في دولة تحتضن أراضيها ما يقرب من خُمس حجم الألغام في العالم، ظلت المعادلة الصعبة ممثلة في كيفية التخلص من ذلك العدد الهائل من "حقول الموت"، بما يتطلبه من موارد مالية ضخمة، مع الحفاظ على أرواح البشر باعتبارها أغلى ما تملكه الدول، إلى أن فتح فرع حديث نسبيًّا من العلوم الهندسية، يُطلق عليه المختصون اسم "ميكاترونيك"، بابًا لحل هذه المعادلة المعقدة، من خلال التوصل إلى ابتكار "روبوت" يمكنه الكشف عن الألغام في البيئات والظروف المناخية المختلفة، وبأقل التكاليف.

وتختص هندسة الـ"ميكاترونيك" بتصنيع آلات يمكن تحريكها والتحكم بها آليًّا عن بعد، وتتميز بأنها تجمع بين أفرع أخرى للعلوم الهندسية، منها الهندسة الميكانيكية، وهندسة الكمبيوتر، وهندسة الإلكترونيات، والتحكم الآلي، كما أنها تتطور بصورة مذهلة من يوم إلى آخر. وأصبح هذا الفرع بمنزلة كلمة السر لاقتحام مناطق لم يتمكن الإنسان من بلوغها من قبل، أو ربما تواجهه مخاطر مؤكدة في حالة الوصول إليها.

ممنوع الاقتراب

وتشكل الألغام الأرضية والمتفجرات الناتجة عن مخلفات الحرب تهديدًا، لا لمصر وحدها فحسب، بل لأكثر من 80 بلدًا في مختلف أنحاء العالم.

ولأكثر من 70 عامًا، ظلت الألغام التي زرعها «جنود الحلفاء»، وفي مقدمتهم بريطانيا، ودولتا «المحور»، ألمانيا وإيطاليا، في صحراء مصر الغربية خلال الحرب العالمية الثانية، تحول دون أن تمتد يد العمران إلى مساحة تُقدر بأكثر من 287 ألف هكتار، أي حوالي 683 ألف فدان، وفق أحدث تقرير للأمانة التنفيذية لإزالة الألغام وتنمية الساحل الشمالي الغربي، التابعة لوزارة التعاون الدولي.

وتُعَد مصر من أكثر دول العالم تضررًا من الألغام، والآثار المترتبة عليها من خسائر في أرواح الآلاف من الأبرياء، وإعاقة أي استفادة من كافة الموارد المتاحة في المناطق التي زُرعت فيها.

وتشير التقديرات الرسمية إلى أن هناك ما يربو على 21 مليون لغم جرت زراعتها في الأراضي المصرية إبان الحرب العالمية الثانية، منها 17.2 مليونًا في منطقة العلمين بالصحراء الغربية، كما زرع الجيش الإسرائيلي آلاف الألغام في عدة مناطق بشبه جزيرة سيناء... وأدى وجود هذا العدد الهائل من الألغام والأجسام القابلة للانفجار إلى العديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.

تقع مدينة العلمين عند منطقة "الكيلو 106" على طريق الإسكندرية- مرسى مطروح شمال غرب القاهرة على ساحل البحر المتوسط، ويبلغ عدد سكانها نحو 11 ألف نسمة.

الموت المدفون تحت الأرض

"أعداء الأمس باتوا حلفاء اليوم، وصراعات الماضي أصبحت في طي النسيان، وربما تكون مدفونة في الأرض مع الألغام القاتلة والذخائر غير المتفجرة، التي خلفوها وراءهم"، هكذا بدأ مدير الأمانة التنفيذية لإزالة الألغام، المهندس محروس الكيلاني، حديثه عن "حقول الموت" التي تنتشر على الساحل الشمالي الغربي، بدءًا من غرب الإسكندرية حتى الحدود مع ليبيا، وبعمق يمتد عشرات الكيلومترات داخل الصحراء الغربية.

