يتعرض بعض الشعاب المرجانية في البحر الأحمر -والتي تتكاثر عن طريق "التفريخ"- لخطر الانقراض؛ بسبب تغيُّر المناخ، والضغوط البشرية، وعمليات التجريف المستمرة للشواطئ.

يُعد تفريخ المرجان -المعروف باسم "إطلاق التكاثر" (Broadcast Spawning)- إحدى أكثر الطرق غرابةً للتكاثر بين المخلوقات الحية. ففي وقت معين وفي غضون دقيقتين فقط، يبدأ عادةً بعد الغروب، يُطلق المرجان ملايين البويضات والحيوانات المنوية في مياه البحر، لتندمج معًا مُشكِّلةً أجنةً تنساق مع التيارات الساخنة لمسافات تُقدر بمئات الكيلومترات، مُكونةً شعابًا ومستعمرات في مناطق أخرى.

ولا يعرف العلماء على وجه الدقة العوامل البيئية التي تتحكم في تلك العملية، ولا حتى آلياتها المتنوعة، وعلى الرغم من أن طريقة التزاوج لا تقتصر على المرجان فحسب، بل تستخدمها بعض أنواع قناديل البحر والحلزونات، إلا أن توقيت عملية التزاوج، والعوامل المؤثرة على نجاحها، غير معروفة بشكل كامل حتى الآن.

وتشير دراسة نشرتها دورية "ساينس" (Science) اليوم "الخميس"، 5 سبتمبر، إلى أن فريقًا بحثيًّا من جامعة "تل أبيب" كشف أن عمليات التفريخ الخاصة بالشعاب المرجانية في خليج العقبة بالبحر الأحمر تغيرت تمامًا بمرور الوقت وفقدت تزامُنها الحيوي، مما قلل بشكل كبير من فرص الإخصاب الناجح، وأدى إلى ندرة الأجنة، فأوجد ظروفًا تؤدي إلى انقراض الشعاب المرجانية في البحر الأحمر.

يقول "توم شليسنجر" -المؤلف الرئيسي لتلك الورقة البحثية- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة بدأت بعدة أسئلة بحثية حول كيفية تأثير التغيرات في البيئة عبر الزمان والمكان على المراحل المختلفة من دورة حياة المرجان. كنا نرغب في الجمع بين عدة طرق من أجل فهم الديناميات المعقدة للنظام الإيكولوجي للشعاب المرجانية بشكل أفضل. شملت تلك الطرق متابعة عمليات الإخصاب، وقياس طول الشعاب، وأماكن توطين الشعاب الجديدة".

حاول "شليسنجر" العمل على كل أنواع الشعاب المرجانية في البحر الأحمر، إلا أنه فشل في تحديد كل المعلومات الخاصة بها، فقرر دراسة 20 إلى 30 نوعًا من المرجان، وتوثيق سلوكها التناسلي، حيث قضى 280 ليلة تحت الماء الأسود الداكن، بمعدل يومي بلغ ست ساعات في أيام التخصيب، انتظر فيها بصمت لتوثيق تلك اللحظات الفريدة التي تحدث لمدة خمس دقائق فقط، مرةً واحدةً في السنة، وفي وقت غير معروف أصلًا.

ويوضح "لوشي لويا" -المؤلف المشارك في الدراسة- أن عملية "تفريخ المرجان" -التي توصف غالبًا بأنها "أكبر طقوس التزاوج عربدةً في العالم"- هي أحد أعظم الأمثلة على الظواهر المتزامنة في الطبيعة؛ إذ يحدث ذلك الطقس مرةً واحدةً في السنة، وفيه تطلق آلاف الشعاب المرجانية بيضها وحيواناتها المنوية على طول مئات الكيلومترات في وقت واحد في المياه المفتوحة، حيث تحدث عملية الإخصاب في وقت واحد. وبما أن كل البيض والحيوانات المنوية لا يُمكن أن يصمد في المياه سوى لبضع ساعات، فإن توقيت هذا الحدث أمرٌ بالغ الأهمية.

فالإخصاب الناجح، والذي لا يُمكن أن يحدث إلا في هذه النافذة الزمنية الضيقة، أدى إلى تطوُّر تزامُن دقيق عبر ملايين السنوات في إطلاق البيض، والحيوانات المنوية، يعتمد ذلك التزامن على الإشارات البيئية، التي تشمل درجة حرارة البحر، والإشعاع الشمسي، والرياح، وأطوار القمر، ووقت غروب الشمس.

رصد الباحثون عملية تفريخ المرجان في البحر الأحمر على مدار أربع سنوات، وأجروا 225 دراسة ميدانية استمرت من 3 إلى 6 ساعات خلال موسم تكاثر المرجان السنوي، الذي يمتد من يونيو إلى سبتمبر، ليسجلوا ملحوظات حول أنواع المرجان المختلفة، والأعداد المولودة كل عام.

