عبر ملايين السنين، فتنت الأوهام البصرية (والتي يُعتبر الخداع البصري أحد أشهر أنواعها) البشر، وحاول علماء مشهورون مثل أفلاطون وابن الهيثم دراستها لمعرفة الطريقة التي يعمل بها الدماغ، ومدى التوافق بين الإدراك والواقع.

أظهرت دراسة نشرتها دورية "جورنال نيوروساينس" (Journal of Neuroscience)، مساء أمس "الإثنين"، 18 فبراير، أن الدماغ يتعامل مع الأوهام البصرية كحقائق، ويعالجها في المجموعات العصبية نفسها التي تُعالج الصور الحقيقية، لكنه يدرك أنها مجرد أوهام "متأخرًا" ببضعة أجزاء من الثانية.

قام الباحثون بقياس نشاط العصبونات عند قِرَدة "المكّاك" في أثناء تعرُّضها لصورة من صور الخداع البصري الشهيرة؛ إذ عرضوا على القردة صورة ثابتة لحلقات يبدو وكأنها تدور في اتجاه عقارب الساعة حين يقترب القرد منها، بينما تدور عكس عقارب الساعة حين يتحرك القرد بعيدًا عنها.

توضح الدراسة أن الباحثين حددوا مجموعةً من الخلايا العصبية تنشط في الدماغ البشري حين يتعرض للخداع البصري، وزرعوا أقطابًا داخل أدمغة القردة لتسجيل نشاط الخلايا العصبية الفردية في الأماكن نفسها التي تنشط عند البشر، لإسقاط النتائج على البشر أيضًا، مضيفةً أن "البشر والقردة يتفاعلون مع الوهم البصري بالطريقة نفسها".

ووجد الباحثون أن الخلايا التي تنشط بفعل الحركة الخادعة للصورة الثابتة تتأخر قليلًا في استجابتها، إذ تتأخر بنحو 15 مللي ثانية، وأن تلك الأجزاء الصغيرة من الوقت هي التي يستغرقها الدماغ في تسجيل الحركة الوهمية كما لو كانت حقيقية.

يقول "وي وانج" –الباحث في معهد علم الأعصاب التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، والمشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة تساعد في تقديم رؤى أعمق حول كيفية عمل أدمغتنا، والنتائج التي توصلنا إليها يُمكن أن تكون مُشابهة للغاية للطريقة التي تعمل بها أدمغة البشر حال التعرض للخداع البصري".

ويضيف "وانج" أن "الدراسة تُعد دعمًا معاصرًا على المستوى العصبي للفكرة التي ذكرها العالم التشيكي "جان بركنجي"، الذي قال قبل 150 عامًا: "إن الأوهام تحتوي على الحقيقة البصرية".

يؤكد الباحثون، في دراستهم التي استغرقت 7 سنوات، أنه "لا توجد فروقات كبيرة بين الأوهام والحقائق بالنسبة للدماغ، إلا فيما يتعلق بتوقيت مُعالجتها، فباستثناء التأخير البسيط، لا يُمكن لدماغ الإنسان إدراك الفرق بين الخداع البصري والحقيقة، فكلاهما يتدفق بالصورة نفسها عبر الخلايا العصبية، وتلك هي الطريقة التي تخدعنا بها أدمغتنا، على حد وصف "وانج".

يقول "وانج": نسعى في خطوتنا التالية إلى استخدام تقنيات تصوير متطورة جديدة، تعتمد على تتبُّع النشاط العصبي عبر حقن الدماغ بجزيئات نانوية تومض في حالة حدوث نشاط عصبي، وذلك الأمر من شأنه أن يؤكد النتائج التي توصلنا إليها، والتي من شأنها الربط بين استجابتنا العصبية وفهمنا الواعي لكل ما هو حقيقة أو خيال.