بمرور العمر نفقد قدراتنا المعرفية والإدراكية شيئًا فشيئًا، يصبح من الصعب تذكُّر الأماكن، والأسماء، وحتى الوجوه، قد ترى شريك عمرك الذي أمضيت بصحبته الجزء الأكبر من حياتك ولا تعرفه، قد لا تتذكر أسماء أحفادك أو الشارع الذي نشأت فيه، حالة مرضية تُعرف بفقدان الذاكرة المصاحب للشيخوخة قد تسلب منك أغلى ذكرياتك، جميعنا قد نكون شهدنا معاناة أحد معارفنا من كبار السن من جَرَّاء هذه الحالة، ونتساءل إن كان هناك حلٌّ أم أن الأوان قد فات.

نجح فريق بحثي يضم علماء من جامعة كامبريدج وجامعة لييدز في عكس فقدان الذاكرة المرتبط بالعمر لدى الفئران، ويعتقد الباحثون أن اكتشافهم قد يؤدي إلى تطوير علاجات تمنع فقدان الذاكرة لدى البشر مع تقدمهم في العمر.

في الدراسة التي نُشرت نتائجها في دورية مولكيولار سايكاتري Molecular Psychiatry التابعة لمجموعة "نيتشر للأبحاث"، أظهر الفريق البحثي أن التغيُّرات في المادة الموجودة حول الخلايا العصبية في الدماغ -والمعروفة باسم "السقالات"- مسؤولة عن فقدان الذاكرة مع تقدم العمر، ولكن من الممكن عكس هذه العملية باستخدام أحد العلاجات الجينية.

المرونة العصبية

اعتقد العلماء قديمًا أن تطور الدماغ يتوقف بعد البلوغ، الأمر الذي تبيَّن فيما بعد أنه اعتقاد خطأ حين توصلوا إلى ما يُعرف الآن بالمرونة العصبية، التي تعني قدرة الدماغ على التغير والتطور والتعلم وإصلاح أي ضرر يلحق به؛ للتكيُّف مع السلوكيات التي نعملها.

أظهرت نتائج دراسات سابقة أدلةً عديدةً على دور الشبكات المحيطة بالخلايا العصبية (PNNs) في توليد المرونة العصبية وصنع الذكريات، تعتبر PNNs هياكل شبيهة بالغضاريف تحيط في الغالب بالخلايا العصبية المُثبطة في الدماغ، وتبدأ في الظهور عند البشر من سن الخامسة، وتتحكم في مستوى المرونة العصبية، عكف الفريق البحثي من جامعتي كامبريدج وليدز على دراسة شبكات (PNNs) ودورها في التأثير على المرونة العصبية منذ عام 2001، مما قادهم إلى اكتشافهم الحديث.

تحتوي PNNs على مركَّبات تُعرف باسم كبريتات كُوندرويتين، بعض هذه الكبريتات، مثل كبريتات كُوندرويتين-4، يثبط عمل شبكات PNNs، مما يثبط المرونة العصبية، وبعضها الآخر، مثل كبريتات كُوندرويتين-6، يعزز المرونة العصبية، مع تقدمنا ​​في العمر يتغير توازن هذه المركبات، ومع انخفاض مستويات كبريتات كُوندرويتين-6، تتغير قدرتنا على التعلُّم وتشكيل ذكريات جديدة، مما يؤدي إلى ضعف الذاكرة.

يقول بريس ماندر، أستاذ الطب النفسي والسلوك البشري المساعد، في جامعة كاليفورنيا (إرفاين) الأمريكية، لم يشارك في الدراسة: "هذه الدراسة قد تكون مهمةً للغاية، إذ يبدو أن مركب كبريتات كُوندرويتين-6 قابلٌ للتعديل، ويحتمل أن يقدم هدفًا جديدًا لمكافحة التدهور المعرفي المرتبط بالعمر".

الجدير بالذكر أن مستويات كبريتات كُوندرويتين-4 وكبريتات كُوندرويتين-6 قد تتغير بعد التعرض لإصابةٍ ما، وفي حالة الالتهاب أيضًا، ولكن التغيرات في مستوى هذه المركبات ترتبط بشكل أساسي بالتطور والتقدم في العمر.

الشبكات المحيطة بالخلايا العصبية (PNNs) موضحة حول نقطة تشابك عصبي. Dr. James W. Fawcett

اختبارات الذاكرة

أراد الفريق البحثي معرفة ما إذا كان التلاعُب بكبريتات كُوندرويتين يمكن أن يعيد المرونة العصبية في مرحلة الشيخوخة لدى نماذج حيوانية من الفئران، فحص الفريق مجموعةً من الفئران المُسنة عمرها 20 شهرًا -تُعتبر متقدمة في السن جدًّا- ومجموعة أصغر سنًّا -عمرها ستة أشهر فقط- وذلك باستخدام مجموعة من الاختبارات التي أظهرت أن الفئران المُسنة تعاني من ضعف في الذاكرة، مقارنةً بالفئران صغيرة السن.                                

