ذكر تقرير جديد أعدته كلٌّ من منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) ومنظمة الصحة العالمية أن نحو 78 مليون طفل -أو ثلاثة من بين كل خمسة أطفال حول العالم- لا يرضعون لبن ثدي الأم خلال الساعة الأولى من حياتهم (وهو اللبن المعروف في مصر باسم لبن السرسوب)، مما قد يعرضهم لخطر الموت والمرض بدرجة أكبر، ويجعلهم أقل عرضةً للاستمرار في الرضاعة الطبيعية.

وأشار التقرير، الذي نشرته المنظمتان، اليوم الثلاثاء 31 يوليو، إلى أن "معظم هؤلاء الأطفال يولدون في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، وأن الأطفال حديثي الولادة الذين يرضعون في الساعة الأولى من حياتهم هم أكثر عرضةً للبقاء على قيد الحياة. وأن تأخُّر الرضاعة لبضع ساعات بعد الولادة يمكن أن يؤدي إلى عواقب تهدد الحياة"، موضحًا أن "التلامس بين جلد الأم والرضيع يعمل على تحفيز إنتاج الأم للبن الرضاعة، والذي يُعدّ بمنزلة "أول لقاح للطفل"، فضلًا عن أنه غني جدًّا بالعناصر المغذية والأجسام المضادة".

يقول "بول جاروود" -المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية- في تصريحات لـ"للعلم": "إن اللبن الذي يفرزه ثدي الأم بعد الرضاعة مباشرة يُعرف باسم اللبأ، وهو عبارة عن حليب يُنتَج بواسطة الغدد الثديية في أواخر الحمل، وتحديدًا قُبيل الولادة. وهو غني للغاية بالمغذيات والأجسام المضادة التي تعمل على حماية حديثي الولادة من الأمراض، فضلًا عن كونه يحتوي على كمية دهون أقل وكمية بروتينات أعلى مقارنة بالحليب العادي".

ويوضح "جاروود" أن "اللبأ" غني أيضًا بالأجسام المضادة من نوع "الجلوبولين المناعي IgA"، وبروتين "اللاكتوفيرين" و"الكريات البيضاء" والمركبات الأخرى النشطة بيولوجيًّا، والتي تؤدي دورًا مهمًّا في تغذية الوليد ونموه وتطوره، وفق قوله.

ويضيف أن "اللبأ يمنح الطفل الوليد مناعةً سلبية، تنتقل من الأم إلى وليدها من خلال المشيمة، وهى مناعة وقتية وتنتقل إلى الرضيع بعد الولادة مباشرة، ولا تدوم لفترات طويلة".

من جهتها، تقول "هنريتا هور" -المديرة التنفيذية ليونيسف- وفق البيان الصحفي الذي حصل موقع "للعلم" على نسخة منه: "إنه عندما يتعلق الأمر ببدء الرضاعة الطبيعية، فإن التوقيت يكون هو العامل الذي يمثل كل شيء؛ إنه يمكن أن يكون مسألة حياة أو موت. ومع ذلك، فإن الملايين من الأطفال حديثي الولادة يفقدون كل عام فوائد الرضاعة الطبيعية المبكرة"، مشيرةً إلى أنه "يمكن تغيير أسباب فقدان الأطفال للرضاعة الطبيعية في كثير من الأحيان، ومنها مثلاً أن الأمهات لا يتلقين ببساطة الدعم الكافي للرضاعة الطبيعية في غضون تلك الدقائق الحاسمة بعد الولادة، حتى إنهن يفتقرن إلى تلقي النصيحة المجردة من أفراد الخدمات الطبية الموجودين في المؤسسات الصحية".

وجاء في التقرير أن معدلات الرضاعة الطبيعية خلال الساعة الأولى بعد الولادة هي الأعلى في شرقي أفريقيا وجنوبيها (65٪)، وأدناها في شرقي آسيا والمحيط الهادئ (32٪)، وأن نحو 9 من كل 10 أطفال وُلدوا في بوروندي وسريلانكا وجمهورية فانواتو يرضعون من الثدي في غضون الساعة الأولى. وعلى النقيض من ذلك، فإن اثنين فقط من كل 10 أطفال وُلدوا في أذربيجان وتشاد والجبل الأسود هم الذين يرضعون لبن الثدي خلال الساعة الأولى من ولادتهم".

