طرح جديد في علاج الأمراض العقلية والنفسية يفرض نفسه في الأوساط الطبية، يومًا بعد آخر، تكمن فكرته في استخدام التحفيز الكهربائي للدماغ في العلاج، كبديل أكثر فاعليةً من عمليات تثبيط الأعراض والسيطرة عليها باستخدام العقاقير، تمثل هذه التقنية ثورةً علاجيةً جديدة، تعتمد على تحفيز الخلايا العصبية في الدماغ باستخدام تيار كهربائي، ما يُعد نقلةً نوعيةً في مجال علاج الأمراض العقلية بالصدمات الكهربائية، الذي عرفه العالم قبل نحو 80 عامًا.

في دراسة تجريبية حديثة على البشر، توصل باحثون بكلية طب جامعة مينيسوتا ومستشفى ماساشوستس العام، إلى إمكانية تحسين وظائف عقلية محددة ذات صلة بالتحكم الذاتي والمرونة العقلية من خلال دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي مع التحفيز الكهربائي الموجه إلى الدماغ.

طبقت التقنية الجديدة على 12 مريضًا خضعوا لجراحة بالمخ بسبب مرض الصرع، ضمن خطوات الدراسة المنشورة  في دورية "نيتشر بايو ميديكال إنجينيرنج"، وذلك عبر تثبيت مئات الأقطاب الكهربائية الصغيرة في جميع أنحاء الدماغ لتسجيل نشاطه وتحديد مكان نشوء النوبات، وهو ما يُعرف بالتحفيز العميق للدماغ deep brain stimulation.

خلال تعاون مشترك بين أليك ويدج، أستاذ الطب النفسي المساعد ومهندس العلوم الحيوية بجامعة مينيسوتا، وسيدني كاش، أستاذ علم الأعصاب المساعد بكلية طب هارفارد والخبير في أبحاث الصرع، ودارين دورتي، أستاذ الطب النفسي المساعد بكلية طب هارفارد والخبير في التحفيز الإكلينيكي للدماغ، جرى اكتشاف منطقة بالدماغ تسمى "الكبسولة الداخلية"  internal capsule ينتج عن تحفيزها بجرعات بسيطة من الطاقة الكهربائية تحسُّن الوظيفة العقلية للمرضى، وتُعد هذه المنطقة مسؤولةً عن التحكم المعرفي، وهو عملية التحول من نمط أو سلوك فكري إلى آخر، وهو ما يمثل نقطة ضعف في معظم الأمراض العقلية، يضرب "ويدج" -المشرف على الدراسة- مثلًا بشخص مصاب بالاكتئاب لا يستطيع التحرر من الأفكار السلبية، وهي سمة أساسية في المرض العقلي، مما يتطلب إيجاد وسيلة لمساعدة هذا المريض.

طور الفريق البحثي خوارزميات حسابية تتيح تتبُّع قدرات المرضى عبر سلوكياتهم وما يأتون به من تصرفات أو عبر رصد نشاط المخ مباشرة، وانعكاس ذلك في عمليات التحكم المعرفي لدى المريض بعد تحفيز الدماغ، يقول "ويدج": "تقرأ هذه التقنية نشاط المخ، وتستخلص متى يواجه المريض مشكلة، فتعرض مخه لجرعة صغيرة من التحفيز الكهربائي لتساعده على تخطيها، وكلما كان أداء المرضى أسوأ في الاختبار المعملي للتحكم المعرفي، يُعطَون جرعات منشطة من التحفيز الكهربائي".

يشدد "ويدج" على أن هذه الدراسة هي الأولى من نوعها في إظهار إمكانية تحسين وظيفة عقلية محددة ذات صلة بالمرض النفسي باستخدام التحفيز الكهربائي الموجه للدماغ، كما أن خوارزمية الحلقة المغلقة المستخدمة كوحدة تحكم تحدد التوقيت (متى؟) والقوة (ما المقدار؟) أثبتت أن فاعلية التحفيز تكافئ ضعف الفاعلية لدى تعريض المريض لهذا العلاج بشكل عشوائي.     

أداة تحكم

ويشير البيان المصاحب للدراسة إلى أن بعض المرضى ممن شملتهم الدراسة كانوا يعانون من القلق الشديد إلى جانب الصرع، وعند تعريضهم للتحفيز المخصص لزيادة قدراتهم المعرفية، أكدوا تحسُّن القلق لديهم بصورة جعلتهم أكثر قدرةً على تحويل أفكارهم بعيدًا عن محنتهم والتركيز على ما يريدون، ولذا يرى الباحثون إمكانية استخدام هذه التقنية لعلاج المرضى الذين يعانون من قلق حاد ولا يستجيبون للدواء، وكذلك الاكتئاب وبعض الاضطرابات الأخرى.
تقول ضحى مصطفى الصيرفي، أستاذ الطب النفسي بكلية طب عين شمس: إن تعدد عوامل التحكم في الدراسة يضعفها، وإن عينة البحث صغيرة للجزم بأهمية هذا النوع من العلاج وهو التحفيز العميق للمخ، وهي عملية يُجريها جراحو المخ والأعصاب، وتصلح لمرضى الصرع والحالات الخطيرة للوسواس القهري.

