لعلاج الألم المزمن الذي يداهم مرضى السرطان والسكري و"التروما" (Trauma)، نتيجة اعتلال الأعصاب الناجم عن تلف الأعصاب المستشعرة للألم، لا يجد الأطباء ملجأً سوى الوصفات الطبية التي تعتمد على مسكنات الألم الأفيونية، التي زاد استخدامها زيادةً كبيرةً منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي.

وتكمن خطورة المسكنات الأفيونية في المتاعب التي تعقُب تناولها، بدايةً من الشعور بالنعاس عند تناول جرعات قليلة، وانتهاءً بإبطاء التنفس وضربات القلب، ما قد يؤدي إلى الوفاة، كما يمكن أن تؤجج مشاعر المتعة الناجمة عن تناول تلك المسكنات الرغبة في استمرار الشعور بتلك المشاعر، ما يقود إلى الإدمان.

عالميًّا، يشيع إدمان مسكنات الألم الأفيونية؛ إذ يعاني حوالي مليوني شخص في الولايات المتحدة وحدها من ذلك، وفقًا للمعهد الوطني الأمريكي لتعاطي المخدرات (NIDA)، ورغم ذلك لا تزال تلك المسكنات هي السبيل الوحيدة أمام ما يقرب من ثلث الأمريكيين الذين يعانون من الآلام المزمنة.

وعلى الرغم من الحاجة الماسة إلى أدوية أكثر أمانًا لمواجهة الألم، فإن تطوير دواء جديد بوصفة طبية يستغرق عادةً أكثر من عقد من الزمن، ويحتاج إلى أكثر من ملياري دولار، وفق دراسة علمية، ما دفع فريقًا من جامعة تكساس ساوث وسترن الأمريكية إلى البحث عن بديل آمن وأقل تكلفة، استنادًا إلى الأدوية التي وافقت عليها بالفعل هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA).

اكتشف الفريق أن مزيجًا من 3 مضادات حيوية معتمدة منذ 1970 يمكن أن يمنع نوعًا من الألم الناتج عن تلف الأعصاب في نموذج حيواني، وقد يوفر هذا الاكتشاف الذي نشرته دورية وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم في أمريكا (PNAS) بديلًا لمسكنات الألم الأفيونية التي تسبب الإدمان لعلاج ألم الاعتلال العصبي (Neuropathic Pain).

جاءت نتائج فريق جامعة تكساس ساوث وسترن الأمريكية الذي يقوده 3 باحثين مصريين هم: إيناس قنديل، أستاذ مساعد في التخدير وإدارة الألم، وهشام صادق، أستاذ الطب الباطني والبيولوجيا الجزيئية والفيزياء الحيوية، ومحمود سلامة، مدرس في قسم الطب الباطني، بعد دراسة استغرقت 3 سنوات من العمل المتواصل، للبحث عن بديل آمن لمسكنات الألم الأفيونية.

مرض التهاب الأعصاب الطرفية

"سلامة" تحدث لـ"للعلم" عن مسببات مرض التهاب الأعصاب الطرفية أو ألم الاعتلال العصبي، وأرجعه إلى 3 مسببات رئيسية، هي: الإصابة بأمراض السكري والسرطان نتيجة تناول الأدوية الكيماوية، بالإضافة إلى اضطراب كرب ما بعد الصدمة -أو ما يُعرف بالتروما النفسية (Trauma)- وهو حالة من التضرر الفيزيائي للجسم ناجمة عن مؤثر خارجي يتعرض له الإنسان، كما في الحوادث والحروب.

وأضاف أن خط الأدوية المعروف في أمريكا لمرضى التهاب الأعصاب الطرفية هو مسكنات الألم الأفيونية، لكن نظرًا لزيادة عدد مَن يعانون من الألم المزمن في البلاد لأكثر من 100 مليون أمريكي، وتزايُد عدد مدمني تلك العقاقير، كان هناك توجهٌ وطني لتمويل البحوث التي تركز على إيجاد بدائل آمنة لتلك المسكنات، لا تقود إلى الإدمان.

وعن سبب اختيار أدوية معتمدة بالفعل لإجراء التجارب عليها، أوضح "سلامة" أن عملية اكتشاف دواء جديد -بدايةً من المادة الخام التي تنشأ من العدم، مرورًا بتطوير مركبات دوائية واعتمادها في صورة دواء ونزوله الأسواق- تستغرق من 10 أعوام إلى 15 عامًا، بالإضافة إلى التكلفة التي تفوق مليارَي دولار، وهذا لن يخدم فكرة الوصول إلى دواء جديد يعالج هذه المشكلة سريعًا.