يقول "تيدروس أدهانوم جيبريسوس" -المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، وفق البيان المصاحب للتقرير-: "إن الرضاعة الطبيعية تمنح الأطفال أفضل بداية ممكنة في الحياة، ويجب علينا توسيع نطاق الدعم للأمهات بشكل عاجل -سواء من جانب أفراد الأسرة أو العاملين في مجال الرعاية الصحية أو أصحاب العمل أو الحكومات- حتى يتمكنوا من منح أطفالهم البداية التي يستحقونها".

وأوضحت البيانات التي اعتمد عليها التقرير، والذي حلل بيانات مستقاة من 76 دولة، أنه على الرغم من أهمية البدء المبكر في الرضاعة الطبيعية، إلا أن العديد من الأطفال حديثي الولادة يظلون دون رضاعة مدةً طويلة لأسباب مختلفة، منها الممارسات الشائعة كاعتياد كبار السن وبعض المعنيين بالخدمات الصحية على تغذية الأطفال بسوائل مثل الماء الممزوج بالسكر".

وهناك أيضًا ارتفاع معدلات الولادة القيصرية، التي تحرم الطفلَ الرضيعَ تَناوُلَ لبن ثدي الأم في الساعة الأولى من مولده، إذ أوضح التقرير أن "معدلات الولادة القيصرية ارتفعت في مصر -على سبيل المثال- إلى أكثر من الضعف بين عامي 2005 و2014؛ إذ ارتفعت من 20٪ إلى 52٪. خلال الفترة نفسها، وبالتالي، انخفضت معدلات البدء المبكر للرضاعة الطبيعية من 40٪ إلى 27٪".

كما يؤدي تنامي الاهتمام الصحي بالأمهات في مرحلة ما بعد الولادة دورًا بارزًا في حرمان الطفل تناوُلَ لبن ثدي الأم خلال الساعة الأولى من ميلاده؛ إذ ارتفعت معدلات الاهتمام بالأمهات في دولة مثل صربيا بنسبة 43% في الفترة من عام 2010 وحتى 2014؛ إذ يفرض الاهتمام بصحة الأمهات على العاملين في مجال الخدمة الصحية فصلهن عن أطفالهن حديثي الولادة لفترة قد لا تقل عن ساعة، وذلك على الرغم من أن الأطفال حديثي الولادة الذين بدأوا الرضاعة الطبيعية بين ساعتين و23 ساعة بعد الولادة كان لديهم خطر أكبر للوفاة بنسبة 33٪ مقارنة بمن بدأوا الرضاعة الطبيعية خلال ساعة واحدة من الولادة، أما بالنسبة للمواليد الذين بدأوا الرضاعة الطبيعية بعد يوم أو أكثر بعد الولادة فقد تعدت نسبة الخطر لديهم أكثر من الضعف.

يشير "جاروود" إلى أن "الرضاعة الطبيعية تمنح الطفل انطلاقة إيجابية لحياته؛ فبالإضافة إﻟﻰ ﺧﺼﺎﺋﺺ اﻟﺤﻠﻴﺐ ﻧﻔﺴﻪ، ﻓﺈن اﻟﺒﺪء اﻟﻤﺒﻜﺮ ﺑﺎﻟﺮﺿﺎﻋﺔ ﻣﻦ اﻟﺜﺪي ﻣﻬﻢ لإحداث علاقة تفاعلية ﺑﻴﻦ اﻷم واﻟﻄﻔﻞ؛ إذ يساعد التلامس الجلدي، الذي يحدث بعد الولادة مباشرةً بين الأم والرضيع، على تنظيم درجة حرارة جسم الوليد، كما تؤدي الرضاعة من الثدي إلى إطلاق هرمون البرولاكتين في الأم، وهو هرمون مهم لتحفيز إنتاج الحليب، ويساعد على ضمان توفير الغذاء بصورة مستمرة للطفل الرضيع؛ إذ إن بدء الرضاعة المبكرة للرضيع يساعده على تعلُّم التمسُّك بلبن الثدي".

وأوصى التقرير، الذي اعتمد على مسوحات أُجريت في 76 بلدًا، وامتدت في الفترة بين عامي 2013 و2018، الحكومات وصانعي القرار بـ"اتخاذ تدابير قانونية قوية لتقييد تسويق حليب الأطفال وغيره من بدائل لبن الأم بالنسبة للأطفال في الساعات الأولى من ميلادهم، وأن تقدم الحكومات سياسات وبرامج تساعد جميع الأمهات على بدء الرضاعة الطبيعية في الساعة الأولى من عمر أطفالهن".