تناوُل كوب من القهوة، أو التقاط كُرة، أو الضغط على زر جهاز التحكم، أو اللعب مع حيوانك الأليف أو مداعبة صغيرك، أشياء يعتبرها معظم الأصحاء أمورًا مُسلمًا بها؛ فحين تتناول كوب الشاي، تستشعر وزنه ودرجة حرارته وتحاول التحكم فيه كي لا ينسكب، ويُمكن لمعظمنا فعل ذلك الأمر باستخدام حواسنا وأطرافنا التي تتكامل مع أدمغتنا بسهولة ويسر.

لكن تلك المهمة -السهلة والبسيطة- مُعقدة بشكل لا يُمكن تصديقه بالنسبة للأشخاص الذين فقدوا أطرافهم ويستخدمون عوضًا عنها أطرافًا اصطناعية؛ فالتكامل بين الدماغ والأطراف مفقود، ما يجعل التزامن بينهما شبهَ مستحيل.

لكن دراسة جديدة نشرتها دورية "ساينس" (Science) قد تُساعد في رتق الصدع بين الدماغ والطرف الاصطناعي، وتسهل المهمة المُعقدة لمستخدم ذلك الطرف، وهي المهمة التي نظنها نحن الأصحاء مضمونة النتائج سهلة الخطوات.

توضح "جينيفر كولينجر" -الأستاذ المساعد في قسم الطب الفيزيائي وإعادة التأهيل بجامعة بيتسبرج الأمريكية، ومؤلفة الدراسة- أن الفريق البحثي تمكَّن من تلقي ردود أفعال حسية دماغية استطاعت التحكم في ذراع روبوت يهدف إلى الإمساك بالأشياء ونقلها عبر استخدام "واجهة حاسوبية دماغية" مزروعة في قشرة الدماغ الحركية لأحد المتطوعين.

وواجهة الدماغ الحاسوبية هي إحدى التكنولوجيات المثيرة للجدل، والتي لم تكن تحظى بإجماع علمي قبل 10 سنوات فقط، وباستخدام تلك التكنولوجيا يستطيع فاقد الطرف أو المُصاب بالشلل استخدام الأجهزة التعويضية عن طريق نشاط الدماغ فقط؛ إذ تسمح تلك التكنولوجيا باستخدام أي جهاز عن طريق رصد الإشارات الدماغية باستخدام أقطاب كهربائية مزروعة سلفًا في الدماغ.

تقول "كولينجر" في تصريحات لـ"للعلم": هذا ما فعلناه بالضبط مع مُشاركنا المتطوع.

فالمشارك في الدراسة "ناثان كوبلاند" أصيب بشلل في ذراعيه نتيجة حادثة سيارة، وتم وصفه في الورقة بأنه أول شخص في العالم تُزرع له مصفوفات أقطاب كهربائية صغيرة، ليس فقط في القشرة الحركية لدماغه بل في القشرة الحسية الجسدية أيضًا، وهي منطقة من الدماغ تعالج المعلومات الحسية من الجسم.

المصفوفات لا تتيح له التحكم في الذراع الروبوتية بعقله فحسب، بل تتيح أيضًا تلقِّي ردود فعل حسية عن طريق اللمس، تشبه طريقة عمل الدوائر العصبية عندما يكون الحبل الشوكي للشخص سليمًا.

في تلك التجربة، أدت زراعة الأقطاب بتلك الطريقة إلى تنفيذ الإدراك اللمسي الاصطناعي وتقليل متوسط الوقت المستغرق في استيعاب الأشياء ونقلها إلى النصف، من 20.9 ثانية إلى 10.2 ثوان.

تقول "كولينجر" في تصريحاتها لـ"للعلم": تلقَّى "كوبلاند" ردود فعل حسية؛ إذ عملنا على قياس القوى من أصابع الروبوت، التي حولناها إلى أنماط تحفيز للأقطاب الكهربائية المزروعة في قشرته الحسية الجسدية، وبعد ذلك استخدم المريض المتطوع واجهة الدماغ والحاسوب مع ردود الفعل الحسية لتحسين أدائه في المهمات الوظيفية التي تتضمن نقل الأشياء بشكل كبير مقارنة باستخدام التغذية الراجعة المرئية فقط.

بدوره، يقول "كوبلاند" في بيان صحفي صادر عن الجامعة إنه "كان على دراية تامة لكل الأحاسيس الناتجة عن التحفيز"، ما يعني أنه أصبح يشعر "بالضغط والوخز الخفيف"، وعلى الرغم من أن الإحساس ليس "طبيعيًّا" على حد قوله، إلا أنه يُشير إلى أنه "لم يكن منزعجًا على الإطلاق".

تعلق "كولينجر" قائلة: "إن تحفيز الأقطاب الكهربائية في القشرة الحسية الجسدية ولّد لدى كوبلاند أحاسيس تشعر وكأنها تأتي من يد المشارك، ومن خلال تغيير معلمات التحفيز، يُمكن نقل شدة الإحساس لتتناسب مع مقدار القوة التي يتم تطبيقها بواسطة اليد الروبوتية، وهذا يعني النجاح في الحصول على ردود فعل حسية يُمكن أن تقلل من مقدار الوقت الذي يقضيه المشارك في استيعاب الشيء مقارنةً بإكمال المهمة بالرؤية فقط.

وتعمل "كولينجر" على تلك الدراسة منذ 10 سنوات كاملة، مشيرةً إلى أنها خطوة إلى الأمام في جعل فاقدي الأحساس بأطرافهم بسبب إصابات الحبل الشوكي "يستعيدون تلك القدرة في المستقبل القريب".

وبسؤال "كولينجر" عن تكلفة إجراء مثل ذلك التدخل، الذي يشمل جراحةً لزرع الأقطاب وبرامج حاسوبية لترجمة الإشارات الدماغية، قالت: إنها "غير مُحددة"؛ إذ إنها لا تزال في إطار الدراسات المعملية.

وتفتح الدراسة الباب لدراسات مستقبلية لحركات أكثر تعقيدًا تعتمد بشكل أكبر على ردود الفعل الحسية.. وتقول "كولينجر": إن هناك حاجة إلى تحسين تلك التقنية للوصول إلى أداء قريب من المهمات التي نظن أنها اعتيادية، مثل تناول كوب الشاي أو الضغط على يد صديق.