في ركن هادئ بمنزله، جلس أحد الآباء ذات مساء ممسكًا بكتاب مصوّر، ليقص على ابنته الصغيرة أقصوصةً مسلية، ويتلوها على مسامعها بسهولة، دون أن يشعر بعناء القراءة أو يبذل جهدًا إضافيًّا لتفسير محتويات الكتاب. ولكن على النقيض من الأب، تجد ابنته الصغيرة صعوبةً في فعل ذلك، فهي من مئات الآلاف من الأطفال حول العالم الذين يعانون من "عُسر القراءة"، وهو اضطراب ينجم عنه صعوبة القراءة، نتيجةً لمشكلات في تحديد أصوات النطق، وتعلُّم كيفية ربطها بالحروف والكلمات، ما يؤثر على مناطق الدماغ التي تعالج اللّغة.

ورغم أن القراءة من الطقوس التي يقدِّسها ملايين البشر ويمارسونها يوميًّا بسهولة ويُسر. لكن حتى الآن لا يُعرف الكثير عن الآلية التي تمكِّن البشر من ترجمة مجموعة من الحروف المتراصة إلى كلمات، واستخلاص المعاني من الكلمات المكتوبة دون عناء.

فمن المهمات المذهلة للدماغ، التمييز بين الكلمات الحقيقية وغيرها المؤلفة من سلاسل عشوائية من الأحرف، وعادةً ما يتم ذلك بسرعة ودقة كبيرتين. ولكن أي جزء من أجزاء الدماغ هو المعنيُّ بأداء تلك المهمة؟

باحثون من مركز العلوم الصحية بجامعة تكساس في هيوستن بالولايات المتحدة، أعلنوا مؤخرًا أنهم حددوا الجزء المسؤول عن هذه المهمة في الدماغ.

أوضح الباحثون في دراستهم التي نُشرت في العدد الأخير من دورية نيتشر هيومن بيهيفير Nature Human Behavior، أن هذا الجزء هو منطقة مهمة في الفص الصّدغي بالدماغ، وتحديدًا في منطقة "التلفيف المغزلي" (Fusiform Gyrus) -التي تؤدي دورًا مهمًّا في التعرُّف على الأشياء والوجوه- وتمثل سطح أو قشرة "منتصف التلفيف المغزلي" أو الجزء المغزلي الأوسط Mid-fusiform cortex، وتعمل بمنزلة القاموس المرئي للدماغ.

ووفق الفريق البحثي، فإن أهمية هذا القاموس تظهر خلال القراءة، إذ يساعدنا على معرفة ما إذا كانت الكلمة حقيقية مثل "ليمور" Lemur أم وهمية أو مزيفة مثل urmle، اعتمادًا على الطريقة التي تعالج بها تلك المنطقة المعلومات الواردة إليها عبر القراءة.

البروفيسور نيتين تاندون، أستاذ جراحة المخ والأعصاب بجامعة تكساس في هيوستن، وقائد فريق البحث، قال: "إن مقدار استجابة منطقة Mid-fusiform للكلمة ومدى سرعة التمييز بين الكلمة الحقيقية والمزيفة يعتمد اعتمادًا كبيرًا على مدى تكرار الكلمة الحقيقية في اللغة اليومية. إذ يمكن للدماغ التعرُّف على الكلمات القصيرة الشائعة مثل "قل" Say بسرعة، لكن الكلمات الطويلة والنادرة مثل "التذمر" Murmurings مثلًا، فتستغرق وقتًا أطول حتى يتم تأكيد أنها كلمات حقيقية".

وأضاف -في تصريحات لـ"للعلم"- أن تحديد المنطقة المسؤولة عن هذه المهمة في الدماغ، يقدّم نظرة ثاقبة عن آليات الإصابة بعُسر القراءة النمائي، الذي يصيب حوالي 7-10٪ من جميع البشر حول العالم، كما أنه يتيح إمكانية إعادة تأهيل المصابين عبر الخيارات العلاجية في المستقبل.

تحفيز كهربائي للدماغ

وللوصول إلى نتائج الدراسة، استخدم فريق البحث فحوص الدماغ لـ35 مشاركًا، كانوا يخضعون للعلاج من مرض الصرع، بينهم 17 من الذكور و18 من الإناث، تتراوح أعمارهم بين 19 و60 عامًا، إذ تم تركيب أقطاب كهربائية داخل الجمجمة في أثناء خضوعهم لجلسات العلاج عبر ما يُعرف بالتحفيز العميق للدماغ، الذي يتم خلاله عمل ثقوب صغيرة في الجمجمة لزراعة الأقطاب الكهربائية في مناطق محددة بالمخ.

