في السادس من مارس 2017، طيرت وكالات الأنباء خبرًا مفاده أن ثلاثة علماء بريطانيين فازوا بأكبر جائزة في علم الأعصاب تقدمها مؤسسة "لوندبك" الدنماركية وقدرها مليون يورو؛ تقديرًا لبحثهم الواعد في مسارات "المكافأة" في الدماغ. وصرح الفائزون "بيتر دايان"، و"راي دولان"، و"ولفرام شولتز"، بأن فوزهم جاء نتيجةً لشغفهم المستمر بمعرفة كيف يعمل المخ البشري، وأنهم اشتغلوا ثلاثين عامًا على خلايا إفراز الدوبامين، وهي المكوِّن الأساس في مسارات "المكافأة" التي تؤثر في كل شيء، بدايةً من اتخاذ القرارات والمخاطرة والإدمان وحتى مرض الفصام.

وبرغم جدارة استحقاق هؤلاء العلماء الثلاثة لهذه الجائزة، كان فوزهم حريًّا بأن يُكَرم معه بحثٌ لرائدين كان لهما فضل الكشف عن "مركز المكافأة" في الدماغ، منذ خمسة وستين عامًا وبأدوات بحثية شبه بدائية، وهي قصة تستحق أن تُروَى، ليس فقط وفاءً لذكرى الرائدين، بل لأنها تُعَد بمنزلة إلقاء الضوء على البدايات، وتنير مسارات الحاضر، وتستشرف آفاق المستقبل.

في عام 1954 أعلن الباحثان "جيمس أولدز" و"بيتر ميلنر" من جامعة "ماكجيل"، أنهما عثرا على دلائل تثبت وجود مركزي"المكافأة" و"العقوبة" في المخ، وهما ما تعددت تسمياتهما فيما بعد فصارا: مركزي "الجنة والنار"، أو "النعيم والجحيم"، أو "الثواب والعقاب"، ولا تزال المترادفات تنهال على هذين المركزين، وكلها يدور حول المنطلق العضوي في المخ للشعور بالنشوة كمكافأة لسلوك ما، أو الكرب كعقوبة عن سلوك آخر، وهو كشف هائل في تلك القارة التي لا تزال مجهولةَ الأصقاع، قارة العقل والنفس لدى الإنسان، وإن كان ذلك الكشف الرائد قد بدأ في مخ الحيوان، وبدأ بغلطة!

كان "بيتر ميلنر" -الباحث في جامعة "ماكجيل"- يختبر نظريةً مفادها أن الفئران يمكن دفعها إلى اختيار فرع محدد من فرعين في متاهة على شكل حرف T بتحفيز شحنة كهربية ضعيفة للخلايا العصبية المكوِّنة لمنطقة التكوين الشبكي reticular formation، الذي يعمل كمصفاة بين جذع المخ ومنطقة المهاد لتنظيم مرور المعلومات الحسية، وكانت شحنة التحفيز تصل إلى هدفها عبر قطب كهربي دقيق مغروس في أمخاخ فئران التجربة، لكن "ميلنر" أخفق في تجربته؛ فبدلًا من انعطاف فئران التجربة نحو المسار الذي تلقوا فيه التحفيز، تجنَّبوه بالإجماع!

في ذلك الوقت، ظهر لميلنر باحث شاب في علم النفس الاجتماعي من جامعة هارفارد، اسمه "جيمس أولدز"، مهتم بدراسة المخ، وكان يبحث عن شخص مثل ميلنر لمساعدته في ولوج هذا المجال، لكن خلفيته التخصصية "الأدبية" كانت بعيدةً كل البعد عن علم النفس الفسيولوجي الذي ينتمي إليه "ميلنر"، لهذا تَشَكَّك ميلنر في جدوى هذا "الدخيل"، ومع ذلك رأى أن يجربه.

تبين أن "أولدز" كان متعلمًا بارعًا سريع الاستيعاب؛ ففي غضون أسبوع من إعطائه كتابًا عن علاقة عمل الأطراف بدماغ الفئران، أظهر معرفةً تَفوقُ معرفة ميلنر نفسه، فأوكل ميلنر إليه مهمة زرع أقطاب التحفيز الكهربي في أدمغة الفئران. وبرغم أن أولدز كان كفئًا لأداء المهمة، إلا أنه مع فأرٍ واحد سها عن وضع لاصقٍ يثبت القطب بالأسلاك قبل ثنيها في الاتجاه المطلوب، فحدث الخطأ الذي شكَّل بدايةً لنجاح تاريخي في علم الأعصاب يتواصل استمراره حتى اليوم.

لاحظ "أولدز" أن هذا الفأر -على النقيض من بقية الفئران- عندما يتلقى دماغه الشحنة المنبهة يتقدم ويرفع رأسه متمايلًا، مستنشقًا الهواء بعمق المستمتعٍ النشوان. عندها بدأ مع "ميلنر" يضعان احتمال أن يكون القطب المثبت في مخ هذا الفأر قد تزحزح من مكانه، فطلبا صورة أشعة سينية للتأكد، وأظهرت الصورة أن القطب تزحزح بالفعل عدة ملليمترات عن التكوين الشبكي في المخ، وصار واقعًا في منطقة "تحت المهاد" hypothalamus المرتبطة بالجهاز الحوفي المسؤول عن التحكم بالعواطف والأنشطة الجنسية، فاستنتجا أن علائم الاستمتاع التي أبداها الفأر مع تلقِّيه للشحنة المنبهة، في هذه المنطقة، ربما تعني شيئًا!

