لطالما ارتبطت ذكريات الطفولة لدى كثير منَّا بالخروج إلى الحقول المفتوحة بحثًا عن النحل الطنان، لكن يبدو أن تلك الذكريات لم تعد قابلةً للتكرار في أيامنا هذه، وفق دراسة نشرتها مجلة "ساينس" (Science) اليوم "الخميس"، 6 فبراير.

تحذر الدراسة، التي أعدها باحثون في جامعة "أوتاوا" الكندية، من أن "أعداد النحل الطنان تشهد تراجعًا كبيرًا يقدر بـ30٪؛ بسبب عدم قدرة هذه الأنواع على التكيُّف مع فوضى تغيُّر المناخ، متوقعةً أن "يواجه العالم في المستقبل سيادة أنواع نحل أقل إنتاجيةً وقدرةً على التلقيح".

وتشير نتائج الدراسة إلى أن معدلات التراجُع الحالية في أعداد النحل الطنان -الذي يُعَد أحد أفضل الملقحات في الموائل الطبيعية البرية وأكثر الملقحات فاعليةً لعدد من المحاصيل مثل الطماطم والاسكواش والتوت- تتماشى مع ظاهرة "الانقراض الجماعي السادس"، التي يحذر منها الباحثون بسبب تغيُّر المناخ، والتي توصف بأنها أكبر وأسرع أزمة عالمية تهدد التنوع البيولوجي منذ انتهاء عصر الديناصورات.

يقول "بيتر سوروي" -الباحث في قسم البيولوجيا في جامعة "أوتاوا"، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": لقد شرعنا في محاولة فهم العلاقة بين تغيُّر المناخ والتدهور في أعداد كثير من الكائنات في جميع أنحاء العالم. لقد ثارت لدينا شكوك بأن الظروف المناخية الفوضوية التي يسببها تغيُّر المناخ بشكل متزايد في الفترة الأخيرة، مثل موجات الحر والجفاف التي تزداد تواترًا، والتي تؤدي إلى حرائق الغابات المدمرة في أستراليا في الوقت الحالي، يمكن أن تصل إلى درجة لا يمكن لكثير من الأنواع التكيُّف معها.

باستخدام النحل الطنان في أمريكا الشمالية وأوروبا كدراسة حالة، اختبر الباحثون شكوكهم، ووجدوا أن النحل الطنان قد اختفى بشكل كبير عبر هذه القارات، وأن هذه الانخفاضات كانت مرتبطة بقوة بتطورات التغيُّر المناخي كما توقعوا. وربما يكون الجزء الأكثر إثارةً في هذه الدراسة هو أن الباحثين أصبح لديهم الآن فهمٌ أكبر لكيفية تأثير تغيُّر المناخ على تراجُع أعداد النحل. كما امتلك الباحثون مجموعة من الأدوات التي تسمح لهم بمعرفة الأماكن التي شهدت مثل هذا الانخفاض في الماضي، والأماكن التي من المرجح أن تشهد تراجعًا في أعداد النحل الطنان في المستقبل.

يضيف "سوروي": كنا محظوظين بما فيه الكفاية لأن لدينا مجموعة ضخمة للغاية تضم أكثر من 500 ألف من عمليات رصد النحل الممتدة خلال مدة 115 عامًا (1900-2015) تشمل 66 نوعًا مختلفًا من النحل، ويمكننا استخدامها لمعرفة أماكن النحل في الماضي ومكان وجودها الآن.

توفر مجموعة البيانات الضخمة للفريق البحثي آلةً زمنيةً تسمح بالعودة في الوقت المناسب وتحديد الموائل التي اختفى منها النحل، والموائل التي تمكَّن من البقاء فيها، بالإضافة إلى المواقع الجديدة التي انتقل إليها النحل في هجراته المختلفة. كما يمكن استخدام هذه المجموعة من المعلومات والبيانات عن النحل الطنان في صنع طبقات من البيانات المناخية عالية الدقة لمعرفة الموائل التي كانت ترتفع فيها درجات الحرارة في السابق، وهل أصبحت أشد حرارةً من ذي قبل أم لا. كما يتيح استخدام بعض النماذج الإحصائية المتقدمة للباحثين ربط كل هذه المعلومات معًا ومعرفة ما إذا كانت حالات اختفاء النحل أكثر شيوعًا في الأماكن التي أصبحت أكثر حرارةً وتطرُّفًا أم لا.

يقول "سوروي": الأمر الرائع في هذا العمل أنه على الرغم من أننا اختبرنا أفكارنا على النحل الطنان، إلا أن كل الأدوات والتقنيات والنظريات التي نعرضها قابلة للتطبيق على نطاق أوسع أيضًا. لذلك يمكن استخدام الأدوات نفسها للمساعدة في إنقاذ الطيور أو الثدييات أو البرمائيات أو أي حيوان آخر يتأثر بتغيُّر المناخ.