في عشرينيات القرن الماضي، حدث اكتشاف مهم على يد العالِم البريطاني، ألكسندر فليمنج، الذي استخدم "البنسلين" كأول مضاد حيوي لحماية الإنسان من الأمراض الخطيرة، ومهّد هذا الاكتشاف الطريق لحقبة جديدة في علاج الالتهابات، جعلتنا لا نعتمد على أجسامنا للتخلص من البكتيريا، إذ أصبح من الممكن استخدام المضادات الحيوية في إعاقة قدرة البكتيريا على التكاثر، ما يعطي الجهاز المناعي الوقت الكافي لإزالتها.

لكن على مدى العقود القليلة الماضية، أصبحت قدرة المضادات الحيوية على منع نمو البكتيريا محدودة للغاية؛ إذ تطورت سلالات بكتيرية مقاومِة للعلاج بالمضادات الحيوية.

ودفع هذا التهديد المجتمع العلمي للبحث عن طرق بديلة للتعامل مع الالتهابات البكتيرية، كما حذّرت منظمة الصحة العالمية أواخر نوفمبر الماضي، من أن البشرية تتجه صَوْب حقبة ما بعد المضادات الحيوية، حيث يمكن أن تؤدي الأمراض المعدية الشائعة والإصابات البسيطة مجددًا إلى الوفاة.

وفى إطار البحث عن بدائل، كشفت دراسة جديدة أن وظائف الدماغ لا تقتصر على التحكم في الأفكار وفي وظائف الجسم الأساسية، ولكنها تتحكم أيضًا في طريقة استجابة الجسم لخطر الالتهابات البكتيرية الجرثومية.

واكتشفت الدراسة، التي نُشرت منتصف ديسمبر الماضي في دورية المناعة Immunity، أن الدماغ يحارب البكتيريا من خلال تعزيز عملية إنتاج جزيء يسمى بـ«البروتكتين المقترن بتجديد الأنسجة 1» أو (PCTR1)، يساعد خلايا كريات الدم البيضاء في قتل البكتيريا المعتدية. وأظهرت الدراسة أن الإنسان لا يلحظ ذلك لأن الأجسام البشرية على اتصال دائم مع البكتيريا، وأن الجزء الأكبر منها لا يشكل تهديدًا للجسم؛ لأن الجهاز المناعي يطور نفسه ليمنع هذه الكائنات من إيذاء الجسم.

ولكن في بعض الحالات، قد تضعف الأنظمة الدفاعية للجسم أو تفشل في إيقاف الغزو البكتيري، فتحدث الإصابة. وفي الحالات القصوى، عندما تقع الإنتانات sepsis، قد تؤدي العدوى إلى الموت.

والإنتان حالة مرضية خطيرة تصاحبها التهابات قد تغزو الجسم كله نتيجة وجود الميكروبات أو من جَرَّاء نواتج عمليات التمثيل الغذائي التى تقوم بها في الدم والأنسجة. ويُعَد «PCTR1» جزءًا من مجموعة من الجزيئات، يطلق عليها "وسطاء متخصصون" (specialized pro-resolving mediators)، تتحكم في كيفية استجابة الجسم للالتهاب، وتنتجها خلايا الدم البيضاء من حمض دهني أساسي مشتق من زيت السمك يسمى حمض الدوكوساهيكسانويك.

وذكرت الدراسة أن المضاد الحيوي الذي يظن الكثير أنه يعالج الالتهابات، لم يكن ليفعل ذلك من دون إفراز الدماغ لـ«PCTR1»، إذ يتمثل دوره في إعاقة قدرة البكتيريا على التكاثر، ما يعطي الجهاز المناعي الوقت الكافي لإزالتها.

وأوضح المشرفون على الدراسة أنهم ركزوا على الجهاز العصبي المركزي؛ لتحديد سبل جديدة لعلاج الالتهابات البكتيرية، ليجدوا في التجارب أن قطع العصب المبهم Vagus nerve الأيمن لدى الفئران، وهو العصب الذي يصل بين الدماغ والجهاز الهضمي، يؤدي إلى انخفاض كبير في قدرتها على إزالة بكتيريا الإشريكية القولونية "جرثومة الأمعاء الغليظة"، وذلك بسبب حدوث انخفاض في «PCTR1».

وأضافوا أنه عندما جرى حَقن الفئران بـ«PCTR1»، ارتفعت البالعات البريتوانية (غشاء مصلي يبطن جوف البطن) واستعادت قدرتها على التخلص من البكتيريا وتثبيط الاستجابة الالتهابية اللاحقة، والإسراع بالقضاء على البكتيريا.

