قبل 20 عامًا مضت، حدد العالِمان في الصيدلة والعلوم الجزيئية بجامعة جونز هوبكينز الأمريكية، بول تلالاي، وجيد فاهي، مركبًا طبيعيًّا موجودًا في الخضراوات الصليبية (كالكرنب، واللفت، والقرنبيط)، وعلى رأسها براعم البروكلي، يطلق عليه السلفورافان، له خصائص علاجية تكافح الأمراض.

ومنذ ذلك الحين، ركزت أبحاثهم على مركب "السلفورافان" باعتباره مادة "كيميائية واقية"، يمكن أن تساعد في الحماية من تلف الخلايا الذي يُسهم في الإصابة بالسرطان وغيره من الأمراض المزمنة.

واليوم يسير فريق بحثي آخر جديد من زملائهم بالجامعة، وتحديدًا في مركز جونز هوبكنز للفصام، على الدرب نفسه؛ إذ عكفوا على اكتشاف الفوائد العلاجية لهذه المادة الطبيعية. وكما جاء في دراستهم التي نُشرت في دورية جاما سيكاتري (JAMA Psychiatry) أن مكملات براعم البروكلي قد تُسهم في الحد من ظهور أعراض مرض الفصام، وتقلل جرعات الأدوية التي يتناولها المصابون به.

والشيزوفرينيا أو الفصام هو اضطراب نفسي شديد، يتسم بوجود اضطرابات فكرية وإدراكية وانفعالية ولغوية وسلوكية واضطراب في الشعور بالذات، ومن أعراضه الشائعة الهلوسة، وهي سماع أصوات أو رؤية أشياء غير موجودة، والوُهَام، أي ترسّخ معتقدات مغلوطة في النفس والتشبّث بها.

ووفق منظمة الصحة العالمية، يؤثر الفصام على أكثر من 21 مليون شخص حول العالم، ويخلّف حالات إعاقة كبيرة، ويمكن أن يؤثر على أداء الفرد من الناحيتين التعليمية والمهنية.

وعن الهدف من البحث، أوضح الفريق أن الأدوية التي يتناولها المرضى للحد من تداعيات المرض لا تعمل بشكل جيد لدى جميع المرضى، ويمكن أن تسبب مجموعةً متنوعةً من الآثار الجانبية غير المرغوب فيها، تتضمن مشكلات التمثيل الغذائي، وزيادة خطر أمراض القلب والأوعية الدموية، والأرق.

ومن جانبها، تقول "أمنية رأفت" -أستاذ الطب النفسي للأطفال، بكلية طب قصر العيني بجامعة القاهرة- في تصريحات لـ"للعلم": إن أبرز أضرار أدوية الذهان تتمثل في شد العضلات وتشنُّجها ورجفة في اليد، بالإضافة إلى زيادة مشاعر القلق والتوتر، ناهيك بالرغبة في الحركة وعدم القدرة على الجلوس في مكان واحد لمدة طويلة، وكثرة النوم والخمول، وزيادة الشهية، والتأثير على هرمونات الجسم، ومعدلات حرق الدهون، ما ينذر بزيادة معدلات السكر في الدم، وزيادة الوزن.

الأيض الدماغي

وللوصول إلى غايتهم، أجرى الفريق 3 دراسات منفصلة، بحثت الأولى عن الاختلافات في عملية الأيض الدماغي أو التمثيل الغذائي بالدماغ بين 81 من المصابين بالفصام و91 من الأصحاء، وكان متوسط أعمار المشاركين 22 عامًا، وكان 58٪ منهم من الرجال.

والأيض الدماغي  (Brain Metabolism)هي عملية يحتاج إليها الدماغ للحفاظ على توازنه، والسيطرة على آلية عمل الخلايا العصبية والهرمونات، وجزيئات التغذية العصبية، والمواد الكيميائية الأخرى الخاصة بالدماغ.

واستخدم الباحثون فحص الرنين المغناطيسي الطيفي (MRS) لقياس 5 مناطق في الدماغ لدى الأشخاص الذين يعانون من الفصام، ومقارنتها بمثيلاتها لدى أقرانهم من الأصحاء.

هذا الفحص كشف أن هناك اختلافات في مستويات بعض المواد الكيميائية بالمخ، بما في ذلك الناقلات العصبية التي يُطلق عليها الجلوتامات، بين مرضى الفصام والأصحاء؛ إذ وجد الباحثون أن مرضى الفصام لديهم 4٪ أقل من الجلوتامات الكيميائية في الدماغ في منطقة القشرة الحزامية الأمامية من الدماغ ACC، مقارنةً بنظرائهم الأصحاء.

وتقوم الجلوتامات الكيميائية بإرسال الرسائل بين خلايا الدماغ، وقد يُسهم حدوث اضطراب في مستويات هذه المواد في الإصابة بالفصام، لذلك تضاف هذه النتائج إلى الأدلة التي تشير إلى أن مستويات الجلوتامات لها دور في الاصابة بالمرض.