وأضاف: "لذلك اتجه الفريق إلى البحث عن بدائل في مكتبة الأدوية المعتمدة بالفعل من الـ(FDA)، والتي يفوق عددها 2000 دواء، لدراسة مركباتها الكيميائية وإعادة تدويرها لتحقق الهدف المطلوب، توفيرًا للوقت والجهد والتكلفة، وهو ما يختصر حوالي 7 سنوات من مدة اكتشاف دواء جديد".

وتابع أن الاتجاه إلى العقاقير المعتمدة بالفعل وإعادة تدويرها لعلاج أمراض أخرى، هو اتجاه عالمي ظهر بقوة خلال العقد الماضي، وتجلى بشكل أكبر خلال جائحة "كوفيد-19"، في محاولة لتسريع الخطى من أجل إيجاد دواء فعال للمرض في وقت سريع، إذ جرت الاستعانة بأدوية مثل "هيدروكسي كلوروكوين" وغيرها في علاج المرض.

بروتين (EphB1)

وخلال البحث في مكتبة أدوية الـ(FDA)، كان المحدد الرئيسي للفريق هو إيجاد أدوية هياكلها الجزيئية لها الشكل والكيمياء المناسبان للارتباط ببروتين (EphB1)، وهو بروتين موجود على سطح الخلايا العصبية، اكتشفه أحد المشاركين بالدراسة، وهو البروفيسور مارك هينكمير وزملاؤه منذ ما يقرب من 20 عامًا، وبعدها عكف على دراسة تأثيره على أمراض مختلفة، منها التهاب الأعصاب الطرفية.

وأظهرت الأبحاث التي أجراها "هينكمير" وفريقه أن هذا البروتين هو مفتاح إنتاج آلام الأعصاب، إذ تبين أن الفئران المعدلة وراثيًّا التي جرت إزالة هذا البروتين منها لم تشعر بألم الأعصاب، بالإضافة إلى أن الفئران التي لديها نصف الكمية المعتادة من هذا البروتين تقاوم آلام الأعصاب، ما جعله هدفًا علاجيًّا واعدًا لأدوية تسكين الألم، لكن لسوء الحظ لم تكن هناك أدوية معروفة تعطل (EphB1).

وهنا جاء دور "سلامة"، حسبما أوضح، لإجراء مسح لمكتبة الأدوية المعتمدة بالفعل من الـ(FDA)، بواسطة أداة طورها الباحث تعتمد على المحاكاة الحاسوبية (Computer simulation) لاختيار الأدوية التي يمكن أن تتفاعل مع بروتين (EphB1) عبر استهداف مناطق منه، إذ وجد أنه من بين 2000 دواء معتمد، هناك 15 دواءً فقط يمكن أن يحقق هذا الغرض.

وأضاف أن الفريق أجرى تجاربه لقياس فاعلية الـ15 دواء على البروتين، لاختيار أفضلها وفقًا لمعايير أبرزها قلة الآثار الجانبية، بالإضافة إلى قوة التفاعل مع البروتين، مع استبعاد أدوية السرطان؛ لشدة أعراضها الجانبية.

وبناءً على النتائج، أشار "سلامة" إلى أنه تم الاستقرار على تقليص العدد إلى 3 أدوية تنتمي إلى عائلة "تتراسيكلين" (Tetracycline)، وهي مضادات حيوية معتمدة ومستخدمة منذ عام 1970 هي: "الديميكلوسيكلين" (Demeclocycline)‏ و"الكلورتتراسيكلين" (Chlortetracycline) و"المينوسيكلين" (Minocycline)، وهي جميعًا تتمتع بتاريخ طويل من الاستخدام الآمن والحد الأدنى من الآثار الجانبية.

تجارب متنوعة

تم إجراء تجارب على تلك الأدوية الثلاثة، على 3 نماذج حيوانية مصابة بالتهاب الأعصاب الطرفية الحاد والمزمن، ووجد الفريق أن الدواء الواحد يختلف في فاعليته عن تناول الدواءين معًا، كما وجدوا أنه عند خلط الأدوية الـ3 مجتمعة وحقنها في حيوانات التجارب، فإنها تُضعف ردود الفعل تجاه فرط التألم الحراري (Thermal hyperalgesia) الذي جرت محاكاته عن طريق حَقن أرجل الفئران بمواد كيميائية تجعلها أكثر حساسيةً للألم، وتم تسليط أشعة الليزر عليها لمحاكاة التعرض للحرارة الشديدة، بالإضافة إلى اختبار تحمُّلها الضغط فيما يُعرف بـ(Mechanical allodynia) الذي يقيس رد الفعل تجاه الضغط على الأرجل الحساسة للألم، وذلك في إطار الدراسات السلوكية التي تقيس مدى تفاعُل الفئران مع المؤثرات أو المحفزات الحرارية والميكانيكية، وفقًا لـ"سلامة".

