"لنبقَ أقوياء"، مقولةٌ سارع أهالي مدينة "كرايست تشيرش" النيوزيلندية بكتابتها على جدران مسجدي "النور" و"لينوود"، اللذَين تحولا إلى "مسرح مفتوح" لفاجعة إرهابية استيقظ العالم على أصدائها صبيحة يوم "الجمعة"، 15 مارس، أزهقت فيها أرواح 50 مسلمًا، على يد الأسترالي الإرهابي المتطرف "برنتون تارانت"، في أثناء تأديتهم الصلاة.

تعمَّد "تارانت" قبل تنفيذ عمليته الإرهابية نشر مقطع فيديو يستمع خلاله لأغنيات تتضمن عبارات مثل "أنا إله الجحيم"؛ بهدف التحريض على ارتكاب مزيد من العنف والعدائية.

وفي المقابل، حاول سكان نيوزيلندا، التي اشتهرت باسم "أرض السحابة البيضاء الطويلة"، من خلال مقولة "لنبقَ أقوياء" الحفاظ على جزء أصيل من ثقافة "قبول الآخر"، التي طالما تغنوا بها في بلد لا هي "شرق أوسطية" اكتوت بنيران تنظيمات على شاكلة "القاعدة وداعش" وأخواتهما، ولا هي أرض خصبة لمنظمات مثل "كو كلوكس كلان" و"كهنوت فينياس" والتي تتبنى خطابات عنصريّة تقوم على فكرة "إقامة أمة مسيحية مكونة من أصحاب البشرة البيضاء فقط".

ومن هنا تأتي أهمية الدراسات التي نشرها موقع "للعلم"، والتي طالما تعاملت مع الإرهاب باعتباره قضيةً تخضع لقوانين العلم، وليس فقط كقضية ثقافية أو عرقية أو دينية، مشددةً على أن "الإرهاب -الذي طالما وصفته الأدبيات العالمية بـأنه لا دين ولا وطن ولا عرق له- يحتاج إلى دراسة أكثر رحابةً وأكبر عمقًا".

يكشف تقرير نشره الزميل "محمد أبو زيد" تحت عنوان "التصوير بالرنين المغناطيسي" أسرار التطرف، ويُرجعها إلى علاقة بين نشاط جزء من المخ يسمى "التلفيف الجبهي السفلي" وميول البعض إلى ارتكاب عمليات إرهابية دفاعًا عما يرون أنه "قيم مقدسة".

وأوضحت الدراسة، التي أجراها فريق من الباحثين في جامعتي "لندن كوليدج" و"برشلونة المستقلة" وعدة معاهد أمريكية وأوروبية، أن هذا الجزء من المخ -وهو المسؤول عن استرجاع القيم المقدسة- ينشط حينما يتعرض الشخص لتهميش اجتماعي.

وينقل "أبو زيد" عن الباحث الرئيسي في الدراسة قوله: "إن نشاط "التلفيف الجبهي السفلي" يمكن رصده عند تعرُّض صاحبه للتهميش والإقصاء الاجتماعي باستخدام تقنيات التصوير العصبي وأشعة الرنين المغناطيسي"، مشددًا على أن "التأثير العصبي للإقصاء يساعد على تحوُّل قضايا لم يكن الفرد يعتبرها قابلةً للانتهاك في وقت سابق، إلى قضايا مقدسة تستحق القتال من أجلها، ما قد يدفع الشخص إلى الانخراط في تنظيمات إرهابية".

في المقابل، تناول الزميل "تامر الهلالي" دراسة أجراها فريق من الباحثين الأمريكيين ورفضوا من خلالها التسليم بالافتراضات القائلة بأن البشر ينضمون للجماعات والتنظيمات الإرهابية ويحاربون ويقتلون نتيجة اضطرابات عقلية أو لتعرُّضهم لغسيل أدمغة على يد تلك التنظيمات، أو نتيجةً لمحاولات تجنيد بارعة من التنظيمات الإرهابية.

وأوضح "الهلالي" في تقرير حمل عنوان "القيَم المقدسة قد تحول الأشخاص العاديين لإرهابيين" أن هناك أسبابًا أخرى قد تدفع الأشخاص إلى الانخراط في تنظيمات إرهابية، مثل قناعاتهم بأن الانضمام إلى تلك التنظيمات يمثل التزامًا بالقيم المقدسة، وكذلك بحثهم عن الاندماج في هوية اجتماعية تعطي لحياتهم معنى، حتى إن عددًا كبيرًا منهم يتصلون بالإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي لتكوين مجتمع عالمي من الشباب المستعدين لتقديم تضحيات كبرى؛ إذ تتفاعل هذه العناصر عند تعرُّض قيَمهم المقدسة أو جماعتهم لأي خطر، ما يخلق لديهم "عزيمة الانغماسيين" المستعدين للتضحية بالنفس من أجل رفقاء القتال.