بالإضافة إلى ذلك، وجد الباحثون انخفاضًا بنسبة 3٪ في الجلوتاثيون الكيميائي في قشرة الدماغ الحزامية الأمامية و8٪ في المهاد لدى مرضى الفصام مقارنةً بالأصحاء، ويتكون الجلوتاثيون من ثلاثة جزيئات صغيره، أحدها الجلوتامات.

ووفق الدراسة، تقوم عملية الأيض الدماغي عادةً بتنظيم مستويات الجلوتامات والجلوتاثيون في الدماغ لدى الأشخاص الأصحاء، لكن مرضى الفصام يعانون من اضطراب في إدارة مستوياتهما وتخزين الجلوتامات واستدعائها وفق الحاجة، لذلك بحث الفريق في طريقة لعمل هذا التوازن.

ونظرًا إلى أن الجلوتامات هي اللبنة الأساسية للجلوتاثيون، بحث العلماء فيما إذا كان الدماغ قد يستخدم الجلوتاثيون كوسيلة لتخزين الجلوتامات الزائدة، وبحثوا أيضًا في إمكانية استخدام الأدوية المعروفة لإدارة هذا التوازن عن طريق إطلاق الجلوتامات المخزن عندما لا تكون مستوياته كافيةً في الدماغ، أو تخزينه إذا كان فائضًا عن حاجته.

ولمحاكاة ما يحدث في أدمغة مرضى الفصام من نقص للجلوتاثيون، أجرى الفريق الدراسة الثانية، باستخدام عقار بوتيونين سلفوكسيمين (Buthionine sulfoximine) لتقليل مستويات الجلوتاثيون عن طريق كبح إنزيم يحول الجلوتامات إلى جلوتاثيون في خلايا أدمغة الفئران، فيما يشبه تحويل خلايا الدماغ إلى نمط مشابه لذلك الموجود في أدمغة المصابين بالفصام.

بعد ذلك، أراد الباحثون معرفة ما إذا كان بإمكانهم فعل عكس ذلك، للحصول على مزيد من الجلوتامات المخزنة في شكل الجلوتاثيون، وقد استخدموا مركب "السلفورافان" الموجود في براعم البروكلي، والذي يُعرف بأنه يعمل عبر جين ينتج مستويات أكبر من إنزيم يلصق الجلوتامات بجزيء آخر لصنع الجلوتاثيون.

لأن "السلفورافان" غيّر اختلال الجلوتامات في أدمغة الفئران وأثر على كيفية نقل الرسائل بين خلايا الدماغ، فقد أراد الباحثون اختبار ما إذا كان بإمكانه تغيير مستويات الجلوتاثيون في أدمغة الأصحاء من البشر، ومعرفة ما إذا كان يمكن أن يمثل هذا في النهاية إستراتيجيةً علاجيةً للأشخاص من ذوي الاضطرابات العقلية.

ولهذا أجروا الدراسة الثالثة على 9 متطوعين أصحاء (4 نساء، و5 رجال)، وأعطوهم يوميًّا ولمدة سبعة أيام كبسولتين مقدارهما 100 ميكرومول من مكملات "السلوفورافان" المستخلصة من برعم البروكلي.

ولقياس تأثير تلك الكبسولات، استخدم الباحثون فحص الرنين المغناطيسي الطيفي لمراقبة مستويات الجلوتاثيون في 3 مناطق في الدماغ لدى المتطوعين الأصحاء قبل تناول "السولفورافان" وبعده. ووجدوا أنه بعد سبعة أيام، كانت هناك زيادة بنسبة 30٪ في متوسط مستويات الجلوتاثيون في أدمغتهم.

وسيلة آمنة

توماس سيدلاك، أستاذ مساعد الطب النفسي والعلوم السلوكية، وقائد فريق البحث يقول إن نتائج دراساتهم الثلاث توصلت إلى طريقة جديدة لفهم الدور الذي تؤديه النواقل العصبية الرئيسية في المخ، وعملية الأيض الدماغي في الإصابة بالفصام.

وفي حديث لـ"للعلم"، أضاف "سيدلاك"، أن الأبحاث أثبتت أن مركب "السلوفورافان" قد يكون علاجًا مستقبليًّا لتحسين عملية أيض الدماغ، كما أنه يعمل كمضاد للأكسدة، بالاضافة إلى أنه يحسِّن مستويات "الجلوتاثيون" في الدم والدماغ، الذي يُعَد بدوره "أحد مضادات الأكسدة الرئيسية وجزيئات إزالة السموم".

وأوضح أن النتائج تعزِّز الأمل في أن تناوُل مكملات برعم البروكلي التي تحتوي على مستويات عالية من "السلفوروفان" الكيميائي، قد يوفر في يوم من الأيام وسيلةً آمنةً لخفض جرعات الأدوية التقليدية اللازمة لإدارة أعراض الفصام، وبالتالي تقليل الآثار الجانبية غير المرغوب فيها لتلك الأدوية.

لكنه استطرد أن هناك حاجة إلى إجراء مزيد من البحوث لمعرفة ما إذا كان مكمل "السلفورافان" يمكن أن يقلل من أعراض الذهان أو الهلوسة عند المصابين بالفصام، وسيحتاجون إلى تحديد الجرعة المُثلى ومعرفة المدة التي يجب أن يأخذها الناس لمراقبة التأثير.