وقال قائد فريق البحث، جيسموند دالي، بمعهد بحوث وليم هارفي، التابع لكلية "كوين ماري" بجامعة لندن: إن الهدف من دراستنا هو فهم الطريقة المُثلى، التي يعتمدها الجسم لحماية نفسه من العدوى.

وأضاف دالي في حديث لـ"للعلم"، أن العديد من الأدوية، وعلى رأسها المضادات الحيوية لم تعد فعالة في علاج الالتهابات، وأحد أسباب ذلك هو تدخل دفاعات الجسم لعرقلة ذلك.

وعبر عن اعتقاده أنه من خلال فهم طريقة الجسم في الدفاع عن نفسه، ودور جزيء «PCTR1» يمكن تطوير أدوية جديدة أكثر فاعلية لمكافحة الالتهابات البكتيرية.

حرب الخلايا

وتعليقًا على نتائج البحث، قال رامي كرم عزيز -أستاذ ورئيس قسم الميكروبيولوچيا والمناعة بكليّة الصيدلة، جامعة القاهرة-: إنه في واقع الأمر ليس هناك سبب للتعجب، إذ إنّ المخ يتحكم في جميع الأعضاء بشكل أو بآخر، فلماذا لا يتحكم في جهاز المناعة كذلك؟

وأضاف في حديث لـ"للعلم" أنه ربما تكون المفارقة هنا أن المناعة أشبه بعملية حرب أو منافسة بين الخلايا بالأساس، بين خلايا الدم من جهة وخلايا البكتيريا من جهة أخرى، وكلٌّ من الفريقين ذو قدرة عالية على الانقسام والتكاثر. وبالتالي فيمكن تشبيهها بشكل ما بجنود في ساحة معركة قد تكون بعيدة عن القيادة المركزيّة، وهنا يأتي السؤال حول كيفيّة ضمان الدولة المركزيّة البقاء على اتصال مع هؤلاء الجنود أينما كانوا، وأيضًا حول "استقلاليّتهم" إذا تطلَّب الأمر منها التعامل مباشرة مع العدو في ظل انقطاع الاتصال مع القيادة.

وأشار إلى أن فريق البحث يسلط الضوء على دور العصب المبهم/ الحائر (vagus) في التأثير على محفزات ومثبطات الالتهاب (inflammatory mediators) والمؤثرة في خلايا المناعة المختلفة. وما وُجِد باختصار هو أن العصب الحائر يفرز مادة (النترين ١) والتي تساعد في انحسار الالتهابات وفضّ اشتباك الخلايا. كذلك يفرز العصب الحائر موادَّ تحفز إنتاج محفزات للمناعة تسمى (PCTR1).

وعن أهمية البحث، أشار إلى أنها ترجع بشكل كبير إلى أهمية العصب الحائر في الاستجابة للضغط العصبي والانفعالي، وبالتالي تقوي النظرية الشائعة بشأن تأثير الانفعالات والضغوط العصبيّة على جهاز المناعة، إذ إنّ التوتر المستمر والضغط النفسي والحزن وما إلى ذلك من عوامل مزاجيّة أو نفسيّة قد تصيب الإنسان بالمرض، وقد تزيد فرصة تعرُّضه للعدوى، بينما قد يؤدي وقوع الإنسان تحت خطر ما أو يؤدي تفكيره الإيجابي إلى تحسُّن قدرته على مقاومة الأمراض، كما تعضد النتائج أهمية الراحة والاسترخاء والتفكير الإيجابي في مقاومة الأمراض المعدية، إلى جانب الأمراض الأخرى المعروف تأثُّرها بالحالة النفسية.

فيما أكد خالد أبو شنب -أستاذ الميكروبيولوجي والمناعة، كلية الصيدلة جامعة عين شمس- أن البحث سلط الضوء على دور المخ في استحثاث العصب، لإفراز مادة تحث بعض الخلايا الليمفاوية المناعية التابعة لجهاز المناعة الأولي لإفراز (PCTR1)، وهذه المادة تعمل على تنشيط خلايا مناعية أخرى تسمى (Monocytes) في الدم أو (Macrophages) في الأنسجة، وتعمل هذه الخلايا على التخلص من الميكروبات عن طريق التحليل السيتوبلازمي (phagocytosis).

وأضاف في حديث لـ"للعلم"، أن نتائج الدراسة تُعَد أولية؛ لأنها أُجريت على حيوانات التجارب، وما قد يحدث في الفئران ليس بالضرورة حدوثه داخل جسم الإنسان، لكنها تفيد مستقبلًا بعد تطبيق ذلك على الإنسان، وإثبات فاعلية هذه الآلية ودورها في تنشيط الخلايا المناعية.

