أظهرت تجربة ميدانية أُجريت على دوري كرة قدم للهواة في شمال العراق أن التواصل القائم على ممارسة الرياضة قد حسّن من سلوكيات اللاعبين المسيحيين تجاه أقرانهم المُسلمين.

سَعَت الدراسة -التي أجرتها سلمى موسى، الباحثة بجامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا- إلى تقييم ما إذا كان التواصل بين أفراد المجموعات المختلفة يمكن أن يخلق التلاحم الاجتماعي في شمال العراق في حقبة ما بعد زوال تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، وذلك عن طريق تحليل فرضية الاتصال، وهي نظريةٌ في علم النفس تشير إلى إمكانية الحدّ من التحيُّزات الاجتماعية بين المجموعات من خلال تفاعلات مُثمِرة بين أفراد تلك المجموعات. وعادةً ما تُستخدَم فرضية الاتصال كركيزة لإستراتيجيات بناء السلام، غير أنه لم يتضح بعدُ ما إذا كان يمكن خلق تغيير سلوكي واقعي دائم من خلال التواصل بين أفراد المجموعات أم لا، خاصةً في أعقاب فترة حرب.

في تلك الدراسة، استعانت سلمى بأربعة دوريات كرة قدم موزّعة على فترتين وعلى المواقع المشمولة بالدراسة؛ إذ اختارت عشوائيًّا مسيحيين هُجِّروا من مواطنهم على يد داعش للمشاركة في فرق جميع أفرادها من المسيحيين، أو أخرى يختلطون فيها بثلاثة لاعبين مسلمين في الفريق نفسه خلال فترة الدوري التي امتدّت لشهرين. ومن أجل تقصّي التلاحم الاجتماعي بين المجموعات، ركّزت سلمى موسى على تفاعلات اللاعبين المسيحيين مع أقران لا ينتمون إلى مجموعتهم وآخرين غرباء لا ينتمون إلى مجموعتهم كذلك. وكشفت نتائج دراسة التفاعل بين اللاعبين على أرض الملعب عن سلوكيات يسودها التسامح مع زملاء الفريق المسلمين أو الزملاء في فرق أخرى من فرق الدوري، في حين ركّزت النتائج المعنية بالتفاعل خارج الملعب على السلوكيات تجاه المسلمين خارج إطار التفاعل الذي تفرضه الدراسة.

وكشفت الدراسة أن الفرق المختلطة شهدت تحسُّنًا مُستمرًّا على صعيد سلوكيات أفرادها داخل الملاعب. فقد كان المسيحيون الذين لهم زملاء مسلمون في الفريق أكثر ميلًا إلى معاملة أقرانهم المسلمين بروح رياضية، وتسجيل أسمائهم في فرق مختلطة في الموسم المقبل، والتدريب مع زملاء مسلمين لفترات امتدّت ستّة أشهر بعد انتهاء التفاعُل الذي فرضته التجربة. وقدّمت الدراسة المزيد من الأدلة النوعية على التأثير الإيجابي الذي تمخّض عنه تواصل اللاعبين بعضهم مع بعض، بما في ذلك تكوين علاقات صداقة بين أفراد المجموعات.

وسلطت هذه الدراسة الضوء على صعوبات بناء التلاحم الاجتماعي، وكذلك على القيود المحتملة التي تعوق التفاعل بين أفراد المجموعات المختلفة بعد الحرب؛ إذ إن التغيّرات السلوكية لم تمتد لتصل إلى سياقات اجتماعية خارج حدود ملاعب كرة القدم في أوساط المسلمين الغرباء، من قبيل تردُّد أفراد مسيحيين على مطعم يمتلكه شخص مسلم، أو حضور فعالية اجتماعية مختلطة.

تقول سلمى موسى إن ثمة أملًا يتجسّد في الأنشطة الأهلية التي ترمي إلى تحسين التفاعلات اليومية بين الأفراد، ولكنّها تشير إلى أن تلك الأنشطة في حاجة إلى تغييرات سياسية كي تُثمِرَ تأثيرًا مهمًّا ودائمًا. تقول موسى: "إن التواصل ليس عصا سحرية من شأنها تحسين العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجموعات المختلفة، لا سيّما إذا لم تُجفف المنابع الأساسية للصراع أو تستأصل جذوره".

تقول سارة هيلير، مديرة مركز الرياضة والسلام والمجتمع بجامعة تينيسي: إن هذه النتائج ذات أهمّية بالغة؛ إذ تُنفَق مليارات الدولارات حول العالم على برامج صنع السلام التي ينصبُّ تركيزها على الاحتكاك بمجموعات من الأغراب، ولكنها تشير إلى أن دراسات جديدة بازغة توضح من خلال نظريات راسخة أن الاتصال لا يمثل سوى الخطوة الأولى. وتقول هيلير: "سيحقق المشاركون أقصى استفادة من احتكاكهم بـ"الآخر"، إذا كانوا يمتلكون أيضًا المعارف والمهارات الجديدة اللازمة، مثل التعاطف، والتواصل غير العنيف، والتفكير العميق، ومن ثم يمكنهم الانخراط في سياق المساحات الآمنة جسديًّا، وعاطفيًّا، ونفسيًّا، لا سيّما عبر تمثيل الأدوار، والسيناريوهات، والمناقشات الجماعية".

Mousa, S. Building social cohesion between Christians and Muslims through soccer in post-ISIS Iraq. Science 369, 866-870 (2020).