تتعرف أجزاء معينة من الدماغ على الإشارات المعقدة في الأصوات البشرية التي لا تتضمن الكلام، مثل البكاء أو السعال أو اللهاث، وفق دراسة أجراها باحثون من جامعة "بيتسبرج" الأمريكية.

وأظهر الباحثون في الدراسة التي نشرتها دورية "بلوس بيولوجي" (PLOS Biology) أن هناك منطقتين من القشرة السمعية مخصصتين للتعرف على أصوات الإنسان التي لا تحمل معنىً لغويًّا، وأن "التعرف على تلك الأصوات يساعد في الاستجابة للإشارات الصوتية التي تتيح للأشخاص تبيُّن خصائص الشخص الذي يتحدث على الفور، مثل الجنس والعمر التقريبي والمزاج وحتى الطول، دون الحاجة إلى رؤية الشخص ذاته.

يقول "تايلور أبيل"، أستاذ جراحة الأعصاب والهندسة الحيوية المساعد بكلية الطب بجامعة بيتسبرج، والمؤلف الرئيسي للدراسة: إن الدماغ لديه مناطق متخصصة مسؤولة عن "إدراك الصوت"، مشيرًا في تصريحات لـ"للعلم" إلى أن "الباحثين استخدموا تسجيلات الدماغ المباشرة في مرضى الصرع ليُظهروا أن هذه المناطق مدفوعةٌ بقوة بالصوت، وأن الخلايا العصبية في هذه المنطقة يتم ضبطها للاستجابة للصوت حتى في غياب الكلام".

وتوضح الدراسة أن "إدراك الصوت مشابهٌ لكيفية التعرف على الوجوه المختلفة؛ فالأصوات التي لا تتضمن الكلام –مثل بكاء الطفل أو السعال أو الأنين أو التعجب- تتيح لنا الحصول على الكثير من المعلومات حول الشخص الذي يصدر هذه الأصوات في غياب معلوماتٍ أخرى عنه".

يعيش البشر في عالم مليء بالأصوات، حيث تمثل الضوضاء من البيئة تفاعلاتنا اليومية مع محيطنا والأشخاص الآخرين، وعلى الرغم من أن الكلام هو أحد الجوانب الفريدة للتواصل البشري الذي لا يحتوي على نظائر مباشرة في عالم الحيوان، فإن البشر لا يعتمدون على الكلام وحده لنقل المعلومات السمعية.

تؤدي الجوانب غير الكلامية في الصوت دورًا حيويًّا في أدوات الاتصال لدى البشر، مما يوسِّع من قدرة الإنسان على التعبير عن نفسه بدقة وديناميكية، وجزءٌ من هذا التعبير هو اللاوعي، وجزءٌ منه قد يتم تعديله عن قصد من قِبل المتحدث لنقل مجموعة واسعة من المشاعر، مثل السعادة أو الخوف أو الاشمئزاز.

ويولد البشر ولديهم القدرة على التعرُّف على الصوت، في الواقع، يمكن للأطفال التعرف على أصوات أمهاتهم في أثناء وجودهم في الرحم، وهذه القدرة ديناميكية، وتستمر في التطور طوال فترة المراهقة.

لتحديد مناطق الدماغ المسؤولة عن حدوث النوبات لدى بعض الأشخاص المصابين بالصرع، قد يزرع جراحو الأعصاب أقطابًا كهربائيةً مؤقتة في الدماغ لتسجيل إشاراته الكهربائية بعناية، وتتيح هذه الممارسة للأطباء تحديد موقع النوبة بدقة وإزالة ذلك الجزء من الدماغ جراحيًّا في نهاية المطاف، مع الحفاظ على الأنسجة السليمة المحيطة.

حصل الباحثون على موافقة ثمانية مرضى مصابين بالصرع على المشاركة في الدراسة؛ إذ استخدم "أبيل" وفريقه الأقطاب الكهربائية المزروعة في الدماغ لقياس مناطق القشرة السمعية التي تستجيب عندما يتم تقديم مجموعة من الأصوات -همهمات وصراخ وضحكات- للمرضى.

وجد الباحثون أن معظم هذا النشاط جاء من منطقتين في القشرة السمعية، هما المادة الرمادية في الدماغ المعروفة باسم التلفيف الصدغي العلوي والتلم الصدغي العلوي، في حين أظهرت دراسات تصوير الدماغ السابقة أن هاتين المنطقتين مهمتان لمعالجة الصوت، وأن هذه المناطق تمثل الصوت باعتباره فئةً صوتيةً مميزةً بدلًا من تمثيل الجوانب المادية أو الصوتية للصوت.

يقول "أبيل": بدأت الدراسة قبل ثلاث سنوات، وافترض الفريق البحثي الرئيسي أن الدماغ لديه خلايا عصبية ومجموعات عصبية متخصصة في إدراك الأصوات والتعرف عليها، اعتقدنا أيضًا أنه في حالة وجود مناطق الدماغ هذه كما هو مدعوم بقوة من دراسات الرنين المغناطيسي الوظيفي يمكننا وصف استجاباتها بطريقة أكثر تفصيلًا بكثير باستخدام تسجيلات الدماغ المباشرة، وهكذا بدأت في مطالبة مرضاي بالمشاركة في هذا العمل الذي كان بداية الدراسة، وتقدم النتائج التي توصلنا إليها دليلًا جديدًا على طبيعة تمثيل الصوت داخل مناطق مُحددة في الدماغ.

ويضيف: لا يزال هناك العديد من الأسئلة التي لم تتوافر الإجابة عنها، لكن فهم هذه المناطق يمكن أن يساعدنا في فهم تغيير إدراك الصوت في حالات مثل التوحد أو الفصام، وعلاوة على ذلك، يرتبط العديد من مشكلات جودة الحياة المتعلقة بفقدان السمع على وجه التحديد بنظام الإدراك الصوتي هذا، وهو أمرٌ ستساعد الدراسة على فهمه بصورة أفضل.