عمل الباحثون على مراقبة نشاط الدماغ؛ إذ كان على المتطوعين إدراك الكلمات الحقيقية والكلمات غير المنطقية أو المزيفة، ثم جرى استخدام هذه التسجيلات لإنشاء رصد مرئي للمعالجة العصبية المبكرة للكلمات المكتوبة.

وجد الباحثون أن الجزء المغزلي الأوسط الذي تم تجاهله من قبلُ في العديد من الدراسات السابقة حول القراءة، هو ذاته الذي يقارن السلاسل الواردة من الحروف التي تمت مواجهتها في أثناء القراءة بالأنماط المخزنة للكلمات المكتسبة. وبعد تحديد الكلمات في هذه المنطقة من الدماغ، تنتشر هذه المعلومات إلى مناطق المعالجة البصرية الأخرى في الدماغ.

كما وجدوا أن الدماغ البشري قادر على اكتشاف وفك شفرة الكلمات المعروفة حتى لو جاءت بعض الأحرف الوسطى في ترتيب خطأ؛ إذ تمكن المشاركون من تحديد الكلمات الشائعة الاستخدام في اللغة الإنجليزية وتمريرها بسرعة، في المقابل استغرقوا وقتًا أطول لمعالجة الكلمات غير المألوفة.

وعن هذه النتيجة أوضح "تاندون": "نظرًا إلى أن تكرار الكلمات هو أحد العوامل الرئيسية التي تحدد مدى سرعة القراءة لدى بعض الناس، فمن المحتمل أن تكون منطقة "منتصف التلفيف المغزلي" بمنزلة عنق الزجاجة لسرعة القراءة".

ولاختبار فرضية الفريق حول هذا الجزء من الدماغ، أجروا تحفيزًا كهربائيًّا قصيرًا لتعطيله مؤقتًا، ما منع الخاضعين للدراسة بشكل مؤقت من القراءة بشكل صحيح.

وقال "تاندون": "لقد أثبتنا أننا إذا عطلنا النشاط في "منتصف التلفيف المغزلي" تعطيلًا مؤقتًا باستخدام نبضات كهربائية مطبقة لفترة وجيزة، فإن ذلك يتسبب في عدم القدرة على القراءة مؤقتًا، ولكنه لا يعطل وظائف اللغة الأخرى، مثل تسمية الأشياء المرئية أو فهم الكلام".

وحول أهمية التوصل إلى هذه النتيجة، اعتبر أن الدراسة تعمل على تحسين فهم كيفية قدرة البشر على القراءة، ويمكن أن تساعد في علاج الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات القراءة، مثل عُسر القراءة.

شبكة القراءة في المخ

من جانبه، رأى معتز عاصم -الباحث المشارك في وحدة الإدراك وعلوم الدماغ بمركز البحوث الطبية، كلية الطب السريري، جامعة كامبريدج في بريطانيا- أن النتائج تحل جزءًا مهمًّا في لغز فهم كيفية القراءة لدى البشر.

وأضاف في حديث لـ"للعلم" أنه لا يزال من المبكر أن تترجم نتائج هذه الدراسة مباشرةً إلى علاج لعُسر القراءة، لكن الخطوات التالية للفريق ستشمل فهم كيفية تطوُّر هذه المنطقة عند الأطفال، وما إذا كانت تظهر مسارات نمو غير طبيعية أو استجابات تتسبب في عُسر القراءة لديهم.

وعن نقاط التميُّز في الدراسة، أوضح أن الأقطاب الكهربائية المزروعة جراحيًّا في أدمغة مرضى الصرع سجلت النشاط الكهروفسيولوجي للدماغ، مؤكدًا أن تسجيلات الأقطاب الكهربائية توفر بيانات ذات دقة مكانية وزمنية عالية، تفيد كثيرًا أبحاث علم الأعصاب البشري. وعليه اعتبر أن نتائج الدراسة تبرهن على أهمية استخدام هذا النوع من الأدوات الحديثة والمتطورة لفهم وظيفة الدماغ عبر البيانات الواردة من عملية التحفيز العميق للدماغ. وشدد على أن المعامل في جميع أنحاء العالم تتنافس الآن للوصول إلى هذا النوع من البيانات.

