انتشار العنف النفسي والجسدي بين طلاب المدارس مشكلة تأخذ أبعادًا أكبر يوم بعد يوم. فالإساءات اللفظية والتهميش والاستقواء البدني والترهيب الإلكتروني، كلها أشكال من الإيذاء يطلق عليها التنمر. ويكون لهذا الإيذاء أثر نفسي على الطفل يمتد لمراحل متقدمة من العمر، وقد يتسبب في الإصابة بأمراض مزمنة، أو يقود إلى الانتحار في بعض الأحيان كما يؤكد باحثون.

فوفق دراسة لرابطة العلوم النفسية، يقود التنمر في مرحلة الطفولة إلى مخاطر صحية طويلة الأمد في البلوغ، إذ تؤثر العوامل النفسية على صحة القلب والأوعية. وقد تتبعت الدراسة التي نُشرت في دورية "علم النفس" التابعة لرابطة العلوم النفسية، مجموعة من 300 رجل أمريكى من البيض والسود في النصف الأول من الثلاثينيات من عمرهم، وأظهرت أن ضحايا التنمر في مرحلة الطفولة عانوا آثارًا سلبية في مرحلة البلوغ.

وأوضحت الدراسة المنشورة نهاية أبريل الماضي -والتي قادتها كارين إيه ماثيوز، الباحثة في جامعة بيتسبرغ- أن معظم الرجال الذين تعرضوا للعنف والتنمر في مرحلة الطفولة كانوا أكثر عرضة لتدخين السجائر، وإدمان الماريجوانا، نظرًا للتجارب الصعبة التي مروا بها. كما لاحظ الباحثون خلال متابعتهم لحالات بعينها على مدى 20 عامًا ميل المتنمرين لأن يكونوا أكثر عدوانية، أما مَن تعرضوا للتنمر فتطورت لديهم مشكلات جسدية؛ لشعورهم بأنهم لم يتم التعامل معهم بشكل عادل، كما كانوا أقل تفاؤلًا بشأن مستقبلهم.

وربط البحث التعرض للتنمر بالإصابة بإجهاد نفسي من قبيل الغضب والعدوانية، وبالتالي زيادة المشكلات الصحية مثل النوبات القلبية والسكتة الدماغية وارتفاع ضغط الدم، وعلَّل ذلك بأن العنف يقود إلى تفاعلات مرهقة بين المتنمرين وضحاياهم .

وتشير النتائج إلى أن تحديد الأطفال المعرضين لخطر التنمر والتدخل المبكر للحيلولة دون ذلك، قد يؤدي إلى فوائد صحية ونفسية طويلة الأمد حتى في مرحلة البلوغ.

وأوردت الدراسة نماذج لما يعانيه الطفل المُعتدَى عليه، إذ ذكر أحد مَن شملهم البحث أنه كان من الصعب عليه التركيز عندما يتحدث المعلم؛ فكل تفكيره في ما يمكن أن يفعله الفتوة بعد انتهاء الفصل الدراسي. وأشارت إلى أن "أكثر من 40٪ من الأطفال يتأثر أداءهم الأكاديمي بالتنمر، كما أن كلًّا من ضحايا العنف وممارسيه يحتاجون إلى المساعدة للتوقف عن التنمر".

حملات ضد التنمر

وتوضح مها نونو -المستشار التربوي ومؤسس شركة المربي الواثق- لـ"للعلم" أنه رغم وضوح هذه القضية في المدارس وتأثيرها على الطلاب إلا أنها لا تحظى باهتمام علمي، فلا نجد مثلًا أبحاثًا تطبيقية في هذا المجال، كما لا نجد الإعلام يؤدي دورًا في التوعية والتوجيه". لا بد أن تكون المدرسة بيئة آمنة للطفل من خلال توفير عدد من المشرفين في الأماكن التي يمكن أن يحدث فيها التنمر. كما يتوجب تعليم الطفل المهارات الاجتماعية التي تمكِّنه من تكوين صداقات حتى لا يتسنى لأحد الانفراد به، وكذلك تعليمه مهارات الدفاع عن النفس وتعزيز الثقة بالنفس. ومن الضروري كذلك ملاحظة الأهل لسلوكيات أبنائهم ومتابعتهم مع المدرسين.

وتشرح نونو أن التنمُّر يعني تركيز طفل على مضايقة طفل آخر أو مجموعة على مضايقة مجموعة أخرى على نحو متكرر، سواء كانت مضايقات لفظية أو بدنية، أو رفض اللعب معه، أو السخرية من مظهره أو ممتلكاته، مما يسبب أذى نفسيًّا. وفي أغلب الأحيان يشعر الضحية أنه ضعيف وغير قادر على الدفاع عن نفسه، مما يعرضه للتنمر مرة أخرى ومرات. أما لو عبَّر الضحية عن رفضه لما يحدث معه أو أمسك بيد المتنمر فسيتوقف هذا السلوك.

ووفقًا لما سبق ذكره، ترى نونو أن الطفل المُعتدِي أيضًا لديه العديد من الاحتياجات، مثل الاحتياج إلى تكوين صداقات وتفريغ شحنة العنف التي غالبًا ما يتعرض لها من والديه أو إخوته، لذا فأسرته تحتاج إلى تأهيل وتعلُّم كيفية التعامل معه، بالإضافة إلى احتياج الطفل لتنمية مهاراته الاجتماعية.

