مع بدايات القرن الحادي والعشرين، أدى التقدم المتسارع وغير المسبوق في علوم الروبوت والذكاء الاصطناعي إلى زيادة الاعتماد على الروبوتات في أداء العديد من المهمات في مختلف المجالات؛ إذ بدأت الروبوتات بالفعل تحل محل البشر في العديد من الوظائف في مجالات مختلفة. الأمر الذي دفع العديد من الخبراء والمختصين إلى توقُّع هيمنة الروبوتات على البشر مستقبلًا في سيناريوهات سوداوية، أججتها روايات وأفلام الخيال العلمي.

وبعيدًا عن تنبؤات الخيال العلمي تلك، يطرح العلماء والباحثون عددًا من الأسئلة العلمية الرصينة حول استخدام الروبوتات في العديد من المجالات، محاولين استشراف المستقبل.

حاول فريق بحثي الإجابة عن السؤال التالي: هل يمكن للروبوتات أن تحل محل البشر في مجال التعليم؟ وذلك من خلال دراسة نُشرت مؤخرًا في دورية ساينس روبوتيكس Science Robotics عن استخدام الروبوتات في التعليم ومدى فاعليتها.

الفريق الذي يتألف من باحثين بجامعات "جنت" في بلجيكا، و"بلايموث" بالمملكة المتحدة، و"يال" بالولايات المتحدة الأمريكية، و"تسوكوبا" باليابان قام بدراسة الكيفية التي يتم بها استخدام الروبوتات في مجال التدريس ومدى التفاعل الاجتماعي مع الطلاب.

كشفت نتائج الدراسة عن وجود العديد من التحديات التي تواجه استخدام ما يُعرف بالروبوت الاجتماعي في التعليم والتدريس، وذلك من خلال مراجعة نتائج أكثر من 100 بحث ودراسة تم إجراؤها مؤخرًا في هذا الصدد.

وخلصت إلى أنه على الرغم من قيام الروبوتات الاجتماعية بدور فعال في عملية التدريس، إلا أن ذلك يكون في نطاق محدود ومقتصرًا على بعض الموضوعات الدراسية؛ إذ إنها تعجز عن تدريس الكثير من الموضوعات الدراسية بالفاعلية ذاتها.

وتشدد الدراسة على أن الدور الفعال للروبوتات الاجتماعية في التدريس بقدراتها الحالية يقتصر على تعليم اللغات والرياضيات، وتحديدًا في موضوعات معينة كالكلمات والاصطلاحات والكتابة والأعداد الأولية، وأنه يمكنها فقط أن تؤدي دورًا مساهمًا في تعليم الأطفال والطلاب الصغار وزيادة فاعلية نواتج العملية التعليمية.

إمكانيات لا تزال محدودة

وتُرجع الدراسة السبب الرئيسي في ذلك إلى بعض العوائق التقنية لدى الروبوتات، مما يتسبب في محدودية قدراتها على التفاعل بشكل كامل مع المتعلمين؛ إذ إن قدرات الروبوت على تعرُّف حديث البشر لا تزال محدودةً بعض الشيء، مما يجعلها غير قادرة على تعرُّف ما ينطقه الأطفال من كلمات خاصة مع عدم قدرتهم على نطق الكلمات والحروف نطقًا صحيحًا في سن مبكرة.

بالإضافة إلى ذلك فإن مستوى الذكاء الاصطناعي الحالي للروبوتات يحد من قدراتها على إدراك أقوال الطلاب وأفعالهم بشكل كامل، بجانب التصرف والتفاعل مع الطلاب على أكمل وجه بغرض تعليمهم وتوجيههم.

لذا فقد انتهت نتائج الدراسة إلى أن الروبوتات الاجتماعية لن تحل محل العنصر البشري من معلمين ومربيين في مجال التعليم في المستقبل القريب، وأنه على الرغم من فاعليتها في تدريس بعض الموضوعات الدراسية فسيقتصر استخدامها على أدوار مساعدة المعلمين فقط.

يقول "توني بيلبايمي" –أستاذ علم الروبوتات بجامعتي "جنت" البلجيكية و"بلايموث" البريطانية والباحث الرئيسي بالدراسة- إنه يعتقد أن الروبوت لن يحل محل المعلم على الإطلاق، وذلك بسبب عدم القدرة على محاكاة قدرات المعلم ومهاراته بشكل كامل لدى الروبوت، حتى في المستقبل القريب.