وهو ما اتفق معه فيه معتز عاصم، قائلًا: إن التقنيات غير الجراحية كتصوير الدماغ، توفر إما دقة مكانية جيدة ودقة زمنية ضعيفة، كما هو الحال في التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (FMRI)، أو دقة مكانية ضعيفة ودقة زمنية جيدة، مثلما تفعل تقنية تخطيط كهربية الدماغ ((EEG، ولهذا فإن دراسة النشاط الكهروفسيولوجي للدماغ البشرية بشكل جراحي تُعَدُّ "منجم ذهب"؛ إذ يمكن أن تولِّد رؤى جديدة تكشف مزيدًا من الألغاز حول قدرات العقل البشري، وفق وصفه.

ويضيف "عاصم": "من المعروف منذ مدة طويلة أنه عندما نقرأ كلمةً ما، يقوم النظام المرئي أولًا بتقسيم الأشكال المختلفة إلى أحرف، ثم بطريقةٍ ما يتم التعرف على الأحرف ككلمات. فقد كشفت دراسات اعتمدت على بيانات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي أن عدة مناطق في منطقة "التلفيف المغزلي" تشارك في العملية الأخيرة. لكن الدراسة الأخيرة تكشف بشكل جيد أين وكيف يحدث هذا بدقة المليمتر (1 سنتيمتر =10 مليتمر) والمِلِّي ثَانِيَة (الثانية =1000 ملّي ثانية)".

وتابع: "بناءً على ذلك، كشفت الدراسة أن منطقة "التلفيف المغزلي" تستجيب مبكرًا للحروف الحقيقية، لكن عملية التحقق من دقة الكلمة أو عدم دقتها تتم في عملية لاحقة من خلال منطقة "منتصف التلفيف المغزلي".

وشدد على ذلك بقوله: على حد علمي، فهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها رصد الديناميكية الزمانية المكانية لهذه العملية. وفي حين سلطت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي الضوء على مناطق مماثلة، إلا أن النتائج الجديدة لهذه الدراسة تكشف متى وأين بدأت عملية القراءة وانتشرت".

واختتم قائلًا: "ما يعجبني حقًّا في هذه النتيجة هو أنها تتوافق أيضًا مع أعمال النمذجة النظرية التي تؤكد دور رد الفعل (feedback) والمعالجة المتكررة لتعزيز التعرُّف البصري على الأحرف بشكل عام".

ووافقته الرأي باتريشيا كوريا، أستاذ علم الأعصاب السلوكي المساعد، بالجامعة الأمريكية في القاهرة، مؤكدةً أن هذه النتائج توفر مزيدًا من الأدلة على أهمية منتصف القشرة المغزلية عند الحديث عن اضطراب عُسر القراءة، ما يفتح مسارات جديدة لفهم صعوبة التعلُّم لدى المصابين بالمرض.

وأضافت لـ"للعلم"، أن العقل البشري السليم يؤدي عملًا لا يصدق في تحديد الكلمات المعروفة ومعالجة معناها بطريقة سريعة للغاية. ومع ذلك، يعاني العديد من الأشخاص في جميع أنحاء العالم من صعوبات تعلُّم معينة، مثل عُسر القراءة. وما يميز هذه الدراسة الجديدة هو الكشف عن آليات الدماغ المسؤولة عن قراءة الكلمات وتحديدها.

وعن الخطوة المقبلة للفريق، أشار "تاندون" إلى أن الأبحاث ستركز على فهم تفاعلات منطقة "منتصف التلفيف المغزلي" بشكل أعمق، بالإضافة إلى "منطقة شكل الكلمة المرئية" (VWFA) التي تسمى أيضًا بـ"منطقة القراءة"، وهي منطقة وظيفية للتلفيف المغزلي الأيسر والقشرة المحيطة بها، والتي يُفترض أن تشارك في تحديد الكلمات والحروف، وهي مسؤولة عن مهارة القراءة والقدرة على تعلُّمها، وذلك لتطوير فهم شامل لشبكة القراءة في المخ، وكيف نكتسب مهارة القراءة، وما الأسباب التي تجعل بعض الأفراد يستطيعون القراءة بشكل أسرع من غيرهم.