنظر في الجينات المشتركة لديهم والتي قد تؤثر على ساعتهم البيولوجية".

وللتأكد من النتائج التي توصلوا إليها، قام فريق البحث باستخدام المعلومات الناتجة عن أجهزة تعقُّب النشاطات التي قام بارتدائها 85000 من المشاركين في الدراسة في معاصمهم.

وأظهرت هذه المعلومات أن المتغيرات الجينية التي حددها الباحثون يمكن أن تحول وقت الاستيقاظ الطبيعي للشخص بما يصل إلى 25 دقيقة، مما يغيّر وقت الاستيقاظ لبعض الناس من الساعة 8 صباحًا إلى 8.25 صباحًا، على سبيل المثال.

وتتأثر الساعة البيولوجية للجسم بعوامل مرتبطة بنمط الحياة، بما في ذلك النظام الغذائي، والتعرض للضوء الصناعي، ووظائفنا وأنشطتنا، لكن الدراسة الجديدة أكدت أن الساعة البيولوجية تؤثر على مجموعة واسعة من العمليات الجزيئية في جسم الإنسان، بما في ذلك مستويات الهرمون ودرجة حرارة الجسم الأساسية، فضلًا عن أنماط اليقظة والنوم.

ويشدد "ويدون" على أن "نتائج هذه الدراسة تُعَد خطوة على طريق طويلة تستهدف فك شفرات الخاصة بهذه الساعة البيولوجية"، مضيفًا: "ما زلنا لا نعرف إلا القليل حول ما إذا كانت ساعة الجسم البيولوجية تؤثر على خطر الإصابة بالمرض أم لا".

لذا قام الباحثون باستخدام اختبارات إحصائية متعددة لدراسة العلاقة بين نمط المرض والاضطرابات النفسية، ووجدوا أن كون الشخص نهاريًّا يرتبط بمستوى أعلى من الصحة النفسية، فضلًا على أنه مرتبط أيضًا بانخفاض خطر الإصابة بالاكتئاب والفصام.

وتتمثل أهمية الدراسة في توفير نوع من المرونة بصدد ساعات العمل التي يتمتع بها الشخص بحالة نفسية وصحية عالية، وهو ما انتبهت إليه بعض المدارس في المملكة المتحدة التي قامت بتجربة تغيير مواعيد دراسة الشباب بحيث تبدأ في وقت لاحق على مواعيد الدراسة الرسمية، من منطلق أن الشباب يفضلون المساء على النهار مقارنةً بكبار السن، على حد وصف الباحث المشارك في الدراسة.

يقول "ويدون": حتى الآن، لم نفهم سوى القليل عن التفاعل بين علم الوراثة وساعة الجسم البيولوجية ومخاطر الصحة النفسية مثل الإصابة بالفصام والاكتئاب. وتوفر هذه الدراسة رؤى جديدة قيِّمة، نأمل أن تؤدي إلى تدخلات أكثر فاعليةً لحماية الأشخاص من المخاطر التي تلاحقهم.

يُذكر أن هناك العديد من الجينات التي ترتبط بعمل الساعة البيولوجية، مثل الموروث الجيني المعروف بالرمز (ABCC9)، وجين "الفترة" (Period Gene)، الذي يتحكم في ترميزه بروتين يُعرف بـ"بي إي آر".