تسببنا نحن البشر في انبعاث 35.9 مليار طن متري من ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي في عام 2014، وأغلب هذه الانبعاثات ناتج عن حرق الفحم والغاز الطبيعي في محطات توليد الكهرباء، ومصانع الأسمدة والإسمنت، إلى جانب العمليات الصناعية الأخرى. يقول ليندن آرتشر -المهندس الكيميائي بجامعة كورنيل-: إنه في حال تمكن الكيميائيون من احتجاز ثاني أكسيد الكربون وتحويله إلى عنصر أساسي كيميائي للاستعانة به في إنتاج منتجات أخرى، مثلما تفعل النباتات، عندها "لن يصير ثاني أكسيد الكربون شيئًا مزعجًا، بل سيتحول إلى هدية".

يحاول العلماء منذ سنوات تخزين ثاني أكسيد الكربون بعد احتجازه من المداخن بمحطات توليد الكهرباء وغيرها من مصادر الانبعاثات الأخرى، غالبًا عن طريق حقنه في أعماق الأرض. ولكن، وفي ظل عدم توفير دعم مالي كبير، ربما تكون عملية احتجاز الكربون -باهظة التكلفة هذه- عديمة الجدوى من الناحية الاقتصادية. وقد يكون حقن ثاني أكسيد الكربون في آبار النفط القديمة لاستخراج المزيد من النفط أحد التطبيقات المحتملة، بيد أنه غير كافٍ ومن غير الواضح ما إذا كان مجديًا أم لا، نظرًا لانخفاض أسعار النفط في الوقت الراهن. ويأمل أنصار نظرية الاستفادة من الكربون بدلًا من تخزينه في تحقيق أرباح من خلال إنتاج شيء ذي قيمة من خلال هذا المنتج الذي يُعَد من المخلفات. وتعتمد التطبيقات الأقرب للواقع على استخدام الغاز كمادة خام لتصنيع منتجات كيميائية، والذي من شأنه أيضًا أن يعود بالنفع من خلال استخدام منتج صديق للبيئة، عوضًا عن استخدام البتروكيماويات.

إلا أن هؤلاء يواجهون معضلة كيميائية؛ إذ إن جزيء ثاني أكسيد الكربون جزيء مستقر، ولا يخزن الكثير من الطاقة في روابطه الكيميائية. ولكي يتمكن الكيميائيون من استخدامه، عليهم إضافة طاقة إليه، غالبًا عن طريق التسخين، وهو ما سيتطلب استهلاك طاقة كهربائية. وأغلب هذه الكهرباء تُوَلَّد في محطات الطاقة التي تقوم بحرق الفحم أو الغاز الطبيعي، مما سيتسبب في إصدار المزيد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي بكميات قد تفوق ما تم احتجازه.

غير أن المهندسين والكيميائيين وباحثين آخرين يقولون إن التكنولوجيا الجديدة تُغيِّر المشهد. يأمل بول بونييه -عالِم أول بمجموعة الطاقة والبيئة التابعة لمؤسسة إكس برايز- في أن يساعد تخصيص جائزة كبرى لإيجاد حل لهذه المعضلة على تحفيز مجموعة متنوعة من العاملين في مجال التكنولوجيا. وستعلن المؤسسة قبل نهاية شهر يوليو عن تنافس أكثر من 40 فريقًا للحصول على جائزة قدرها 20 مليون دولار. سيُعلَن عن الفائز بجائزة "كربون إكس برايز" Carbon XPrize في ربيع عام 2020، وهو مَن سيتمكن من ابتكار تقنية تعمل على احتجاز أكبر كمٍّ ممكن من ثاني أكسيد الكربون وتحويله إلى منتج ذي قيمة صافية كبيرة. وتهدف بعض الفرق المتنافسة إلى تصنيع بوليمرات، أو وقود ليحل محل البنزين، أو مواد كيميائية صناعية.

وعلى المدى البعيد، ستستطيع جميع الشركات المختلفة التي تنتج أيًّا من المواد الكيميائية أن تقوم بإنشاء منظومة صناعية قادرة على الاستفادة من الكربون، وهذا من شأنه أن يُحدِث فارقًا. ويعلق بونييه على هذا قائلًا: إن مشكلة بحجم مشكلة التغير المناخي تحتاج إلى حلول متعددة.

يقول آرتشر -من جامعة كورنيل، وهو أيضًا أحد أعضاء اللجنة الاستشارية لجائزة "كربون إكس برايز"-: "السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: كيف سيستطيع العاملون في المجال الكيميائي ابتكار تفاعلات جديدة وآليات جديدة لاستخدام ثاني أكسيد الكربون كمادة خام؟"، وقد قدم آرتشر إجابة لهذا السؤال هذا الأسبوع في دورية "ساينس أدفانسيس" Science Advances ألا وهي خلية وقود تولد الكهرباء وفي الوقت نفسه تحول ثاني أكسيد الكربون إلى سلعة كيميائية. صنع آرتشر وتلميذه وجدي السادات نموذجًا أوليًّا لمفاعل يمزج ثاني أكسيد الكربون بالألومنيوم والأكسجين لينتج أوكسالات تُستخدَم في إنتاج الأحماض ومزيلات الصدأ وأصباغ الأقمشة، وصناعات كيميائية أخرى.

يعي آرتشر تمامًا التحديات التي ستواجهه في أثناء محاولة ابتكار كيمياء صديقة للبيئة باستخدام ثاني أكسيد الكربون، ويقول: "عادة ما نستهلك الكثير من الطاقة المكلفة بصورة تحول دون تطبيق التقنية، لكننا نحصل على الطاقة مرة أخرى، وهذا ما أدهشنا".