التنمر في العالم العربي

ويُعَدُّ الاهتمام بالتنمر المدرسي في العالم العربي ظاهرة حديثة، وتشير دراسات حول البلطجة المدرسية في العالم العربي إلى معدلات متباينة، إذ أفاد 20.9٪ من المراهقين في المدارس المتوسطة في الإمارات العربية المتحدة بأنهم يرتكبون البلطجة، مقابل 31.9٪ في المغرب، و 33.6٪ في لبنان، و 39.1٪ في عمان، و 44.2٪ في الأردن.

وأثر التنمر على الضحية ليس نفسيًّا فحسب، بل يمكن أن يكون جسديًّا. ففي عام 2012 دفع الأولاد زميلتهم لُجين حسين 13 عامًا على حائط في إحدى مدارس أبو ظبي، مما تسبب لها في غيبوبة استمرت عامين؛ إذ أدى الحادث إلى نزيف في المخ، فقدت بعده جزءًا من بصرها، ولن تكون قادرة على القيادة.

 هذا لا يعني أن الأثر النفسي تافه، فضحايا التنمر أكثر عرضة لمجموعة من الاضطرابات النفسية، مثل اضطراب ما بعد الصدمة واضطرابات القلق الاجتماعي، كما أنهم أكثر عرضة للأفكار الانتحارية.

فكما نقول أن الحجارة يمكن أن تحطم عظامك، لكن الكلمات يمكن أن تكسر روحك.

ففي عام 2014 أطلق مصطفى السيسي 16 عامًا حملة لمكافحة التنمر باسم (الباحثين عن النصيحة في المدارس المصرية) لمساعدة الأطفال الذين يتعرضون للتنمر في مدارسهم ولا يعترفون بذلك، بعد ما انتحرت ياسمين صديقته عام 2008؛ إذ كان أصدقاؤها يلقبونها بـ(التخينة) وبعد ما كان يتعرض له هو أيضًا من عنف في طفولته، وقام بالعديد من حملات التوعية في المدراس والجامعات بالقاهرة.

وكشفت دراسة أجراها المركز الوطني للبحوث الاجتماعية والجنائية في عام 2008 أن 30% من تلاميذ المدارس المصرية يتعرضون للعنف، وأن 80% من الحالات تكون من طفل إلى آخر.

معًا لمنع التنمر

"لو كان ابنك يتنمر على الآخرين، اجلس معه وتحدث بلهجة هادئة"، هذا ما ينصح به خبراء على موقع بارينتس كيدز بروبليم، ويتابع: عليك أن تسأل الطفل عما حدث ولماذا تصرف هكذا، كن مستمعًا جيدًا وتجنب اللوم. عليك بطرح الأسئلة لمساعدته على فهم كيف يؤثر سلوكه على الآخرين: هل هذا من الاحترام؟ هل أضر أحدًا؟ هل يريد أن يتعرض لمثل هذا السلوك؟"، هذا ما اقترحه والتر روبرتس، أستاذ التعليم والمستشار في جامعة ولاية مينيسوتا، مانكاتو.

من المهم متابعة سلوكيات الطفل والقضاء على السلبي منها من خلال العقاب عن طريق إبعاده عن شيء يعتز به، مثل منعه من استخدام الهاتف والحد من مشاهدة التلفاز أو لعبة فيديو يحبها، أو منعه من المشاركة في نزهات ورحلات الأسرة أو المدرسة، أو تحويل موقف التنمر إلى موقف للتعلم، من خلال مناقشة الطرق الإيجابية التي يمكن أن يتعامل بها عند التعرض لنفس الموقف، وأن يكتب رسالة اعتذار لصديقه.

وتضيف ابتسام ربيع: لا توجد مدرسة في مصر تضع مشكلة التنمر ضمن أولوياتها، بل إن معظم المشرفين الاجتماعيين بالمدارس غير مؤهلين. وفي حالة حدوث مشكلة، يقومون بتهديد المتنمر باستدعاء ولي أمر أو بالفصل، ويقدمون للضحية المواساة، وحينما يأتي أولياء أمور المعتدي والضحية للمدرسة لا يتم توجيههم للطريقة التي يجب علاج المشكلة من خلالها، بل يتركون لهم حرية التصرف مع أبنائهم في البيت. وعادة ما يقوم والد المعتدي بعقابه بالضرب الشديد، ووالد الضحية بتعنيف ابنه وتوجيهه لأن يكون متنمرًا أيضًا، مما يمثل ضغطًا نفسيًّا كبيرًا على الطفل".

وقد نشر موقع كولورادو إديوكاشن النصائح التالية حتى تصبح المدرسة بيئة إيجابية وآمنة لكل الطلبة:

القضاء على سلوكيات التنمر بين التلاميذ داخل المدرسة وخارجها.

بناء علاقة جيدة بين الطلبة داخل المدرسة.

تفعيل المتنمر في مساعدة الطلاب الذين يتعرضون للتنمر.

توفير عدد كاف من البالغين خلال فترة الغداء، والعطلة، والفواصل، وسرعة التدخل في النزاعات الطلابية.

إشراك أولیاء الأمور والطلاب في وضع قواعد ضد التنمر.

الثناء والاهتمام للسلوك الإيجابي، والمعاقبة للسلوك غير المرغوب فيه.

تحذیر المعتدي أن سلوكه المستقبلي سيكون تحت المراقبة.