عصير قصب معلب، بجودة عالية وآمن صحيًّا‏،‏ ويتميز بخواص العصير الطازج من حيث الطعم والرائحة. معادلة صعبة، استطاع أستاذ بالمركز القومي للبحوث في مصر حلها، وحصل بها على براءة اختراع من أكاديمية البحث العلمي. المنتج الجديد يعد مثالاً حيًّا لربط البحث العلمي بالصناعة؛ إذ وصل هذا المنتج إلى الأسواق المصرية، وتم تصديره لأكثر من دولة عربية.

وينتج عصير القصب من أعواد قصب السكر، وهو مشروب شعبي مصري، يُشرب طازجًا أو يتم تبخيره وتحويله إلى مكعبات سكر، كما يدخل في صناعة العسل الأسود والخل والكحول.

المنتج الأول من نوعه في مصر

ثلاثة أعوام ونصف العام، قضاها الدكتور هشام أمين -أستاذ الصناعات الغذائية بالمركز القومي للبحوث- عاكفًا في معمله، ليخرج بحثه إلى النور، قبل أن يحصل على براءة اختراع من أكاديمية البحث العلمي المصرية عام 2008، لنجاحه في تحويل عصير القصب سريع التخمر والأكسدة إلى منتج يمكن تخزينه وتناوله حسب الطلب، وإطالة مدة حفظه إلى فترات تتراوح بين 6 أشهر وعام كامل.

د. أمين أضاف في حديث لمجلة "للعلم"، أنه تعاقد مع إحدى شركات القطاع الخاص في مصر، التي حصلت بموجب ذلك على حق الانتفاع ببراءة الاختراع، وكان ذلك نهاية 2015. بدأت الشركة في إخراج منتجها إلى الأسواق مطلع العام 2016، في صورة عبوات عصير قصب طبيعي يتم بيعها في مناطق كثيرة بمصر تحت اسم «دكتور قصب»، واستطاعت أن توسع خطوط إنتاجها، ونجحت في تصدير المنتج إلى دول عربية مثل السعودية والإمارات والكويت.

أهمية الفكرة تكمن -وفق أمين- في أن خصائص عصير القصب تجعله يفسد ويتغير لونه بعد أقل من 5 دقائق من عصره، ولذا لا يمكن تناول هذا العصير إلا في محال بيع العصير فقط، لكن بفضل براءة الاختراع، يمكن تناول عصير القصب في أي وقت وأي مكان.

وأوضح أمين أن هذا المنتج هو الأول من نوعه في العالم العربي؛ إذ توجد منتجات اعتمدت على تركيز العصير وبيعه مجففًا، لكنها لا تقارَن -من حيث النكهة والقيمة الغذائية- بالمنتج الذي يوفر العصير الطازج للمستهلك، وكأنه قد تم عصره قبل دقائق.

وشرح أمين الآلية التى استند إليها، للوصول إلى عصير القصب المعلب، بأنها تقوم على فكرة استخدام مواد مضادة للتلون الإنزيمي (Anti-browning agents)، لتثبيط إنزيم «البوليفينول أوكسيدز» المسؤول عن الفساد السريع لعصير القصب وتغيُّر لونه.

فوائد صحية

وعن الفوائد الصحية لعصير القصب، أفاد أستاذ الصناعات الغذائية، بأنه مفيد للمرضى الذين هم بحاجة إلى نسبة عالية من السكريات لأسباب طبية، وهو أيضًا يعالج ارتفاع الكولسترول في الجسم، ويقاوم الإمساك، كما أنه سهل وسريع الامتصاص، ويفيد في حالات النحافة ويقوي العظام وينشط الكبد، ويساعد على إدرار البول، ما يؤدي إلى تنقية الجسم من السموم.

ونوه بأن عصير القصب يعطي إحساسًا بالراحة النفسية والهدوء، ويرجع ذلك إلى أن المواد السكرية الموجودة به تعمل على زيادة تكوين مادة «السيراتونين» seratonin الطبيعية المهدئة التي يكوِّنها المخ، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة قدرة الإنسان على تحمل المواقف الصعبة، مثل الضيق والتوتر والإرهاق.