ويشير الكيلاني إلى أن الأمانة التنفيذية لسلاح المهندسين العسكريين بالقوات المسلحة المصرية بدأت باستخدام معدات غير تقليدية، منها أجهزة روبوتية، لا لاكتشاف أماكن الألغام فحسب، لكن لتفجيرها في أماكن وجودها أيضًا، ومنها آليات تطهير ميكانيكية بريطانية ماركة "آرم تراك"، باستخدام أذرع دوارة، تعمل كـ"محاريث" لتقليب التربة، وبعمق يصل إلى أكثر من 1.5 متر.

ويقول الكيلاني -وهو أيضًا خبير عسكري-: إن بعثة أوفدتها الأمم المتحدة إلى مصر، بناءً على طلب من الحكومة المصرية، خلصت إلى أن "وجود الملايين من الألغام والذخائر التي لم تنفجر من مخلفات الحرب العالمية الثانية، لا تمثل فقط تهديدًا خطيرًا لحياة وسلامة البشر ممن يرتادون المناطق الموبوءة، وإنما تمثل أيضًا حرمانًا لمصر من الاستفادة من عائد تنمية الموارد الطبيعية الهائلة، التي يحفل بها الساحل الشمالي الغربي وظهيره الصحراوي".

وتتمثل أبرز المشكلات الناجمة عن انتشار هذا العدد الهائل من الألغام في الأراضي المصرية، في عدم الاستفادة من مناطق واعدة، وتوقف استصلاح قرابة مليون من الفدادين الصالحة للزراعة، وعرقلة تنفيذ العديد من المشروعات القومية، كما أن المنطقة المزروعة بالألغام، وخاصة منطقة الساحل الشمالي الغربي، تتمتع بثروات بترولية وتعدينية هائلة.

إضافة إلى ذلك، تمثل المنطقة التي تتركز فيها الألغام، أحد مراكز الجذب السكاني للخروج من الوادي الضيق وخلق مجتمع تنموي جديد بين الإسكندرية ومطروح، كما تعوق الألغام إمكانية الاستفادة من القدرات السياحية الهائلة المتوفرة في المنطقة، ووفق "المركز الوطني لإزالة الألغام"، فقد تسببت الألغام في إحداث آلاف الوفيات والإصابات بين أهالي المناطق المتضررة.

أبرز المعوِّقات

ولكن يبدو أن باب الأمل الذي فتحه مهندسو الـ"ميكاترونيك" ما زال مُوصَدًا بعدد من المعوِّقات، التي قد تحول دون استخدام الروبوت عمليًّا في اكتشاف أماكن الألغام وتحديدها، ورغم أن القوات المسلحة المصرية بدأت باستخدام معدات روبوتية، يمكن تسييرها والتحكم فيها من بعد، لفتح معابر داخل حقول الألغام المحتملة، إلا أن الكيلاني لفت إلى أن هناك مشكلتين رئيسيتين قد تحولان دون التوجه إلى استخدام الروبوتات على نطاق واسع في الكشف عن ألغام حقيقية، رغم ذلك "النجاح الظاهري" في رصد أجسام معدنية غير متفجرة.

يقول: إن المشكلة الأولى تتمثل في أن "قدرة الروبوتات محدودة لتغطية هذه المساحة الشاسعة التي تنتشر فيها الألغام والأجسام المتفجرة، وبالتالي نحتاج لعشرات السنين لإعداد خريطة توضح أماكن الألغام أو الأجسام المتفجرة أو غير المتفجرة، التي ترصدها مستكشفات المعادن المزودة بها تلك الروبوتات".