في حين تؤكد نتائج الدراسة أن عجز التحكم المعرفي شائعٌ عبر الاضطرابات النفسية، التي تتضمن الاكتئاب والإدمان والفصام واضطراب الوسواس القهري، وبذلك تمهد هذه النتائج لنهج جديد في علاج الأمراض العقلية، فبدلًا من تثبيط الأعراض، يمكن منح المريض أداةً للتحكم في عقولهم وكأن المريض في مقعد القيادة ويشعر بقدرته على السيطرة على الأمور.

ويتفق محمد رضا الفقي -أستاذ ومستشار الطب النفسي والأعصاب بالأكاديمية الطبية العسكرية- مع ما جاء في الدراسة بأنها أكثر أمانًا وتُحسِّن من قدرات الإنسان الذهنية، وهو ما خلُصت إليه دراسات أخرى سابقة، وفق قوله.

في حين يرى وحيد محمد أحمد -استشاري الطب النفسي بالقوات المسلحة- أن البحث يُعد نظرةً مستقبليةً لما يمكن أن يكون عليه التنبيه الكهربائي لبعض الأماكن المتخصصة في المخ الخاصة بالعاطفة والمشاعر والتفكير والتخطيط، ولكنه ما زال في إطار بحثي، والمقترح العمل على تحويل الفكرة إلى منظومة هندسية عملية تطبق هذه الفعاليات إلى وسائل علاجية تخفف من معاناة هؤلاء المرضى.

ويستعد الفريق البحثي حاليًّا لإجراء تجارب سريرية، خاصةً في ظل موافقة إدارة الأغذية والأدوية الأمريكية (FDA) على استخدام التحفيز العميق للدماغ، وبمجرد اعتماد التجربة السريرية، يمكن الإسراع بتطبيق هذا النهج العلاجي، ويقول "دورتي" إن التجارب السريرية ستتيح لنا إثبات فاعلية هذا الأسلوب العلاجي، ما يؤهل لمساعدة المرضى الذين لا يستجيبون للعلاج التقليدي ويحتاجون بشدة إلى تدخلات إضافية من نوع آخر.

ضبط إيقاع المخ

في العقد الماضي، أظهرت مئات الدراسات أنّ التحفيز الكهربائي عمومًا يؤثر على المزاج والإدراك والحركة، وتتعدد أنواع التحفيز المستخدم في العلاجات النفسية ومنها التنبيه المغناطيسي للدماغ (Transmagnetic brain stimulation) الذي يؤثر على خلايا المخ لتنشيط المنطقة المستهدفة في الدماغ ولا يحتاج إلى تخدير كلي بل يبقى المريض مستيقظًا وبكامل وعيه، وجلساته متعددة ولكن تأثيره ضعيف نسبيًّا، ويشير "الفقي" إلى وجود أجهزة (TMS) في أماكن محدودة في مصر، وتخضع له حالات قليلة، وما زالت تُجرى أبحاث مصرية حول هذا الأسلوب العلاجي الذي اعتمدته إدارة الغذاء والدواء الأمريكية عام 2003.

أما  الأكثر شيوعًا فهي جلسات ضبط إيقاع المخ أو الصدمة الكهربائية electro  convulsive therapy وفيها يُصدر الجهاز إشارات إلى خلايا المخ لحثها على خلق بؤر صرعية غير مرئية تحت تأثير التخدير الكلي، وقد اكتشف الأطباء أن المرضى المصابين بالهلاوس والضلالات والوسواس القهري الذين لم يُظهروا استجابة للعلاج الدوائي أو كانت حالاتهم تتسم بالخطورة الشديدة، تحسنت الأعراض لديهم بدرجة كبيرة أو زالت بعد جلسة العلاج، وبالبحث وجدوا أن النشاط الكهربائي الناتج عن حدوث البؤرة الصرعية يعيد تنظيم توازن المواد الكيميائية بالمخ المتسببة في ظهور الأعراض التي يعاني منها المريض.

وتقول "الصيرفي" إن الكورس العلاجي من 6 إلى 12 جلسة بمعدل 3 جلسات أسبوعيًّا، ويتم تحضير المريض قبلها مثل أي عملية، وتأتي بنتائج جيدة جدًّا في حالات الاكتئاب الشديد والميول الانتحارية والفصام الكتاتوني، وهو أحد أنواع الفصام شديدة الخطورة التي تنتج عن اضطراب كبير في المواد الكيميائية بالمخ، وتضيف أن الفيصل هنا هو التشخيص السليم واختيار المريض المناسب الذي يستفيد من الوسيلة العلاجية وفقًا لمعايير طبية دولية، ما يضمن فاعلية العلاج والاستجابة السريعة للمريض وتحسُّن الحالة بدرجة كبيرة قد تتجاوز80%، ما يمكِّنه من ممارسة حياته الطبيعية.

