يمكن للشعور بالألم أن يتفاقم بشدة وينتشر إلى مناطق أخرى من الجسم في حالة الأشخاص الذين يعانون اضطرابات الألم المزمنة. على سبيل المثال، غالبًا ما يشعر المرضى الذين يصابون بآلام مزمنة عقب إجراء جراحة ما بأن الألم يأتي من المنطقة المحيطة بالجرح الأولي، بل وحتى في بعض أجزاء الجسم البعيدة عن منشأ الألم. وثمة أدلَّةٌ جديدة تشير إلى أن الخلايا الدبقية -وهي خلايا غير عصبية في الدماغ- قد تكون السبب وراء هذا التأثير.

كان يُظَن في السابق أن الخلايا الدبقية هي ببساطة خلايا سلبية، مجرد خلايا داعمة للخلايا العصبية. لكن بات العلماء يعرفون اليوم أنها تشترك في كل العمليات تقريبًا، بدءًا من الأيض إلى أمراض التنكس العصبي. وثمة أدلة متزايدة تشير إلى دورها الرئيسي في الشعور بالألم، ففي دراسة نُشرت يوم 11 نوفمبر في دورية "ساينس" Science، أفاد باحثون من جامعة فيينا الطبية أن الخلايا الدبقية لها علاقة بالتعزيز طويل الأمد (LTP)، أو تقوية المشابك العصبية، في المسارات العصبية للألم بالحبل الشوكي.

قَدَّمَ عالِما الأعصاب تيموثي بليس، وتيريا لومو في سبعينيات القرن الماضي، أوَّلَ وصفٍ للتعزيز طويل الأمد في الحُصَيْن، وهو المنطقة الدماغية المرتبطة بالذاكرة. ومنذ ذلك الوقت يعكفُ العلماء على الدراسة الدقيقة للدور الذي يؤديه هذا النوع من مرونة المشابك العصبية –أي قدرة المشابك العصبية على التغير من حيث القوة– في عمليات التعلم والذاكرة. وحديثًا اكتشف الباحثون أن التعزيز طويل الأمد يمكن أيضًا أن يزيد الألم في المناطق التي تحدث فيها الجروح أو الالتهابات. يقول يورجن ساندكولر -عالِم الأعصاب بجامعة فيينا الطبية، وأحد أعضاء فريق الدراسة-: "نطلق على هذا أحيانًا اسم "أثر الألم في الذاكرة"؛ لأن الجرح المؤلم قد يؤدي إلى حساسية مفرطة بعد ذلك للمثيرات المؤلمة، وقد كان واضحًا أن مرونة المشابك العصبية يمكن أن تؤدي دورًا هنا". لكن النماذج الحالية لكيفية عمل التعزيز طويل الأمد -وفقًا لما يقول ساندكولر- لم تستطع تفسير لماذا يستشري ذلك الشعور المزعج في بعض الأحيان أو ينتقل إلى مناطق لم يشعر فيها الشخص بألمٍ من قبل.

هناك شكلان من التعزيز طويل الأمد: في الأول، يجري تعزيز المشابك العصبية عندما ترسل أو "تطلق" خليتان عصبيتان إشاراتٍ في أوقات متقاربة. أما الشكل الآخر، والذي كان يُظَن لوقتٍ طويل أنه يعتمد على الشكل الأول، فيحدث عندما يؤدي النشاط في دائرة عصبية إلى تعزيز الوصلات في المسارات العصبية القريبة غير النشطة. وفي دراستهم الأخيرة، يُبَيِّن ساندكولر وزملاؤه أن هذين الشكلين من التعزيز يمكن، بمساعدة الخلايا الدبقية، أن يَحدُثا كلٌّ بمعزلٍ عن الآخر.