وأضاف: أما المشكلة الثانية فتتعلق بالمخاطر المادية التي قد تنجم عن هذا التوجه، إذ إنه "عندما يرصد أحد الروبوتات لغمًا أو جسمًا معدنيًّا، فإنه يتوقف عنده ليرسل إشارة تحدد مكانه، ومن ثَم يتابع مهمته وسط حقل الألغام، وبالتالي فإنه قد يمر على اللغم الذي تم رصده، مما يؤدي إلى انفجاره وتدمير الروبوت، مؤكدًا أن حقول الألغام في الصحراء الغربية معروفة بأنها "كثيفة الألغام"، حيث يحتوي القطاع الطولي بعرض متر واحد على 12 لغمًا".

وأضاف أنه من المرجح أن تكون هناك شظايا من المواد المتفجرة تحت الأرض، وتسبب هذه البقايا مشكلات في أجهزة الكشف عن المعادن الأساسية؛ لأنها تُظهر الشظايا المعدنية في شكل ألغام، كما أن هناك أنواعًا أخرى من الألغام، كتلك المغلفة بالبلاستيك أو بغلاف خشبي، والتي تحوي مشغلات على شكل قطع صغيرة جدًّا من المعدن، مما يحول دون اكتشافها.

عالم خال من الألغام

يقول نائب رئيس الجمعية الروبوتية والأتمتة، التابعة لمعهد مهندسى الكهرباء والإلكترونيات العالمي، فرع  الجامعة الألمانية بالقاهرة، الدكتور هشام الشريف لمجلة «للعلم»: إن الروبوتات أثبتت قدرتها على اكتشاف الألغام وتحديد أماكنها، سواء كانت سطحية أو مدفونة تحت الأرض، أو في تضاريس وعرة، كما تمكنت من تصميم خريطة علمية دقيقة تحدد أماكن تلك الألغام، بما يسهِّل التعامل معها أو تفجيرها عن بعد.

وأضاف: يعتمد عمل روبوت الكشف عن الألغام على وجود مستشعر للمعادن "حساس، مزود بملف يتولى رسم الإشارات الكهرومغناطيسية التي يلتقطها المستشعر ويحولها إلى نبضات كهربائية، يتم إرسالها إلى جهاز كمبيوتر، ليقوم برنامج بتحديد مكان الإشارة عن طريق عدد لفات إحدى عجلات الروبوت، ثم يقوم بتصميم خريطة محدد عليها كافة النقاط التي يتم إرسال نبضات كهربائية بها، تمثل أماكن وجود الألغام، كما يتم التمييز بين الألغام المكتشفة على سطح الأرض أو تحت الأرض بألوان مختلفة للنقاط على الخريطة.

وأوضح أن غالبية الروبوتات تتميز بأنها مزودة بـ6 عجلات عريضة، بحيث يمكنها الحركة في مختلِف أنواع الأراضي، ويتم تصنيعها من مواد غير مكلفة، لها القدرة على تحمل درجات الحرارة المرتفعة، كما أنها تعتمد على الشمس مصدرًا للطاقة، وتتراوح تكلفة تصنيع الواحد منها بين 10 و20 ألف جنيه مصري (قرابة 2000 دولار).

وخلال السنوات الأخيرة، بدأت الجامعات المصرية تولي اهتمامًا بالمشاركة في المسابقات والمعارض الدولية للروبوتات، ففي عام 2013 استضافت الجامعة الألمانية بالقاهرة المسابقة الروبوتية السنوية الدولية "نحو عالم خال من الألغام"، بمشاركة 79 فريقًا من مختلف جامعات العالم.

"تيراميسو".. نظرة إيجابية

ويرى الدكتور ماكي حبيب -أستاذ الهندسة الميكانيكية بالجامعة الأمريكية- أن استخدام الروبوتات يسرع عملية إزالة الألغام، ويجنب خبراء الإزالة الاتصال الجسدي المباشر مع الألغام".

ويشير حبيب إلى أن الساحل الشمالي بمصر مليء بالألغام منذ الحرب العالمية الثانية، وأن تغير مستويات الرمال في المنطقة يؤدي إلى دفع الألغام بشكل أعمق تحت الأرض.