تضمَّن أحد الاختبارات معرفة ما إذا كانت الفئران قد تعرفت على شيء محدد، يضع الباحثون أحد الفئران في بداية متاهة على شكل حرف Y ويتركونه لاستكشاف شيئين متطابقين في نهاية ذراعي المتاهة، بعد فترة وجيزة، يوضع الفأر مرةً أخرى في المتاهة، ولكن هذه المرة يجري تضمين ذراع واحدة على شيء مختلف، أما الأخرى فتحوي نسخة مكررة من الشيء المستخدم في المهمة الأولى، قاس الباحثون مقدار الوقت الذي يقضيه الفأر في استكشاف كلٍّ من الشيئين لمعرفة ما إذا كان قد تذكَّر الشيء الذي رآه في المهمة السابقة، كانت الفئران الأكبر سنًّا أقلَّ قدرةً على تذكُّر الشيء المكرر.

يقول جيمس فوسيت -أستاذ ورئيس قسم علوم الأعصاب السريرية بمركز كامبريدج لإصلاح الدماغ، والباحث المشرف على الدراسة- في حديثه مع "للعلم": "يمكن استعادة الذاكرة عن طريق تصحيح التغييرات التي تطرأ على مركب الكبريتات وإعادتها إلى النمط الموجود في الدماغ الشاب، لقد أجرينا ذلك عن طريق حقن ناقل فيروسي في الدماغ يُنتج إنزيمًا من شأنه إعادة نمط الكبريتات لنسخة الشباب".

تقنية الناقل الفيروسي

عالج الفريق الفئران المسنة بالناقل الفيروسي، وهي آلية علاجية جينية مكَّنتهم من إعادة تكوين كبريتات كُوندرويتين-6 في شبكات PNNs، ووجدوا أن الفئران المتقدمة في العمر استعادت الذاكرة والقدرة على التعلم إلى مستوى مشابه لمستوى الفئران الأصغر سنًّا، ولتأكيد دور كبريتات كُوندرويتين-6 في فقدان الذاكرة، استخدم الباحثون فئرانًا مُعدلةً وراثيًّا بحيث تُنتج مستوياتٍ منخفضةً من المركب، وذلك لمحاكاة التغيرات التي تحدث مع تقدم العمر، بعد مرور 11 أسبوعًا، ظهرت على هذه الفئران علامات فقدان الذاكرة المبكر، استخدم الباحثون تقنية "الناقل الفيروسي" لزيادة مستويات كبريتات كُوندرويتين-6 لدى هذه الفئران، ما أدى إلى استعادة الفئران ذاكرتها ومرونتها العصبية إلى مستويات مماثلة للمستويات الموجودة لدى الفئران السليمة التي لم تخضع للتعديل الوراثي.

يُعَدُّ الناقل الفيروسي إحدى أهم أدوات التعديل الجيني التي يستخدمها الباحثون لتوصيل مادة وراثية إلى الخلايا، سواءٌ داخل الجسم أو في الخلايا المزروعة معمليًّا، استغل الباحثون في هذه التقنية قدرة الفيروسات على نقل المادة الوراثية الخاصة بها إلى الخلايا التي تصيبها بشكل فعال، واستُخدمت هذه التقنية لأول مرة في سبعينيات القرن الماضي، ومنذ ذلك الحين شاع استخدامها في العلاج الجيني فضلًا عن تطوير اللقاحات، وهي التقنية المستخدمة في تطوير بعض لقاحات كوفيد-19، لقاح أسترازينيكا أو لقاح جونسون آند جونسون.

يتزايد استخدام تقنية الناقل الفيروسي في علاج بعض الأمراض العصبية لدى البشر، في هذا السياق، كان فريقٌ بحثيٌّ آخر من جامعة كامبريدج قد نشر دراسة في مارس الماضي تُظهر إمكانية استخدام التقنية لإصلاح الأضرار الناجمة عن الجلوكوما -مرض يسبب تلف أنسجة العصب البصري- والخرف.

تُعد هذه الدراسة بارقة أمل لتوافر علاج لضعف الذاكرة المرتبط بالشيخوخة، بل لإمكانية تجنُّب حدوثه من البداية، أي الوقاية منه، يقول "ماندر": "لا يزال من غير الواضح كيف ولماذا يتأثر توازن كبريتات كُوندرويتين-6 وكبريتات كُوندرويتين-4 بالشيخوخة، ولكن نتائج هذه الدراسة قد تكشف عن أهداف جديدة يمكن استغلالها لوقف هذا الخلل قبل أن يبدأ، مما قد يمكِّننا من الحفاظ على المرونة العصبية والإدراك طوال العمر".

