تمكَّن فريق من الباحثين السويسريين في "الكلية الفيدرالية التقنية في لوزان" و"مستشفى لوزان الجامعي" من استخدام "التحفيز الكهربائي" لمساعدة ثلاثة أشخاص مصابين بـ"الشلل السفلي" على التحكم في عضلاتهم التي أُصيبت بالشلل لفترة طويلة من جرّاء تعرُّضهم لإصابات خطيرة.

ووفق الدراسة، التي نشرتها دورية "نيتشر نيوروساينس" (Nature Neuroscience)، فقد وضع الباحثون شريحةً في مركز الأعصاب بـ"الحبل الشوكي القطني" و"الحبل الشوكي العجزي" لإرسال إشارات معينة لحركة الساق، بحيث تخلق أحاسيس اصطناعية من خلال تحفيز مواقع معينة بالعمود الفقري في وقت أداء الحركة نفسه، وذلك كبديل عن الإشارات الكهربية التي كان النخاع الشوكي يرسلها إلى الساقين قبل وقوع الإصابة.

وتمكَّن المشاركون "الثلاثة" من السيطرة على توقيت كل خطوة وارتفاعها، مما يدل على أن أدمغتهم تفاعلت مع "التحفيز الكهربائي"، ما ساعدهم على السير، وهذا يُعَد دليلًا قويًّا على أن الدماغ والحبل الشوكي أعادا تأسيس العلاقات الطبيعية فيما بينهما، كما تمكَّنا من تعديل حركات السيقان للوقوف والسير وفق مجموعة من السرعات لفترات بلغت حد الساعة.

ووجد الباحثون أن التحفيز المستمر لمنطقة "فوق الجافية" يمكن أن يجعل الجسم يشعر بمكان وجود الساقين، وأن هذه النبضات أيضًا يمكن أن تتصادم مع إشارات حسية قادمة من الساقين، وأن هذا يحدث في البشر وليس في الحيوانات الصغيرة مثل القوارض المستخدمة في الدراسات السابقة، موضحين أن ذلك يرجع إلى طول مسافات التوصيل حين يتعلق الأمر بالبشر مقارنةً بالقوارض.

واعتمدت طريقة التحفيز الكهربائي على تحفيز منطقة "فوق الجافية" ووضع الأقطاب الكهربائية خارج الغشاء الحامي للعمود الفقري عند مستوى أسفل الظهر تحت نطاق الإصابة، كما خضع الأشخاص المصابون لتدريب جسدي مكثف؛ إذ أكملوا ما بين 100 إلى 278 جلسة من التحفيز والتأهيل المشترك خلال فترة تراوحت بين 5 شهور و21 شهرًا، ما يشير إلى أن التحفيز وحده ليس رصاصة سحرية، وإنما يحتاج أيضًا إلى إعادة التأهيل بشكل مكثف.

والأشخاص الثلاثة هم "دافيد.م" (28 عامًا)، الذي أصيب من جَرَّاء حادثة رياضية في 2010، و"جيرت أوسكام" (35 عامًا) وأُصيب في حادثة دراجة في الصين عام 2011، و"سيباستيان توبلر" (47 عامًا)، الذي تعرض لإصابة خطيرة أقعدته عن الحركة بعد تعرضه لحادثة دراجة في 2013.

يقول "فابيان فاجنر" –الباحث في "المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا" والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الأشخاص الثلاثة تمكنوا من السير حتى بعد وقف التحفيز الكهربائي، وهي سابقة لم تحدث من قبل؛ ففي فترة تراوحت بين ثلاثة أشهر إلى خمسة من التدريب تحت تأثير التحفيز الكهربائي ظهر لديهم نوعٌ من استعادة الوظائف العصبية"، مشيرًا إلى أن الفريق البحثي درس آلية الاتصال بين الحبل الشوكي والدماغ عند الحركة في الأصحاء، واستفاد منها من خلال تطبيقها على الأشخاص الثلاثة المصابين بالشلل.