ويشدد بيلبايمي على أن أولياء الأمور لن يوافقوا على أن يصبح تعليم أطفالهم مسؤولية الروبوتات بشكل كامل.

تطرح تلك النقطة سؤالًا أخلاقيًّا كبيرًا ينبغي على المجتمع بأكمله المشاركة في إجابته حول الدور الذي ينبغي أن تؤديه الروبوتات في التعليم.

يعقب بيلبايمي على ذلك قائلًا: "قبل إشراك الروبوتات في التعليم، ينبغي التحدث مع جميع الأطراف المعنية من معلمين وطلاب بجانب أولياء الأمور والباحثين"، مشددًا على أن تكنولوجيا الروبوتات تعدنا بالعديد من الإمكانيات، لكن ينبغي التأكد من حدوث ذلك بشكل صحيح.

وهذا ما يؤكده "عمر مبين" -الباحث بمجال الروبوت بجامعة "سيدني الغربية" الأسترالية، والذي لم يشارك في الدراسة- بقوله: "على الرغم من قيمة الروبوتات الاجتماعية، تفتقر إلى الذاتية والصلابة لتحل محل المعلم البشري بشكل كامل".

يقترح مبين أنه ينبغي تركيز الجهود على تطوير الروبوت الاجتماعي لمساعدة المعلمين، كما يجب تزويد المعلمين بالوسائل اللازمة للتفاعل مع تلك الروبوتات.

وسائل مساعدة

يُعد استخدام الروبوتات في التعليم أمرًا قائمًا بالفعل منذ عدة أعوام، بل ويتوسع بشكل مطرد كما تشير العديد من الدراسات البحثية السابقة، إذ يتم استخدام الروبوتات في العملية التعليمية، كوسائل مساعدة لتعليم بعض المفاهيم في مجال العلوم والتكنولوجيا، كالبرمجة على سبيل المثال.

بالإضافة إلى هذا، فإن يُعرف باسم الروبوتات الاجتماعية، جرى بناؤها وتصميمها للقيام بوظيفة التدريس بصورة أساسية، وذلك من خلال التفاعل بشكل اجتماعي مع المتعلمين بطريقة مشابهة لتفاعل المعلمين مع طلابهم.

يوضح مبين: "تمتلك الروبوتات الاجتماعية العديد من الإمكانيات للتفاعل والتواصل مع البشر. وبالتالي يمكن استخدامها في عدد من المجالات التعليمية كتعلُّم اللغات والموسيقى ومهارات القراءة والكتابة"، مضيفًا أن عددًا من الأبحاث السابقة تشير إلى أن الأطفال أو الطلاب الصغار يكونون أكثر ارتباطًا وانخراطًا من خلال التفاعل مع الروبوتات الاجتماعية.

يشرح ذلك "بيلبايمي": "اكتشفنا مؤخرًا أن الروبوتات الاجتماعية أكثر فاعليةً من الوسائل التعليمية المعتمدة على الشاشات".

ويضيف أن المحتوى التعليمي الذي يتم تدريسه عبر شاشات الحاسبات الآلية أو الأجهزة اللوحية يفتقر إلى العنصر الاجتماعي ثلاثي الأبعاد، والذي يُعَد مهمًّا للغاية لعملية التعلم، بينما نجد أن الروبوتات الاجتماعية تجعل المتعلم أكثر انتباهًا وتجاوبًا وتساعد على تحفيزه، وكل تلك الأمور ضرورية لحدوث التعلم.

تحديات وعوائق

ولكن يواجه استخدام الروبوتات الاجتماعية في التدريس العديد من المشكلات والتحديات التي تواجه العملية التعليمية حاليًّا، يوضح بيلبايمي: "من أهم المشكلات التي تواجه التعليم حاليًّا زيادة تنوع الطلاب بالفصول واختلاف قدراتهم، مما يخلق حاجة إلى طرق للتدريس تراعي الفروق الفردية، لكن ضعف الميزانيات الموجهة للتعليم يحول دون ذلك".

وأضاف: ومع ذلك أعتقد أنه يمكن للروبوتات أن تؤدي دورًا في هذا الأمر، إذ يمكن للروبوت توفير تدريس شخصي موجه للفرد، ويمكنني تخيل أن الفصل الدراسي في المستقبل يضم عددًا من الروبوتات يقومون بمساعدة الطلاب الذين يحتاجون إلى مزيد من الدعم، أو الذين يرغبون في تعلم المزيد.