كيف يحارب جهاز المناعة الغزاة؟

وأشار عزيز إلى أن هناك عوامل يجب ذكرها قبل رصد الدور المركزي للجهاز العصبي في التأثير على المناعة، أولها أنّ خلايا المناعة ذات قدرة عالية على الاتصال عن طريق عدد كبير من الـ(interleukin)، وهي مركبات كيميائيّة تفرزها وتستقبلها الخلايا وتقوم بترجمة كلٍّ منها إلى ردود أفعال مختلفة، فبعض هذه الكيماويات يحفز الخلايا وبعضها يثبطها، وبعضها ذو تأثير متباين وفق نوع الخلية ومرحلة نموها.

وثاني العوامل -وفق عزيز- أنّ خلايا المناعة من أكثر خلايا جسم الإنسان تنوُّعًا وقدرةً على التغيّر السريع. وبطبيعة الحال يحافظ معظم أعضاء الجسد على هويّته الچينيّة، وإذا ما حدثت طفرات ففي أغلب الأمر تسبب أنواعًا من الأورام إذا لم يتخلص الجسم منها. إلا أنّه في حالة خلايا المناعة فالطفرات مستحبة والتنوّع حميد؛ إذ هو السلاح الأكبر للجسم البشري للتكيّف والتعامل مع كل أنواع الـ"غزاة".

وغاية الأمر أنّ الخلايا المناعيّة ذات طابع خاص بين خلايا الجسم، ولها نوع من الاستقلاليّة أكبر من غيرها من الخلايا، كما أنّ معظمها يعيش بطريقة تشابه الخلايا الأحاديّة (على عكس بقيّة خلايا الجسم التي تلتحم في أنسجة وأعضاء). وأكثر الأمثلة وضوحًا هي الخلايا الضامة (macrophages) والتي تشبه طفيليات الأميبا إلى حد كبير.

فيما أشار خالد أبو شنب، إلى أن هناك آليات كثيرة لأداء الجهاز المناعي، التي تعتمد على خطي دفاع: أولي طبيعي، وخط دفاع ثانوي (المناعة المكتسبة)، وكل خط دفاع له الخلايا المناعية والأسلحة الخاصة به.

وأضاف أن الخلايا المناعية تتعرف على الميكروب عن طريق بعض المستقبِلات الموجودة على سطحها، ثم تقوم خلايا الجهاز المناعي الأولى بالتعامل معه والتخلُّص منه، وإذا فشل يتم إرسال إشارات عن طريق بعض الخلايا الأخرى إلى خلايا المناعة الثانوية لتقوم بالتعامل معه، وعند ذلك تحدث استجابة مناعية، إما خلوية أو معتمدة على إفراز الأجسام المضادة، أو كلاهما معًا، ليتم التخلص من الميكروب، وإذا فشل ذلك قد تحدث الوفاة من العدوى.

مقاومة المضادات الحيويّة

واعتبر عزيز أن مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية على رأس أولويات العلماء، إذ إن سهولة الحصول على المضادات الحيوية تتسبب في إساءة استخدامها، كما أنها توصف أحيانًا لحالات لا تحتاج علاجًا بالمضادات الحيويّة، كأدوار الإنفلونزا.

لكن في الوقت ذاته، يرى عزيز بعض المبالغة في الخوف من نضوب المضادات الحيويّة وفقدانها لفاعليتها. فالمضادات الحيويّة في الأصل هي مواد تنتجها الميكروبات المختلفة من بكتيريا وفطريات كأسلحة تساعدها في صراعها من أجل البقاء وحفظ النوع. وأضاف: لكن الأزمة بالطبع هي أن الإفراط في استخدام مضاد حيويّ معيّن يؤدي إلى القضاء على جميع الميكروبات التي قد تتأثر به، وبالتالي تبقى الميكروبات المقاوِمة فقط وتنتشر بطبيعة الحال، في الوقت نفسه تزداد كلفة اكتشاف مضادات حيوية جديدة وضمان كونها فعالة وآمنة للاستخدام البشريّ، مما صرف الكثير من الشركات الكبرى عن الاهتمام باكتشاف جزيئات جديدة.

ونوه عزيز إلى أن العمل يجري على قدم وساق -خصوصًا في الجامعات ومراكز البحوث- لاكتشاف جزيئات جديدة للقضاء على البكتيريا الضارة، ومصادر الاكتشاف كثيرة سواء أكانت في قاع البحار أو الصحاري أو النباتات الطبية، كذلك قد تزداد سرعة الاكتشاف كثيرًا في الأعوام القادمة نتيجة التطور التكنولوچي الهائل وتمكُّن العلماء من قراءة الشفرات الوراثية بالكامل بتكلفة تتضاءل باستمرار.