تشير دراسة أجراها باحثون في كلية طب جامعة ستانفورد ونُشرت في أبريل 2020 في المجلة الأمريكية لعلم النفس إلى أن التحفيز المغناطيسي للمخ أدى الى تخفيف حدة الاكتئاب لدى 90% من المشاركين (19 مريضًا) واختفاء الميول الانتحارية لدى الجميع (21 مريضًا) بعد أن فشلت العقاقير في علاجهم، وهذا النوع من العلاج الذي يطلق عليه "SAINT" معتمد من إدارة الأغذية والأدوية  لعلاج الاكتئاب، وقد اقتصرت الآثار الجانبية لهذا العلاج على التعب وبعض الانزعاج في أثناء التجربة.

وأشارت دراسة أخرى نُشرت في دورية "نيتشر ميديسن" في يناير الماضي إلى نجاح التحفيز الكهربائي عالي التردد (غير الجراحي) في تحسين حالات الوسواس القهري، وهو مرض يعاني منه نحو مليار شخص في جميع أنحاء العالم، في حين أن العلاجات التقليدية غير فعالة ونتائجها مخيبة للآمال، وتكون مصحوبةً بآثار جانبية.

ووفقًا لدراسات أخرى، فقد تبين أن تحديد خرائط الدماغ الخاصة بكل مريض تمنحه فرصةً أفضل للاستجابة للعلاج بالتحفيز الكهربائي، وقد ظهر ذلك في حالات الشلل الرعاش والحالات العصبية الأخرى.

وصمة العلاج النفسي

وتشير "الصيرفي" إلى أهمية إزالة وصمة الطب النفسي التي بدأت بالمخاوف من العلاج بالصدمات الكهربائية والإيحاء بأن المريض يتعرض لنوع من من التعذيب وأنه يصاب بالتشنج، وهي صورة صدرتها الدراما في الماضى، ولكن في الوقت الحالي ومع تطور الأجهزة الطبية أصبح المريض لا يشعر تمامًا بهذه الجلسة، حتى إنها لا تسجل في ذاكرته؛ إذ يتم تخدير المريض لمدة عشر دقائق فقط مع إعطائه عقارًا باسطًا للعضلات وعقارًا لتنظيم التنفس ووظيفة القلب؛ لإحداث البؤرة الصرعية التي لا تظهر بأي صورة من الصور، فهو لا يصاب بالتشنج ولكن تُكتشف البؤرة فقط من خلال رصدها بجهاز رسم المخ المتصل بالمريض، ويؤدي هذا العلاج إلى نتائج مبهرة، وهذا دليل على أن المرض النفسي ليس مرضًا وهميًّا أو روحانيًّا، ولكن له أساسًا بيولوجيًّا مثل أي مرض عضوي مزمن مثل الضغط أو السكري.

 ويؤكد "الفقي" أن نسب الأمراض العقلية والنفسية في الدراسات المحلية تتوافق مع النسب العالمية، فالرُّهاب الاجتماعي  social phobiaيتراوح ما بين 10% إلى 13%، والاكتئاب ما بين 15% إلى 25%، وفي الماضي، كان معدل إصابة المرأة بالاكتئاب ضعف معدل إصابة الرجل، أما الآن فإن نسب الإصابة بينهما أصبحت متقاربة، أما الشيزوفرينيا أو الفصام،  فيصاب به 1% من الناس وفقًا لنتائج دراسات عديدة، ويضيف أن المرض العقلي يؤثر على محتوى الفكر، فيظهر في صورة ضلالات أو أفكار خطأ ليس لها سند من الحقيقة والخطير أن يتصرف المريض على أساسها، كما يصاب البعض بهلاوس سمعية أو بصرية أو شمية أو حسية أو كلها مجتمعة بدرجات مختلفة، ويتسم السلوك الإنساني في هذه الحالة بالغرابة ولا يكون معتادًا أو نمطيًّا، وهناك احتمال لإصابة الشخص بالمرض العقلي والنفسي في وقت واحد، كما في حالات الاكتئاب مع وجود مظاهر ذهانية.

ويقول "الفقي" إن العلاج بالتحفيز الكهربائي أمر مستحدث على مستوى العالم وكذلك على المستوى المحلي، وقد أظهر نتائج جيدة في مصر في حالات الاكتئاب، ولكن التحسن يكون بنسبة محددة، فتتحسن حالة المريض النفسية والعقلية بهذه الجلسات، في حين أن الشفاء التام لم يُذكر، ولكنه تحسن كبير أقرب إلى التعافي، وقد يحتاج المريض إلى جلسات أخرى بعد فترة؛ فالأمراض العقلية والنفسية أمراض مزمنة، من الصعب أن يتحقق فيها الشفاء الكامل، ولكن الأطباء يعملون على تحسين نوعية حياة المريض ودحض الأعراض المرضية التي تعوقه عن الحياة الطبيعية، بحيث يصل إلى ما هو أقرب إلى الشخصية السوية، ولذا فهو يعتبر بديلًا آمنًا للعلاج الكهربائي المعتاد الذي يؤثر تدريجيًّا على القدرات المعرفية للإنسان ويضر بها، وكان المرضى يخافون من الخضوع له.