وكشفت الدراسة عن ثلاثة عوامل حاسمة تدفع الشخص باتجاه الانضمام إلى تنظيمات إرهابية، وهي: الالتزام بالقيم المقدسة غير القابلة للتفاوض، والاستعداد للتخلي عن الأهل والأصدقاء من أجل الانضمام إلى جماعات أخرى متشابهة في الأفكار، والإيمان بأن القوة الروحية التي تربط بين الجماعات ذات الأفكار المتشابهة أكثر أهميةً من عوامل القوة المادية في مواجهة الأعداء.

كما أعد "الهلالي" أيضًا تقريرًا حمل عنوان "نظرية جديدة ترصد الدوافع الأخلاقية للسلوك الإرهابي"، تناول خلاله دراسة أمريكية اعتمدت على تحليل بيانات ومعلومات 143 منظمة إرهابية استهدفت الولايات المتحدة الأمريكية بهجمات عنيفة منذ 1970.

وأوضحت الدراسة أن هناك خمسة مبررات أخلاقية تعتمد عليها تلك التنظيمات، وهي "الرعاية ومواجهة الضرر" التي تتعلق بالشفقة والاهتمام برفاهية الآخرين حتى لو كان حيوانًا، وتحقيق "العدالة" التي تتعلق بالمعاملة بالمثل والإنصاف والمساواة، و"الولاء للمجموعة" الذي يختص بمشاعر التضامن تجاه مجموعة محددة، والتصدي لأي مجموعات أخرى خارجة عنها، و"احترام السلطة والتقاليد" الذي يرتبط باحترام القادة المحبوبين والتقاليد الجماعية، وتحقيق "النقاء والقدسية" الذي يرتبط بالرغبة في تجنُّب السلوكيات الاجتماعية الفاسدة والتمسُّك بالعقائد النقية، خاصةً فيما يتعلق بالدين والمقدسات.

كما شدد تقرير آخر نشره "للعلم" على ضرورة التفرقة بين التطرف في الرأي والتطرف في الفعل، موضحًا أن الخلط بين النسقين يضر ضررًا بالغًا بمعالجة ظاهرتي التطرف والإرهاب، وقد يؤدي إلى تزايُد وتيرة العنف والإرهاب من جَرَّاء توجيه إجراءات مكافحته في صورة عقاب جماعي لأفراد أو جماعات لمجرد انتمائهم إلى فكر أو عقيدة معينة.

وتحت عنوان "التهميش والحرمان أقوى دوافع التطرف"، قدم الزميلان "خالد سعيد" و"بثينة صلاح" قراءة لدراسة أعدها "برنامج الأمم المتحدة الإنمائي"، وأجرى خلالها مقابلات مباشرة مع 495 شخصًا انضموا طواعيةً إلى الجماعات المتطرفة العنيفة؛ إذ أكدت الدراسة، التي امتدت لعامين، أنّ "تلقِّي الشخص لـ6 سنوات من التعليم الديني كفيل بأن يمثِّل حائطَ صدٍّ أمام محاولات التجنيد الإرهابية".

كما نشر موقع "للعلم" ترجمة لمقال في مجلة "ساينتفك أمريكان"، تناول جلسةً عقدها الكونجرس الأمريكي في إبريل من العام الماضي لاستجواب "مارك زكربيرج"، مؤسس شركة "فيسبوك" ورئيسها التنفيذي، حول سياسات الخصوصية في شركته وعجزها الظاهر عن منع سوء استخدام منصة التواصل الاجتماعي الخاصة بها من بعض الجهات التي تبث الكراهية أو الإرهاب أو تروِّج للدعاية السياسية.

ونقل المقال عن منظمة "مشروع مكافحة التطرف" (CEP) غير الحكومية وغير الربحية، والتي تراقب أنشطة الجماعات الإرهابية وتبلغ عنها، قولها: "إن مزاعم فيسبوك بأن خوارزميات الذكاء الاصطناعي في فيسبوك نجحت بالفعل في العثور على 99 في المئة من منشورات الدعاية والتجنيد الإرهابية التي كان يبثها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا غير صحيحة"، مشددةً على أنها لا تزال تجد "أمثلة للمحتوى المتطرف وخطاب الكراهية على فيسبوك، بصورة منتظمة".

وحذر التقرير من خطورة استخدام التنظيمات الإرهابية لمنصات التواصل الاجتماعي، فيما بات يُعرف بـ"الإرهاب السيبراني"، وهو ما ألمح إليه "تارنت" من خلال بث حي نشره على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" لحث الناس على متابعة قناة "بيو دي باي"، في إشارة إلى قناة يديرها المدون السويدي "فيليكس أرفيد" على موقع "يوتيوب".

لكن "أرفيد" سارع باستخدام منصة التواصل الاجتماعي "تويتر" للتبرؤ من وجود أي علاقة تربطه بالإرهابي "تارنت"، مضيفًا في تغريدة له: "سمعت للتو التقارير المروعة من كرايست تشيرش في نيوزيلندا. أشعر بالاشمئزاز الشديد لكون ذلك الرجل نطق اسمي. قلبي وعقلي مع الضحايا وعائلاتهم، وجميع مَن تأثروا بهذه المأساة".