ووجد الباحثون أن تزامُن التفريخ أصبح غير منتظم في بعض أكثر أنواع الشعاب المرجانية وفرةً، وأنه أصبح أقل من الحد المطلوب للتزاوج. ولجمع مزيد من الأدلة ودراسة هذه الظاهرة بتعمق أكبر، جمع الباحثون مرارًا وتكرارًا عينات المرجان من مواقع وأوقات مختلفة لتحليلها وتشريحها في المختبر. ثم قاموا بتقييم الحالة الإنجابية في المختبر على عدة مستويات، بدايةً من مستوى حجم خلية البيض، مرورًا بالبوليب –وهي الوحدة الصغيرة الأساسية التي تتكون منها المستعمرة المرجانية- وصولًا إلى أعداد المرجان المولود حديثًا.

وقد أدى تقييم هذه المستويات المختلفة إلى استنتاج كارثي، ألا وهو نقص واضح في تزامن إطلاق البيض والحيوانات المنوية على جميع المستويات، ففي بعض مستعمرات المرجان، لم تؤدِّ عملية إطلاق البيض والحيوانات المنوية إلى أي تفريخ، وبالتالي لم يولد أى مرجان على الإطلاق، في حين توالدت مستعمرات أخرى بشكل جزئي، أما القليل من المستعمرات فقد نجحت في التوالد بشكل كلي.

بعد ذلك، عمل الباحثون على التحقيق فيما إذا كان هذا الانهيار في تزامُن التفريخ قد تُرجم إلى فشل تناسلي. في البداية قاموا بتحديد خرائط بأماكن آلاف الشعاب المرجانية الواقعة ضمن مخططات الشعاب المرجانية الدائمة المحفوظة في السجلات. ثم قاموا بإعادة النظر في تلك المستعمرات على أساس سنوي لدراسة وتتبُّع التغيُّرات في مجتمع الشعاب المرجانية، عن طريق عمل تعداد دقيق للشعاب المرجانية التي ماتت، مقارنةً بالشعاب الجديدة المولودة حديثًا.

وعلى الرغم من أن الحالة العامة للشعاب المرجانية في البحر الأحمر كانت جيدة جدًّا، إلا أن الباحثين وجدوا أن هناك نقصًا واضحًا في الأجيال الحديثة، مما يعني أن بعض الأنواع التي تبدو وفيرةً في الوقت الحالي قد تكون على وشك الانقراض مستقبلًا بسبب الفشل التناسلي.

يقول "لويا" في تصريحات لـ"للعلم": هناك عدة آليات محتملة قد تكون السبب وراء انهيار تزامُن التفريخ. فعلى سبيل المثال، تتأثر دورات التكاثر المرجانية بدرجات حرارة المياه، وقد لاحظنا أن درجات حرارة البحر الأحمر ترتفع باطراد، بمعدل 0.31 درجة مئوية لكل عقد، والانهيار في تزامُن التفريخ قد يعكس التأثير المحتمل المميت لاحترار البحر الناجم عن التغير المناخي. كما أن هناك آلية أخرى يحتمل أن تكون مؤثرة في عملية التزامن، وهي وجود الملوِّثات التي تؤثر على هرمونات المرجان، والتي تتراكم في البيئات البحرية نتيجة الأنشطة البشرية المستمرة المؤدية إلى التلوث.

بدوره، يشدد "شليسنجر" على أنه بغض النظر عن السبب الدقيق الذي يؤدي إلى حدوث هذه الانخفاضات في تزامن التفريخ، فإن النتائج بمنزلة دعوة للاستيقاظ في الوقت المناسب للبدء في النظر في التحديات التي تواجه بقاء الشعاب المرجانية، خاصةً أن تلك التحديات يُمكن أن تؤثر على أنواع إضافية في مناطق أخرى، على حد وصفه.

ويضيف أن "هناك أكثر من 450 نوعًا من الشعاب المرجانية حول العالم، وتحديد علامات الإنذار المبكرة لمثل هذه الاختلالات التناسلية سيُسهم في توجيه الجهود في مجال البحث والحفظ في المستقبل. وينبغي على العلماء مواصلة دراسة تلك الظاهرة في جميع أنحاء العالم، والكشف عن الأسباب الدقيقة التي تتسبب في انهيار التزامن التناسلي".

من جهتها، تعقب "نيكول فوجارتي" -الباحثة غير المشاركة في تلك الدراسة- على الورقة العلمية قائلة: الدراسة تسلط الضوء على أهمية تقصِّي وتحليل البيانات طويلة الأجل، والحاجة الماسة إلى عمليات المراقبة التي تُغطي مناطق جغرافية واسعة لتحديد ما إذا كانت عمليات التزامن غير المنتظمة في تفريخ المرجان تمثل شذوذًا محليًّا أم اتجاهًا عالميًّا.

وتضيف "فوجارتي" أن "عملية إنتاج أنماط وراثية جديدة تتحمل الإجهادات الحرارية غير ممكنة في حالة المرجان؛ إذ إن تعديل جينات المرجان يُمكن أن يقوض أصلًا من عملية النجاح التناسلي، والحل يكمن في تخفيف الضغوط البشرية على الشعاب المرجانية في البرية، ومن دون ذلك لن تشاهد الأجيالُ القادمة المرجان إلا في أحواض الأسماك الزجاجية".