ويضيف أن "التحفيز استهدف المستوى النخاعي الذي يتحكم بعضلات الأطراف السفلية التي تعمل خلال المشي، وهذا التحفيز يسهِّل التحكم بالدماغ، ما يثبت أن الدماغ والعمود الفقري أعادا إقامة اتصال طبيعي بينهما".

تجربة على مرحلتين

لقد أجريت التجربة على مرحلتين، بحيث سُمح في المرحلة الأولى باستخدام التحفيز الكهربائي لإعادة حركة العضلات وزيادة قدرتها على التحمّل خلال التمرين، أما المرحلة الثانية، فاهتمت برصد استعادة الوظائف العصبية لعملها.

واستخدم الباحثون أقطابًا كهربائية متصلة بواسطة سلك بجهاز تحفيز عصبي موضوع في البطن تحت الجلد، إضافةً إلى استخدام ساعة تسمح للمريض بالتحكم الصوتي لتحريك جهاز التحفيز الخاص به.

يقول "فاجنر": "إن المشاركين الثلاثة تمكنوا من السير لمسافة بلغت أكثر من كيلومتر واحد خلال جلسات إعادة التأهيل، وذلك بمساعدة التحفيز الكهربائي ونظام ذكي لدعم وزن الجسم دون استخدام اليدين، ولم تظهر أي أعراض تعب بالنسبة لعضلات الساق، حتى إن اثنين من هؤلاء المشاركين تمكنوا من المشي في مجتمعاتهم المحلية باستخدام مشاية ذات عجلات لتحقيق التوازن والسلامة".

ويضيف أن "أحد المرضى الثلاثة تجاوب مع العلاج بدرجة جعلته يسير لأكثر من كيلومترين، وهو لا يزال قادرًا على فعل ذلك في الوقت الراهن، لقد استعاد هؤلاء المرضى بعضًا من استقلاليتهم الحركية"، موضحًا أن "المرحلة المقبلة للباحثين تكمن في اختبار تطبيق هذه التقنية العصبية في مرحلة مبكرة من حدوث الإصابة، وتحديدًا بعد بضعة أسابيع من وقوع الحادثة، وهي الفترة التي لا يكون فيها "الجهاز العصبي العضلي" قد تعرض للضمور اللاحق بالشلل المزمن".

وأوضح "فاجنر" أن الطريقة التي يتم بها تحفيز الحبل الشوكي تختلف اختلافًا جذريًّا عن الدراسات السابقة، مضيفًا: "نستهدف مجموعاتٍ معينةً من العضلات في كل مرحلة من دورة السير بطريقة تتطابق مع المدخلات الطوعية من الدماغ، وهو بروتوكول نسميه تنشيط "الزمانية المكانية"؛ إذ إن تنشيط الحبل الشوكي الناجم عن هذا البروتوكول أكثر شبهًا بالنمط الطبيعي للنشاط الذي تجري مشاهدته في أثناء المشي للأفراد الأصحاء، وينتج عنه انتعاش غير مسبوق في وظيفة حركات الساق، حتى في غياب التحفيز الكهربائي".

ابتكارات تكنولوجية

لكن "فاجنر" يعترف بوجود قيود تتعلق بالدراسة، مضيفًا: "نحتاج إلى ابتكارات تكنولوجية تجعل منهجنا متاحًا وسهل الاستخدام من قِبَل عدد كبير من الأطباء، وليس فقط من قِبَل فريق المهندسين والعلماء؛ فنحن نعمل على هذا الجانب من أجل تطوير طرق تلقائية لتحسين التحفيز الكهربائي".