دائمًا ما يواجه الباحثون عقبات في عملهم، يقول "فوسيت": "العقبة الرئيسية التي واجهتنا كانت صعوبة العمل مع الحيوانات الكبيرة في السن، إذ تستغرق التجارب وقتًا طويلًا".

شيخوخة البشر وأمراض أخرى

أشاد إسحاق إبراهيم -طبيب وباحث في علوم الأعصاب- بأهمية الدراسة، معلقًا: "الشيخوخة عامل خطر مهم للأمراض المزمنة بشكل لا يمكن تجاهله، كما أن ضعف الذاكرة أو فقدانها هو أحد أهم الأعراض، سواء التي تنتج عن الضرر الجزيئي وتراكم النواتج الأيضية في الدماغ أو التي تنتج بشكل عام نتيجة أمراض مثل ألزهايمر والخرف".

أوضح "إبراهيم" أن هذا النوع من الدراسات -الذي يُجرى على نماذج الحيوانات- مهم للغاية، إذ يهدف إلى إيجاد الفجوات المعرفية وسدها، مما يكون له عظيم الأثر بشكل لا يقل أهميةً عن التجارب السريرية، التي تتوافر بكثرة، ويمكن لباحثين مختلفين تكرارها، وقد تحتوي على الكثير من نقاط الضعف، مما قد يؤثر على قوة الدليل المستخلص منها، يقول "إبراهيم": "الأبحاث التي تُجرى على نماذج الحيوانات تساعد بشكل كبير على فهم المرض وتقييم التدخلات العلاجية لمعرفة إمكانية تطبيقها على الإنسان".

يعتقد الباحثون أن الآلية العلاجية نفسها يجب أن تعمل في البشر؛ إذ إن الجزيئات والهياكل الموجودة في الدماغ البشري شبيهةٌ إلى حدٍّ كبير بالموجودة في القوارض، مما يشير إلى إمكانية الحد من فقدان الذاكرة في سن الشيخوخة لدى البشر، وبالفعل حدد الفريق البحثي بالفعل عقارًا محتملًا مرخصًا للاستخدام البشري -وذلك وفقًا للبيان الصحفي الذي أصدرته جامعة كامبريدج حول الدراسة- يمكن تناوله عن طريق الفم ويمنع تكوين شبكات PNNs، عندما عالجوا النماذج الحيوانية بهذا العقار، استعادت الفئران الذاكرة في الشيخوخة، والآن يدرس الباحثون ما إذا كان من الممكن أن يساعد هذا العقار في تخفيف فقدان الذاكرة في النماذج الحيوانية لمرض ألزهايمر، وأوضح "فوسيت" أنهم يعملون على أساليب مختلفة لإنتاج أدوية جديدة لاستعادة الذاكرة كذلك، وأنهم يطورون مُركبًا جديدًا من شأنه تثبيط تكوين شبكات PNNs.

أرجع "إبراهيم" نجاح الدراسة إلى الوسائل البحثية المصممة بشكل جيد والأهداف الواضحة التي وضعوها منذ بداية الدراسة، ولكنه كان ينتظر أن يرى نتائج هذه الاختبارات في عدة نماذج حيوانية مع عدة أشكال لفقدان الذاكرة وأمراض أخرى مثل ألزهايمر، يتفق "ماندر" مع "إبراهيم" ويقول: "تم تنفيذ الدراسة بطريقة منهجية واضحة، وستحتاج الدراسات المستقبلية إلى تأكيد ما إذا كان بإمكان العوامل التي تستهدف هذه الآلية التأثير على الإدراك بشكل آمن لدى كبار السن من البشر أيضًا"، ومشددًا على ضرورة إجراء المزيد من الدراسات التي تركز على السلامة.

يضيف "ماندر": "تُعد نتائج الدراسة أوليةً في الوقت الحالي، ولكنها تقدم الأمل في استهداف آليات التدهور المعرفي المرتبط بالعمر"، وأشار "إبراهيم" إلى أن الآلية العلاجية التي يقترحها الباحثون تحتاج إلى المزيد من الوقت قبل تنفيذها على البشر، إذ يقول: "بالتأكيد سوف تُستخدم هذه الآلية على البشر يومًا ما، ولكن إذا ما أثبتت كفاءتها في الأبحاث القادمة، إذ لا يزال أمامها مراحل طويلة، وربما لا تطبق على البشر قبل 10 أو 15 سنة"، وفق تقديره.