كررا التجربة مع عدة فئران أخرى بغرس أقطاب التنبيه الكهربي فيما تحت المهاد، وجعلا الفئران تحدد بنفسها تلقِّي الشحنة الكهربية عندما تضغط بأقدامها دواسة التنبيه في صندوق التجارب، وأذهلتهم النتائج. فقد كانت الفئران فور اكتشافها أن ضغط هذه الدواسة يطلق في أدمغتها شحنةً تعزز شعورًا بالمتعة، تلح على تكرار الضغط لتعُبَّ مما تحصل عليه من إحساس ممتع، وكأنها تتلقى مكافأةً مبهجة، فأطلق أولدز وميلنر على النقطة التي غرسا فيها الأقطاب في أمخاخ الفئران "مركز المكافأة".

 everything possible / Alamy Stock Photo

ولما أغراهما النجاح في الوصول إلى هذا الاكتشاف انطلقا يوسعان مجالات بحثهما، فاكتشفا ضمن ما اكتشفا نقطةً تحت "مركز المكافأة" ملاصِقةً له، تنفِّر الفئران من إعادة تلقِّي الشحنة الكهربية متى ما جربوها مَرَّة، نفورًا مشبَعًا بحس المعاناة والكدر والألم، وكأنها تتلقى عقابًا على جُرمٍ ارتكبته، فسمَّاها الباحثان"مركز العقاب"! ولم يكتف أولدز وميلنر بما توصلا إليه، فذكرا في مقال نشراه في مجلة "ساينتفك أمريكان" عام 1956 أنهما اكتشفا نتائجَ مماثلة تحدث عند غرس الأقطاب في منطقة النواة المتكئة Nucleus Accumbens، التي بات معروفًا الآن أنها واحدة من المناطق الرئيسية في "مسار المكافأة" في مخ الإنسان كما هي لدى الحيوان، والتي يتم فيها إطلاق الدوبامين، الناقل العصبي المُسبِّب للشعور بالمتعة كمكافأة طبيعية لتناول الطعام الطيب وممارسة الجنس، والمُرتبط أيضًا بإحساس المكافأة الصناعية في تناول المخدرات، خاصةً الكوكايين!

لقد وضع أولدز وميلنر "خريطة انفعالية" لدماغ الفأر، تقول بأن حوالي 60% من مجمل الدماغ هي مناطق مُحايدة، تقع بعيدًا عن مناطق المخ العميقة، وأقرب إلى السطح، بينما تشغل مناطق "الجنة" 35% وبكثافة لافتة في منطقة تحت المهاد عند قاعدة المخ، والتي تقع تحتها مباشرةً منطقة "جهنم" على شكل إسفين صغير يشكل ما لا يزيد على 5% من مجمل حجم المخ. لكنه إسفين حارق، أعلنت فئران التجربة بكل كيانها وسلوكها رفض تحفيزه! فماذا عن الإنسان؟

صحيح أن منطقة "الجنة" في أدمغة البشر، كما هي في أدمغة الفئران، أرحب وأدعى للتحفيز، لكن متع ونشوات "مكافآتها" كثيرًا ما تكون خادعة وتنطوي على"جهنم"، وأوضح نماذجها المخدرات، التي سرعان ما يتحول تعاطيها للحصول على النشوة إلى إدمان قاتل.

وقد صارت الأبحاث الهادفة إلى مكافحة إدمان المخدرات تركز على هذين المركزين في المخ، المرتبطَين بإدمانات أخرى تنطوي على مكافآت خادعة لا تقل خطورةً عن "مكافآت" المخدرات، منها ما يتعلق بالنشوات الجنونية في أوهام امتلاك الحقائق المطلقة، وما يتبعها من سلوكيات تعصُّبية وتسلُّطية، تبعث في ممارسيها الانتفاخ بنشوات الهيمنة والتفوق، التي -شأنها شأن إدمان المخدرات- دائمًا ما تنتهي بتدمير مَن يمارسها، والأبشع: أنها تدمر مَن تُمارَس عليه.

إن مليون يورو جائزةً لأبحاث حديثة تتصل باكتشاف أطياف جديدة لعمل مناطق المكافأة والعقاب -أو النعيم والجحيم- في المخ، وبعد مرور خمسة وستين عامًا على الاكتشاف الرائد لأولدز وميلنر، لا تعني تقديرًا للباحثين الجدد وحدهم، بل تعني تكريم الباحثين الرائدين على الخطوة الأولى في طريق يفتح آفاقًا لا تكف عن الاتساع، في إدراك منابع سلوك الحيوان والإنسان ومآلاتها، لتعزيز المُعمِّر منها وتحاشي المُدمِّر. كما أنها أمثولة في تاريخ أشواق الإنسان لمعرفة ذاته، ومُحيطة، بالعِلم، و.. للعِلم.