ربط البحث العلمي بالصناعة

ورأى أمين، أن هناك فجوة كبيرة بين الصناعة والبحث العلمي، نتيجة أسباب، منها ما وصفه بـ"انعدام الثقة" بين الطرفين، وغياب ثقافة إنفاق الشركات على البحث العلمي، مستطردًا: "لو أنفقت المصانع جزءًا من أرباحها على البحث العلمي، سترد لها هذه المبالغ أرباحًا 100%"، داعيًا أصحاب المصانع إلى التوجه إلى المركز القومي للبحوث، لأن به براءات اختراع في جميع المجالات، تصلح للتطبيق على أرض الواقع، وستحقق عوائد مضمونة.

وعن مهمة تسويق براءات الاختراع، وربطها بالبحث العلمي، أشار أمين إلى أن الباحث مهمته معروفة، وهي الانشغال بالعملية البحثية في المعمل، ولا يفترض أن يذهب إلى أصحاب المصانع لتسويق ابتكاره، لكن الصناعة هي التي يجب أن تبحث عن حلول لمشكلاتها، وهذا لا يأتي إلا بالتواصل مع المعنيين بالبحث العلمي، داعيًا رجال الصناعة في مصر إلى التواصل مع المركز القومي للبحوث، للاستفادة من مخرَجات البحث العلمي في حل مشكلات الصناعة.

من جانبه، رأى الدكتور سامي السباعي -مستشار رئيس المركز القومي للبحوث- أن سوق الصناعة المصري حذر جدًّا، فيما يتعلق بالتواصل مع المعنيين بالبحث العلمي، وتنطبق عليه مقولة «رأس المال جبان»، لذلك يتخوف الكثيرون فيما يتعلق بمدى جدوى مخرَجات البحث العلمي في مصر.

وأضاف السباعي في حديثه لـ"للعلم"، أن المشكلة لا تقع على عاتق أصحاب المصانع وحدهم، فهناك «قصور تشريعي» في مصر، فيما يتعلق بالقوانين المشجّعة على ربط البحث العلمي بالصناعة.

حوافز الإبداع والابتكار

ودعا السباعي الحكومة إلى تبني تشريعات تجذب أصحاب المصانع للمراكز البحثية، كي يقدمون عليها للاستفادة بما لديها من كنوز كامنة، تحتاج فقط إلى تمويل ومعدات وأيدٍ عاملة لتطبيقها على أرض الواقع، وهو ما يتوفر لدى رجال الصناعة، في القطاعين العام والخاص.

وضرب مثلاً لذلك، بضرورة تبنِّي الدولة تشريعًا يحفز رجال الأعمال الذين يطبقون مخرجات البحث العلمي في مصر، بأن يتم إعفاء منشآتهم من الضرائب مدةً معينة، وبذلك ستستفيد الدولة من نهضة الصناعة، مما سيرفع من جودة المنتج المصري في مختلِف المجالات.

وأشار السباعي إلى أن المركز القومي للبحوث فيه قرابة 4500 باحث متخصص، يعملون على المئات من براءات الاختراع في مجالات عدة، بالإضافة إلى مراكز البحوث الأخرى. وأضاف: "تحتاج تلك البراءات إلى رجال أعمال وطنيين، لديهم الجرأة والرغبة في تبني الأفكار القابلة للتطبيق، والتي سوف يستفيدون لاحقًا من عوائدها.

وأكد أن براءة اختراع عصير القصب ليست الأولى التي تخرج من المركز، ويتم تطبيقها على أرض الواقع، فقد سبقتها أفكار أخرى، منها على سبيل المثال، مصل لإنفلونزا الطيور، طوره باحثون بالمركز، وتعاقدت عليه إحدى الشركات الخاصة للحصول على حق بيعه، ونجحت في فتح خطوط إنتاج للمصل وتوفيره في الأسواق.

واعتبر السباعي أن عوائد براءات الاختراع، من الممكن أن تكون مصدر دخل كبير للدولة، إذا تبنت الحكومة تشريعات محفزة على ربط البحث العلمي بالصناعة، عندها سيقدم رجال الصناعة على شراء حقوق انتفاع تلك البراءات، وستكون مصدر دخل جيد للمراكز البحثية، وكذلك للحكومة، التي تتكفل بمرتبات الباحثين ومصاريف تشغيل المباني والأجهزة وغيرها.