ولاختبار دور الخلايا الدبقية في الدوائر العصبية للألم، أجرى الباحثون سلسلة من التجارب على شرائح من الحبل الشوكي للفئران، وعلى فئران حية، ووجدوا أنهم يستطيعون إثارة النوعين من التعزيز طويل الأمد بين خليتين عصبيتين لهما صلة بالألم –حتى في غياب إحداهما عن الأخرى– من خلال تنشيط نوعين من الخلايا الدبقية، هما الخلايا الدبقية الصغيرة والخلايا النجمية. وفي تجربة أساسية، عمل الباحثون على إثارة التعزيز طويل الأمد في أحد الفئران، ثم نقلوا السائل الشوكي منه إلى فأر آخر، ووجدوا أن ذلك أدى إلى تحفيز التعزيز طويل الأمد في الحيوان الجديد. وكانت هذه النتائج بمنزلة دليل على أن الجزيئات التي أُطلقت من الخلايا الدبقية كانت قادرة على تَقْوِية المشابك العصبية بين الخلايا العصبية المرتبطة بالألم. وقد أشاد بهذه الدارسة عالم البيولوجيا العصبية رو-رونج جي، الذي يَدرس الألمَ في جامعة ديوك، والذي لم يكن ضمن فريق الدراسة، ولكنه أضاف: "سيكون من الجيد ربط هذه القياسات بالتغيرات السلوكية –بمعنى أن نرى أن الحيوان لا يظهر عليه فقط التعزيز طويل الأمد، وإنما يسلك أيضًا سلوكًا ينم عن ألم قوي أو مطول".

تعد الدراسة التي أجراها فريق ساندكولر أحدث إضافة للأدلة المتزايدة التي تشير إلى أن الخلايا الدبقية –والجزيئات التي تُطلقها هذه الخلايا– تؤدي دورًا في التعزيز طويل الأمد في الحبل الشوكي. غير أن هذه الدراسة أيضًا واحدة من أُولَيات الدراسات التي تقدم دليلًا على أن هذا التأثير يمكن أن يكون قابلًا للنقل عبر مسافات طويلة، رغم الحاجة إلى إجراء المزيد من الدراسات لتأكيد هذا الأمر. فعلى سبيل المثال، يجب أن تثبت إحدى التجارب أن التعزيز طويل الأمد يستطيع –بمساعدة الخلايا الدبقية– الانتشار على امتداد الحبل الشوكي لحيوان واحد؛ وهذا ما يعمل عليه ساندكولر وزملاؤه في الوقت الراهن. يقول إيف دي كونينك، وهو عالم أعصاب يدرس الانتقال المشبكي في جامعة لافال بمقاطعة كيبِك: "هذا البحث مثير للغاية؛ لأنه يمثل تحديًا لفكرة أن التعزيز طويل الأمد هو في الحقيقة شيء يخص مشبكًا عصبيًّا واحدًا، ويشير إلى وجود عملية أكبر وأكثر شمولًا". لكنه يتساءل رغم ذلك عما إذا كان التأثير المنتشر يعتمد على مستوى التنشيط العصبي، مشيرًا إلى أن الباحثين في هذه الدراسة استخدموا محفزًا كهربائيًّا قويًّا لتشغيل الخلايا العصبية المرتبطة بالألم وتنشيط الخلايا الدبقية. ويشير إلى أنه ربما يمكن لقدرٍ صغيرٍ من التنشيط أن يؤدي إلى تقوية مشابك عصبية بعينها، وأن يبدأ التأثير في الانتشار مع تزايُد التنشيط.

إن أهم ما تشير إليه هذه النتائج هو أن الجزيئات التي تنطلق من الخلايا الدبقية استجابةً لمثيرٍ مؤلمٍ يمكن أن تنتقل بعيدًا عن موضع الجرح، مما يؤدي إلى زيادة الحساسية للألم في أجزاء أخرى من الجسم. ويعتقد ساندكولر أيضًا أن الخلايا الدبقية يمكن أن تكون مشارِكة في آليات مشابهة في الدماغ، وهو ما قد يفسر أيضًا لماذا يكون للمرض البدني تأثيرات إدراكية. فيقول مين جاو، عالِم الأعصاب المتخصص في دراسة الألم بجامعة تورنتو والذي لم يشارك في الدراسة: "أعتقد أن أهمية هذه الدراسة تتمثل في أنها ستفتح أفقًا جديدًا للتفكير. فسنبدأ الآن في دراسة ما إذا كان ثمة آليات أخرى قد تُسهم في التغيرات العاطفية المرتبطة بالألم في الدماغ".