ولأن هذه الدراسات تُعَد أولية؛ إذ أُجريت على عدد صغير من المشاركين، فإن الفريق سيستخدم نتائجها لإجراء مزيد من الدراسات المستقبلية على عدد أكبر من البشر، مشيرين إلى أن دراساتهم لا تبرر أو تثبت قيمة استخدام مكملات "السلفورافان" المتاحة تجاريًّا لعلاج مرض الفصام أو الوقاية منه، ويجب على المرضى استشارة أطبائهم قبل تجربة أي نوع من المكمِّلات دون وصفة طبية.

علامة فارقة

من جانبها، قالت "أمنية رأفت" إن هذه النتائج تمثل علامةً فارقةً في إستراتيجية علاجات مرض الفصام، إذا تم تأكيدها على عينات أكبر من المرضى، وتقيهم من الآثار الجانبية الخطيرة لأدوية الأمراض النفسية.

وأوضحت أن الدراسة أثبتت أن مكملات "السلفورافان" تزيد من مستويات الجلوتامات الكيميائية في الدماغ، وينجم عن تلك الزيادة تقليل معدل احتراق الخلايا العصبية في المخ، الذي يسببه نقص الجلوتامات، أحد مكونات الجلوتاثيون في أدمغة مرضى الفصام.

وأشارت إلى أنه وفقًا للنتائج، فإن مكملات البروكلي يمكن أن تقلل حدة أعراض مرض الفصام، مثل الضلالات والهلاوس واضطراب التفكير، بالإضافة إلى اضطراب استقبال المؤثرات الخارجية، والتدهور في العمل، وذلك إذا ثبتت فاعليتها على مجموعات كبيرة من المرضى.

الأغذية الوظيفية

"عبد الرحمن رجب" -أستاذ التغذية وعلوم الأغذية بكلية التربية النوعية بجامعة عين شمس- قال: إن البروكلي ينتمي إلى العائلة الصليبية التي تضم العديد من النباتات، مثل الكرنب والقنبيط وكرنب السلطة واللفت والفجل، والتي تتميز باحتوائها على مركبات مهمة جدًّا لصحة الإنسان.

وأضاف لـ"للعلم" أن البروكلي يُعَد من الأغذية الوظيفية، لما يحتويه من مركبات مضادة للأكسدة، أهمها مركبات الجلوكوزينيلات Glucosinolate، التي تعتبر المصدر الرئيسي للعديد من المركبات الكيميائية الفعالة، مثل "السلفورافان" (sulforaphane)، والإيزوثيوسيانات (Isothiocyanates)، والتي يصنعها النبات في المقام الأول للدفاع عن نفسه ضد الآفات والأمراض التي تهاجمه، خاصةً في مراحل نموه الأولى.

ورأى أن الدراسة تبرز أهمية تغيير النمط الغذائي والاعتماد على تناول الأغذية الصحية أو ما يسمى بالأغذية الوظيفية، وهي التي تسهم -بجانب وظيفتها التغذوية- بوظيفة صحية وقائية، خاصة الخضراوات والفواكه التي تحتوي على الألياف الغذائية بجانب المركبات الفعَّالة بكميات كبيرة وآمنة لجسم الإنسان، بدلًا من تناوُل الأدوية والعقاقير أو حتى المكملات الغذائية.

وعن سبب اختيار البراعم كمصدر للسلفورافان، أوضح "رجب" أنها تُعَد مصدرًا رئيسيًّا لهذا المركب؛ لأن محتوياتها منه تزيد عن نبات البروكلي الكامل بـ30-50 مرة، وذلك كي تتمكن تلك البراعم الصغيرة من حماية نفسها من الآفات.

وأوضح أن تلك النباتات من العائلة الصليبية تحتوي على كمية كبيرة من الأحماض الأمينية الكبريتية، مثل حمض "الميثيونين" الذي يتحول فيما بعد إلى مركبات السلفورفان، وقد ذكرت الدراسة دوره الرئيسي في الوقاية من مرض الفصام من خلال الإسهام في تنشيط تحوُّل الحمض الأميني الجلوتوميك (الجلوتومات) إلى الجلوتاثيون، الذي يعمل على تنشيط خلايا المخ وتقليل آثار الأمراض النفسية.

واعتبر أن تناوُل مثل هذه الأغذية يعمل على تقليل المتناول من أدوية الفصام، التي لا تفيد في جميع الحالات، كما أن لها تأثيرات جانبية غير مرغوب فيها، مثل مشكلات التمثيل الغذائي التي تزيد من مخاطر القلب والأوعية الدموية، وفي بعض الأحيان تصل إلى الصرع.

وعن فوائده العلاجية الأخرى، نوه "رجب" بأن السلفورافان يؤدي دورًا في الوقاية من أمراض، مثل الأمراض السرطانية وألزهايمر والسكري وتصلب الشرايين وأمراض الجهاز التنفسي والاضطرابات العصبية وأمراض القلب والأوعية الدموية، كما يعمل كمضاد للميكروبات المرضية التي تصيب القولون.