وجد الفريق أيضًا أنه قبل تناول الأدوية، فإن الفئران استشعرت الألم وأبعدت أرجلها عن مصدر الحرارة، كما شعرت بالضغط، في المقابل، فإنها بعد حقنها بالأدوية الـ3 مجتمعةً تركت أرجلها معرضةً لمصدر الليزر ولم تشعر بالحرارة، كما أنها لم تشعر بالضغط عليها، بما يعني أن تلك الأدوية تحقق تأثيرًا أكبر في تخفيف الألم وبجرعات أقل، مقارنةً باستخدام كل دواء على حدة.

وأوضح "سلامة" أنه عندما فحص الباحثون أدمغة هذه الحيوانات وأحبالها الشوكية، وجدوا أنه تم تعطيل بروتين (EphB1) على خلايا هذه الأنسجة، وهو السبب المحتمل لمقاومتها للألم، مستنتجين أن المزيج الدوائي قد يكون قادرًا على تخفيف الألم لدى البشر أيضًا، وهي المرحلة التالية من هذا البحث.

وبعد انتهاء دراسة حيوانات التجارب، أجرى الفريق تجارب أخرى على مستوى البروتينات، للتحقق مما إذا كانت هذه الأدوية يمكن أن ترتبط ببروتين (EphB1) وتعطِّله، إذ قام الفريق بدمج هذا البروتين مع الأدوية المختارة في أطباق بتري المختبرية، ووجد أن كلًّا من الأدوية الـ3 منفردة، تثبط البروتين بجرعات منخفضة نسبيًّا.

ثم استخدم الباحث الصيني المشارك في الدراسة بينج وانج، باحث ما بعد الدكتوراة في الطب الباطني، علم البلورات بالأشعة السينية (X-ray crystallography) لتصوير بنية بروتين (EphB1)، إذ حصل على صور لبنية هذا البروتين في أثناء تفاعله مع "كلورتتراسيكلين"، وهو أحد الأدوية الثلاثة المختارة، ووجدوا أن هذا الدواء يوجد داخل بنية البلورات الكريستالية لبروتين (EphB1)، وهي جزء أساسي وضروري لعمل هذا البروتين، وهذا ما أهَّل البحث للنشر في دورية (PNAS).

وحول أهمية النتائج، قال "سلامة": إن الدراسة تفتح الباب على مصراعيه أمام الباحثين لإجراء تجارب في هذا المجال للبحث عن عقاقير تستهدف بروتين (EphB1)، لأننا تمكنَّا لأول مرة من تحديد العقاقير التي تتفاعل مع هذا البروتين، بالإضافة إلى تصوير دواء "كلورتتراسيكلين" داخل جيوب هذا البروتين، وكيف يتفاعل الدواء مع البروتين.

وعن الخطوات المقبلة للفريق، أضاف "سلامة" أن النتائج التي تحققت تمكِّن الفريق من إجراء تجارب سريرية، وهي الخطوة التالية التي تسعى إيناس قنديل -أستاذ مساعد في التخدير وإدارة الألم- إلى تحقيقها بعد استيفاء بعض الموافقات المتعلقة بلجنة الأخلاقيات ولجنة الأبحاث.

اختراق جديد

حسين الصباغ -أستاذ الكيمياء الصيدلية المتفرغ في كلية الصيدلة بجامعة المنصورة- اعتبر أن نتائج البحث تُعَدُّ بمنزلة اختراق جديد، وفق قوله، وتطبيق ناجح في مجال إعادة تموضع الدواء (Drug repositioning) واستخدامه في علاج أمراض أخرى، رغم عدم حداثة الفكرة، واتجاه العلماء إليها منذ فترة.

وأضاف في تصريحات لـ"للعلم" أن الدراسة اشتملت على عدة فوائد، أُولاها فكرة إعادة استخدام الدواء لتوافر عوامل أمانه على المرضى وبالتالي تلافي تأثيراته الجانبية، لأنه حاصل بالفعل على موافقة الـ(FDA)، وهذا يوفر الوقت والجهد، خاصةً على مستوى التجارب السريرية التي سيُجريها الفريق على البشر، والتي ستكون قليلة التكلفة وبسيطة؛ لأنها ستقتصر فقط على ضبط الجرعة اللازمة للمرضى، والطريقة المُثلى لتناول الدواء سواء عبر الفم أو الحقن، ولن تتطرق إلى الأعراض الجانبية للدواء، الذي ثبت أمانه بالفعل قبل اعتماده منذ عشرات السنين.

