نجح فريق علمي من جامعة "ستانفورد" في ابتكار مُسرع جسيمات ثوري جديد، لا يزيد حجمه عن حجم شريحة سيليكون واحدة بطول 30 ميكرومترًا (كل متر واحد يحتوي على مليون ميكرومتر)، وبقُطر لا يتجاوز قُطر شعرة الإنسان!

ومسرِّع الجسيمات عبارة عن جهاز يُستخدم لإعطاء كمية كبيرة من الطاقة للجسيمات الذرية كالبروتونات والنيوترونات والإلكترونات، بهدف دراسة تلك الجسيمات أو تكوين مواد جديدة، أو حتى لاستخدامها في علاج السرطان عن طريق الإشعاع.

في مسرِّعات الجسيمات الحالية، يتم نقل الجسيمات وإكسابها الطاقة داخل أنابيب طويلة ومفرغة من الهواء. ويُستخدم المُسارع الموجود في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية "سيرن" مغناطيسات كهربائية فائقة التوصيل لإعطاء الجسيمات المراد فحصها طاقةً عاليةً تجعلها تقترب من سرعة الضوء.

تحتاج الجسيمات بطبيعة الحال إلى مسارات طويلة لكي تكتسب الطاقة وتتسارع وصولًا إلى تلك السرعة المهولة، ما يجعل المسرِّعات الجسيمية كبيرة الحجم وضخمةً للغاية، وهو الأمر الذي يُصعب استخدامها للأغراض البحثية، ويَزيدُ من تكاليف صيانتها والاعتناء بها.

وحاول العلماء عبر العقود الماضية تصغير حجم مُسرعات الجسيمات، وقد نجح العلماء في ابتكار مُسرِّع يبلغ طوله مترين فقط، غير أن فريق جامعة ستانفورد نجح في تقليص حجم أصغر المسرِّعات المعروفة بحوالي 66 ألف مرة كاملة!

تقول الورقة المنشورة في دورية "ساينس" (Science)، إن العلماء قاموا بتصميم آلية جديدة كُلِّيًّا لتسريع الإلكترونات عبر قناة مُفرغة من الهواء يبلغ طولها 30 ميكرومترًا فقط، وقُطر لا يزيد عن قُطر شعرة إنسان، وهو الأمر الذي يجعل نظام التسريع يدمج في شريحة سيليكون واحدة من تلك الشرائح الموجودة في الهاتف المحمول.

واستخدم العلماء أشعة الميكروويف لتسريع الإلكترونات، عوضًا عن استخدام المغناطيسات القوية التي تستخدمها المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية.

في التصميم الجديد، تتدفق الإلكترونات في القناة المفرغة، ويتم تحويل مسارها إلى أسلاك سيليكون مثبتة داخل الشريحة، ثم يجري حثها باستخدام أشعة ليزر تنبض من جهاز بتردد يبلغ 100 ألف مرة في الثانية الواحدة. في كل مرة، يرسل الجهاز موجةً من الفوتونات لضرب الإلكترونات المُراد تسريعها بالزاوية الصحيحة تمامًا، والتى يتم تحديدها سلفًا باستخدام برنامج حاسوبي مُخصص لتلك العملية.

وحين تضرب الفوتونات الإلكترونات، تُكسبها طاقةً عالية، تتسبب في تسريعها لتقترب من سرعة الضوء، وهو الهدف الأساسي لأي مُسرع جسيمات.

يقول المؤلف الأول للدراسة "نيل سابرا" في تصريحات لـ"للعلم": "إن هذا المُسرع ليس جاهزًا بعدُ للاستخدام العملي، ففي الوقت الحالي يستطيع العلماء إعطاء الإلكترونات دفقةً من الطاقة تُقدر بنحو 0.915 كيلوفولت، وهي كمية من الطاقة أقل بـ1000 مرة مما هو مطلوب لإجراء الأبحاث أو للتطبيقات الطبية، إلا أن الفريق البحثي أراد إثبات أن مفهوم تقليص مسرِّعات الجزيئات يُمكن أن يعمل بكفاءة تقترب من المسرعات الضخمة".

يضيف "نيل" أن "ذلك الإنجاز يوفر منصةً لرفع التقنيات إلى مستوى تُصبح فيه التطبيقات عملية؛ إذ إن تلك هي المرة الأولى التي تُستخدم فيها أشعة الليزر المرئية والأشعة تحت الحمراء لتسريع الإلكترونات في الفضاء الحر، كما أن حجم المسرِّع الجديد يُعَد علامةً بارزة رئيسية في نقل تقنية تسريع الجسميات إلى مستوى آخر يمكِّن الباحثين في كل مكان من إجراء مثل تلك التجارب بتكاليف زهيدة لا تُقارن أبدًا بتكلفة إجراء التجارب داخل المُسرِّعات الضخمة".

ما الذي يمكن أن يكون مُفيدًا في ابتكار مسرِّع الجسيمات بحجم رقاقة؟ يقول الباحثون إن التطبيق الأول يمكن أن يكون في علاجات السرطان المستهدفة. فعلى سبيل المثال، يمكن إدخال المسرع الجديد في خلايا المريض وتوجيهه مباشرةً إلى الورم، ومن خلال الجهاز يتم تسريع الإلكترونات عبر المسرع لضرب الخلايا السرطانية مباشرةً دون إصابة الخلايا الصحية القريبة.

بحلول نهاية العام الجاري، سيقوم الباحثون برفع مستوى الطاقة إلى الكمية اللازمة لإجراء التجارب العلمية، وقد يستلزم ذلك زيادة طول المسرع إلى حوالي 2.4 سنتيمتر. يقول "نيل" إن النجاح في ذلك الأمر سيشكل "نقلةً جديدةً في عالم المسرعات الجسيمية"، وهو الأمر الذي سيضفي "طابعًا ديموقراطيًّا على التجارب"؛ إذ سيستطيع العلماء من جميع أنحاء العالم إجراء التجارب ومناقشتها بصورة أكبر، "فسوف تكون الأداة مطروحة بشكل يُسهِّل للباحثين الحصول عليها"، وهو الأمر الذي سيُسهم في رفع الوعي وزيادة التطبيقات التي ستكون مفيدةً في علاجات السرطان والتصوير الطبي وغيرها من التطبيقات في علوم المواد.