من جهته، يقول "كمال مرسي" -أستاذ طب المخ والأعصاب في جامعة القاهرة- لـ"للعلم": "إن تطبيق هذه الدراسة على نطاق واسع يساعد في حل كثير من مشكلات مرضى النخاع الشوكي، التي أصبحت من الإصابات المنتشرة على مستوى العالم بسبب الحوادث، وستكون بمنزلة ثورة في علم الأعصاب والتأهيل في ظل صعوبة استعادة النخاع الشوكي لطبيعته، لكن الدراسة لا تزال تجري داخل المركز البحثي ولم يتم تعميمها لمعرفة الأعراض الجانبية التي قد تنجم عن تطبيقها، خاصةً وأن الأبحاث المتعلقة بعلاج النخاع الشوكي من خلال الخلايا الجذعية لم تعطنا نتائج مُرضية حتى الآن".

يعلق "فاجنر" على تصريحات "مرسي" قائلًا: نعمل حاليًّا على تطوير أساليب أكثر كفاءةً وبساطة للتحكم في التحفيز الكهربائي وتحسين آليته، بحيث يمكن استخدام هذه التقنيات في العديد من المستشفيات بجميع أنحاء العالم، وبحيث تكون متوافرةً لكل مَن يحتاج إليها.

مخاطر على الطريق

ويشير باحثون بجامعة "لويولا" بمدينة "شيكاغو" الأمريكية إلى أن الأسباب الأكثر شيوعًا للإصابة بانقطاع الحبل الشوكي والإصابة بالشلل تتمثل في حوادث السيارات (46%)، والسقوط من مكان مرتفع (22%)، والعنف (16%)، والإصابات الرياضية (12%)، و"التسمم الكحولي" الذي يؤدي دورًا في (25%) من جميع إصابات الحبل الشوكي.

وتضيف الدراسة أن "المصابين بالشلل يكونون أكثر عرضةً للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والالتهاب الرئوي، والجلطات الدموية التي تهدد الحياة، وأمراض المثانة والأمعاء، والاختلال الجنسي، والإمساك وغيره من مشكلات الجهاز الهضمي"، مشيرةً إلى أن "متوسط أعمار هؤلاء المصابين تتوقف على شدة الإصابة التي تلحق بالعمود الفقري، ويبلغ متوسط العمر المتوقع بعد الإصابة من 12 إلى 18 شهرًا بالنسبة للمريض المعتمد على جهاز التنفس الصناعي والذي يبلغ عمره أكثر من 60 عامًا، في حين يبلغ 52.6 عامًا بالنسبة لمريض يبلغ من العمر 20 عامًا".

يُذكر أن فريقًا من الباحثين في "مايو كلينيك" أجرى تجربةً مشابهةً للدراسة الحديثة؛ إذ نجحوا في إبريل من عام 2017 في مساعدة شخص مصاب بالشلل على الحركة عن طريق التحفيز الكهربائي، وذلك بعد تعرُّضه لإصابة في الحبل الشوكي جعلته غيرَ قادر على الحركة أو الشعور بأي شيء من منتصف جذعه.

وتلقَّى المريض جلسات للعلاج الطبيعي استمرت 22 أسبوعًا، بمعدل 3 جلسات أسبوعيًّا، لمساعدة عضلاته على أداء بعض المهمات في أثناء عملية تحفيز الحبل الشوكي، ثم خضع المريض لعملية جراحية لزرع شريحة كهربائية في منطقة "فوق الجافية" بالقرب من الحبل الشوكي، وتحديدًا تحت المنطقة المصابة، وتم توصيل الشريحة إلى جهاز يتم التحكم فيه من خلال جهاز الكمبيوتر.

وبعد ثلاثة أسابيع من الجراحة، استأنف المريض جلسات العلاج الطبيعي بالتزامن مع استخدام "التحفيز الكهربائي" لمساعدته على التحكم في عضلاته، كما تمكن من الوقوف بدعم جزئي، وكذلك الوقوف بشكل مستقل عن طريق وضع ذراعيه على قضبان الدعم لتحقيق التوازن.