ويعمل حبيب -وهو مدير برنامج الدراسات العليا في الروبوتات والتحكم والنظم، ومؤسس تخصص "ميكاترونيك" بالجامعة، وهو باحث في مشروع أوروبي يعمل على دمج تقنيات مختلفة لبناء مجموعة من الأدوات الأساسية المطلوبة لإزالة الألغام، ويهدف المشروع المعروف باسم "تيراميسو" إلى توفير الأدوات الأساسية العالمية، التي من شأنها أن تغطي الأنشطة الرئيسية للأمم المتحدة الخاصة بإزالة الألغام، والتي تتنوع من مسح مناطق واسعة، إلى التخلص الفعلي من أخطار المتفجرات، ويتضمن ذلك تعليم المخاطر الناتجة عن الألغام، وإحدى هذه الأدوات هي استخدام الروبوتات لإزالة الألغام.

وأحرز حبيب تقدمًا كبيرًا في مجال روبوتات إزالة الألغام، ويقول عن ذلك إن معظم البلدان التي تعاني من الألغام فقيرة، وليس لديها الدراية الفنية العالية، وتمثل الروبوتات خفيفة الوزن والمحمولة نوعًا من التكنولوجيا التي تتيح للعملاء استخدامها بسهولة، وفي الوقت نفسه تضع في الاعتبار استخدام الموارد المحلية في تطويرها.

 والروبوت الأول الذي قام حبيب وفريقه بتطويره لإزالة الألغام PEMEX-B، هو روبوت محمول ومنخفض التكلفة، ومزود بعجلات دراجة جبلية، يمكن تكييفها باستخدام المواد المحلية، مثل الخيزران أو أي موارد محلية ملائمة.

ويضيف حبيب: "بالإضافة إلى استخدام الموارد المحلية، يجب أن تكون الروبوتات ذكية ولديها آلية مرنة.. يجب أن تكون قادرة على التعلم من الخبرة، ويجب أن يتم السيطرة على تحركاتها، وأن يكون فيها أجهزة استشعار لضمان السلامة".

كما يجب أن تكون لدى روبوتات إزالة الألغام القدرة على التحرك في الأراضي الموحلة والرملية، سواء كانت منطقة صخرية أو عشبية، أو حتى غابة، ولهذا الغرض وضع حبيب أنظمة ملاحة مزودة بتقنيات لتجنب العقبات التي قد تعرقل مسار الروبوت، ولمساعدته على الانتقال إلى بحث فعال في المنطقة الملغومة، وضمان تغطية المنطقة وإيصال المعلومات اللازمة على النحو المطلوب.

المناطق الموبوءة

وحيث إنه لا توجد حاليًّا دولة واحدة من الدول الموبوءة بالألغام الأرضية تم إعلانها خالية من الألغام، فإن حبيب ما زال يعمل على بناء قاعدة بيانات عالمية للتكنولوجيا في مجال مكافحة الألغام المدمرة، ويقول عن ذلك: "الأدوات التي يتم تنفيذها تمثل خطوة إلى الأمام في تشكيل حل موحد وشامل لتطهير مناطق واسعة من أخطار المتفجرات"، ويوضح أن إزالة الألغام هي خطوة أولى حاسمة لإعادة إعمار البلدان التي مرت بصراعات، ويعد الهدف الأساسي من إزالة الألغام هو التطهير الكلي للأراضي من كل أنواع الألغام والذخائر غير المتفجرة بعد.

وفي الوقت الراهن، يبقى الأمل في استخدام الروبوتات لتحديد أماكن الألغام وتصميم خرائط بها أحد الخيارات المتاحة التي لا يجب تغافلها، وإنما يحتاج إلى مزيد من الدراسة والتطوير، بما يسمح باستخدامها عمليًّا، خاصةً أن عدم وجود مثل هذه الخرائط ظل لفترة طويلة العقبة الرئيسية أمام جهود تطهير "حقول الموت" في صحراء مصر الغربية.