تعمل الخلية بالألومنيوم والهواء؛ ففي داخلها يتفاعل الأكسجين مع قطب كهربائي مصنوع من الألومنيوم لتكوين فوق أكسيد الألومنيوم شديد التفاعل القادر على التفاعل مع ثاني أكسيد الكربون –الذي لن يقبل التفاعل لولا هذه الخطوة الأولى من العملية- لينتجا أوكسالات الألومنيوم. ويقول آرتشر إن خلية الوقود تحتجز جزءًا من الطاقة الناتجة عن هذه التفاعلات الكيميائية، وعلى الرغم من أن التفاعل يحتاج إلى تيار كهربي لإتمامه، يبدو أن هذه العملية تنتج كميات من الكهرباء تفوق تلك التي تستهلكها. واختيار المعدن المناسب لاستخدامه في هذا التفاعل هو أحد أهم عوامل نجاحه؛ لأن المعدن هو العنصر المستهلك في هذا التفاعل. وقد استقر اختيار آرتشر على الألومنيوم لوفرته وقلة تكلفته. وعلى الرغم من أن إنتاج الألمونيوم يتسبب في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، يأمل آرتشر أن ينجح في احتجاز كمية كافية من الكربون على هيئة أوكسالات لسد هذه الثغرة.

ويحذر فريق العمل من جامعة كورنيل من أنه لا يستوعب تمامًا التفاعلات الكيميائية التي تتضمنها هذه العملية. على سبيل المثال، كانت النسخة الأولى من خلية الوقود تستخدم مادة باهظة التكلفة تسمى السائل الأيوني كمحلول للاستقطاب. ويرى آرتشر أنه إذا كانت هذه المادة تؤدي دورًا مهمًّا ولا يمكن الاستبدال بها فإن هذه التكنولوجيا قد لا تكون قابلة للتطبيق. الأوكسالات منتجات متخصصة، على غرار العديد من المواد الكيميائية التي تنتجها الشركات الناشئة التي تعمل على الاستفادة من الكربون، لكن بعض هذه الشركات لديه طموحات كبيرة. فمصنع سكايونيك التجريبي في سان أنطونيو بولاية تكساس يحتجز الانبعاثات الصادرة من مصنع للإسمنت ويحولها إلى حجر جيري وأحماض، أما شركة سوليدايا تكنولوجيز فتحتجز ثاني أكسيد الكربون في الخرسانة نفسها، وهناك العديد من الشركات الأخرى في مجالات مختلفة تعمل على إنتاج البلاستيك، والوقود البديل ومواد خام كيميائية.

يرى هوارد هيرزوج، دون الإشارة إلى مشروع بعينه، أن العديد من المصانع التي تَعِد باستغلال ثاني أكسيد الكربون المحتجز تبدو مثالية لدرجة تجعلها غير واقعية. وهيرزوج هو مهندس أبحاث أول بمبادرة الطاقة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وأحد المؤيدين لفكرة احتجاز الكربون. ويقول هيرزوج: "إن ثاني أكسيد الكربون يُعَد طاقة مهدرة"، والاستفادة منه في شكل سلع كيميائية أو طاقة، من دون استهلاك المزيد من الطاقة في أي مرحلة من مراحل دورة حياة الإنتاج أمر بالغ الصعوبة، ويقول: "لا يمكن تحقيق النجاح في هذا الأمر من حيث الطاقة، هذا ما يخبرنا به علم الديناميكا الحرارية".

بالرغم من أن هيرزوج يقر بأن بعض الشركات قد تجني أرباحًا، فإنه يشكك في احتمالية الاستفادة من ثاني أكسيد الكربون، مشيرًا إلى أنه سيكون له آثار مهمة على البيئة. كان هيرزوج أحد المؤلفين الرئيسيين للتقرير الخاص الذي أصدرته الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) في عام 2005 حول احتجاز ثاني أكسيد الكربون وتخزينه، ويقول إن ما توصل إليه التقرير حول الاستفادة من ثاني أكسيد الكربون لا يزال صحيحًا وقائمًا: احتمال خفض مستويات انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية ضئيلة. فحتى لو استخدمت الصناعات الكيميائية ثاني أكسيد الكربون لإنتاج جميع منتجاتها -وهو أمر يراه الجميع مستبعدًا- فإن ذلك لا يكفي لاستهلاك جميع الانبعاثات.

تدرك كندرا كول -المؤسس المشارك لشركة أوباس 12، وهي شركة ناشئة في بيركلي بولاية كاليفورنيا- أن الاستفادة من ثاني أكسيد الكربون لن تحل مشكلة الانبعاثات العالمية تمامًا. وتعمل الشركة على تطوير مفاعل كهروكيميائي يستخدم محفزات جديدة بالإضافة إلى الكهرباء المتجددة لتحويل ثاني أكسيد الكربون إلى عناصر بوليمرية أساسية ومركبات كيميائية أخرى. وقد صرحت كول بأن أوباس 12 ستنافس للحصول على جائزة "كربون إكس برايز". وعلى الرغم من عدم وجود طلبٍ كافٍ على المنتجات لاستهلاك كميات هائلة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، فإن كول ترى أنه نظرًا للعواقب البيئية للاستمرار في الحفر والتنقيب لاستخراج الوقود الأحفوري لتغذية صناعة البتروكيماويات فإن الأمر يستحق أن نحاول استخدام ثاني أكسيد الكربون كبديل؛ "نحن بحاجة إلى أسلوب جديد لتطبيق الكيمياء".