وتابع أن ثانية الفوائد أن الفريق استعان بتقنية النمذجة الجزيئية باستخدام الحاسوب، والتي آتت ثمارها ونجحت في اختيار الأدوية التي يمكن أن تتعامل مع بروتين (EphB1)، ليس ذلك وحسب، بل إن الفريق أثبت أيضًا أن هذا البروتين مرتبط بمرض التهاب الأعصاب الطرفية، ما يجعله هدفًا علاجيًّا واعدًا يفتح المجال أمام علماء آخرين لإيجاد أدوية أخرى تتفاعل مع هذا البروتين، بالإضافة إلى استغلال تقنية النمذجة الجزيئية في البحث عن استخدامات أخرى للأدوية المعتمدة بالفعل.

وأشار "الصباغ" إلى أن ثالثة الفوائد أن الفريق استخدم عائلة "تتراسيكلين" لعلاج التهاب الأعصاب الطرفية بدلًا من مسكنات الألم الأفيونية، وهو من المضادات الحيوية غير المُجدية، ولم تعد تُستخدم على نطاق واسع؛ لأن البكتيريا اكتسبت مناعةً ضدها، وبالتالي أصبحت من المضادات الحيوية المهملة، ومصانع الأدوية بدأت تعزف عن إنتاج الكثير منها لهذه الأسباب، وجاءت الدراسة لتعيد الطلب عليها من جديد لاستخدامات أخرى تتعلق بتسكين الألم، والاستفادة منها نظرًا لانخفاض تكلفتها ورخص ثمنها، وهذا ما يُضفي على البحث أهميةً كبيرة.

منهجية منضبطة

من جانبها، رأت ياسمين عطية -أستاذ الأدوية والسموم المساعد في كلية الصيدلة بالجامعة البريطانية في مصر- أن ما يميز نتائج هذه الدراسة، أنها سلكت اتجاه إعادة توجيه الأدوية الحاصلة على موافقة من الـ(FDA)، وبالتالي فإنها تختصر الكثير من الوقت والجهد والأموال التي تهدر في تطوير دواء جديد، قد لا يحقق النتائج المرجوة منه بعد نزوله إلى الأسواق.

وأضافت في تصريحات لـ"للعلم"، أن نتائج الدراسة جاءت عبر منهجية علمية منضبطة، وخضعت لتجارب متعددة، بدايةً من تحديد الهدف وهو اختيار أدوية يمكن أن تتفاعل مع بروتين (EphB1)، مرورًا بإجراء مسح لحوالي 2000 دواء معتمد، للاستقرار على 3 أدوية فقط، وانتهاءً بإجراء تجارب معملية دقيقة ومتعددة لتلك الأدوية، ليثبت الفريق في النهاية أن نتائجه ليست محض صدفة، بل تمت عبر أُسُس منهجية وعلمية دقيقة.

مقاومة المضادات الحيوية

وعن المخاوف بشأن حدوث مقاومة المضادات الحيوية، نتيجة استخدامها لعلاج الألم، وبذلك نكون قد عالجنا مشكلةً وأحدثنا أزمةً أخرى، رأى "سلامة" أن تلك المخاوف ربما تكون مشروعة، وهذا سيتحدد بشكل جذري خلال التجارب الإكلينيكية التي تحدد الخطر والمنافع وراء استخدام تلك الأدوية في علاج الألم.

لكن "الصباغ" استبعد فكرة حدوث مقاومة للمضادات الحيوية بسبب استخدام عائلة "تتراسيكلين"؛ لأن الغرض هنا لن يكون القضاء على البكتيريا، ولكن خط العلاج هنا سيكون مختلفًا تمامًا، وهو علاج الألم.

في حين أشارت ياسمين عطية إلى أن بعض هذه العقاقير بعيدًا عن كونه مضادًّا حيويًّا فإنه يُستخدم بالفعل لأمراض مزمنة ولفترات طويلة، كاستخدام "الديميكلوسيكلين" في علاج متلازمة الإفراز غير الملائم للهرمون المضاد لإدرار البول، و"المينوسيكلين" في علاج حب الشباب والتهاب المفاصل الروماتويدي.