سان دييجو – ثمة لعبة مثيرة للاهتمام من ألعاب الهاتف يُطلق عليها "سي هيرو كويست" Sea Hero Quest، يقوم المستخدم فيها بتوجيه سفينة عبر الأمواج العاتية، ربما يقابله في الطريق بعض المخلوقات السحرية، وقد يمكنه التقاط صورة أو اثنتين ولكن تظل مهمته الأساسية هي الملاحة عبر متاهة من الممرات المائية حتى يتمكن من العثور على قطع متفرقة من مجلة فُقدت منذ أمد بعيد. ربما يضل المستخدم الطريق في بعض الأحيان ولكن لا بأس بذلك، ففي النهاية الأمر برمته ليس إلا تطبيق لعبة على الهاتف المحمول يسعى العلماء الذين صمموه إلى تتبع أداء المستخدم لمقارنة قدرات الملاحة المكانية لدى الأشخاص من مختلف الأعمار.

يتمثل الهدف النهائي من اللعبة في استخدام هذه البيانات لاكتشاف مشكلات معرفة الاتجاهات والطرق في وقت مبكر لدى ملايين الأشخاص المصابين بالخرف، على أمل أن ذلك ربما يقود العلماء إلى وضع اختبارات أفضل لاكتشاف ذلك المرض العضال. ويقول هوجو سبايرز -عالِم الأعصاب بكلية لندن الجامعية، وهو أحد العلماء الذين يقفون وراء تطبيق اللعبة الجديدة-: "من خلال وضع مخطط بياني عالمي لقدرات الملاحة المكانية لدى البشر، نود أن نبتكر الجيل الجديد من أدوات تشخيص مرض ألزهايمر". وقد قدم سبايرز نتائج الجولات الأولى من التحليل هذا الأسبوع في الاجتماع السنوي لجمعية علم الأعصاب في سان دييجو. وتقدم النتائج المبدئية مقياسًا أساسيًّا لقياس القدرات الملاحية لدى الأصحاء، كما أنه يكشف عن الاختلافات وفق السن والنوع والبلد.

يقول زاهينور إسماعيل -طبيب النفس والأعصاب بجامعة كالجاري، والذي لم يكن مشاركًا في هذا البحث-: "ثمة سمات كثيرة لمرض الخرف التي إما أن تكون غير إدراكية أو يصعب قياسها أو لا تقاس بصورة روتينية -مثل التغيرات في المِشية، أو الأعراض النفسية العصبية، أو السلوكيات– والتي يمكن أن تمنحنا بعض الإشارات المتعلقة بالمرض الذي يقف وراءها. وربما تكون القدرة على تحديد الاتجاهات والطرق من بين تلك السمات، ومن الممكن أن يكون وجود طريقة موثوق بها لقياس تلك القدرة مفيدًا في الاكتشاف المبكر للمرض أو في رصد التغيرات التي تحدث بمرور الوقت".

تعتمد الملاحة المكانية على المناطق الدماغية التي تتأثر في المعتاد بالمراحل المبكرة لمرض ألزهايمر. وقبل أن تبدأ المشكلات الحادة والواضحة في الذاكرة ويتم تشخيص المريض بأنه مصاب بالخرف، ربما يتحدث ذلك الشخص عن مشكلات أخرى تتعلق بفقدانه القدرة على تحديد الاتجاهات من حوله وتكرار أن يضل الطريق في الأماكن المألوفة له. غير أنه في تلك المرحلة المبكرة يكون من الصعب معرفة ما إذا كان الخلل الذي أصاب المهارات الملاحية للفرد يعود في حقيقة الأمر إلى إصابته بالمرض أم أنه ببساطة جزء من مرحلة الشيخوخة الطبيعية؛ لأننا في الوقت الراهن لا نمتلك فهمًا واضحًا لما تعنيه عبارة "المرحلة الطبيعية".

في الدراسة التي أجراها سبايرز وزملاؤه مؤخرًا كان هدف الباحثين هو تغيير ذلك الأمر من خلال وضع معيار قياسي لمهارة الملاحة المكانية لدى البشر؛ وهو ما يشبه إلى حدٍّ ما مخططات النمو عند الأطفال ولكن مع وضع أساس مشترك للمهارات الملاحية لدى البالغين والتي تتدهور مع تقدم السن. ولهذا احتاج الباحثون إلى أعداد ضخمة من الأفراد، ومن هنا جاءت فكرة حشد الجماهير للمشاركة في التجربة باستخدام تطبيق إحدى الألعاب.

قد لا تكون القدرات الملاحية داخل إحدى الألعاب مشابهة تمامًا لعملية الاهتداء إلى الطريق الصحيح في الحياة الواقعية. ولكن على الأرجح يستخدم الإنسان الآليات الإدراكية نفسها في كلا الموقفين، وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن مستويات الأداء في كلا الأمرين مرتبطة ببعضها ارتباطًا وثيقًا. ويقول سبايرز: "إذا كنت متميزًا في معرفة الطرق والاتجاهات، سوف تُبلي بلاءً حسنًا في اللعبة، أما إذا لم تكن بارعًا في إيجاد الطريق الصحيح في الحياة الواقعية، فسوف تعاني أيضًا في لعبة الفيديو"، مضيفًا أن فريقه لا يزال يخطط لعقد مقارنة في المستقبل القريب بين أداء الفرد في اللعبة وأدائه في الحياة الواقعية.

ومنذ إطلاق لعبة "سي هيرو كويست" في شهر مايو 2016، استخدم اللعبة ما يقرب من 2,5 مليون شخص (ورغم أنه ليس كل مَن بدأ اللعبة قد تمكن من إنهاء جميع مستوياتها، فمن الممكن تحليل البيانات الواردة من كل مستوى بشكل منفصل)، مما يجعلها واحدة من أكثر التجارب العلمية إبهارًا حتى وقتنا الحاضر من حيث العدد الهائل من المشاركين. وتقول كاثرين بوسين -الأستاذ المساعد في علم النفس العصبي بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، والتي لم تشارك في البحث-: "على حد علمي، لم يحدث من قبلُ مطلقًا أن جرى قياس الملاحة المكانية على هذا النطاق الواسع. وأتمنى أن تتاح الفرصة للباحثين لمتابعة هؤلاء الأفراد لقياس التغيرات في الأداء بمرور الوقت، وكيف يمكن لتلك التغيرات التنبؤ بتحول الأعراض إلى التدهور الإدراكي المعتدل أو مرض ألزهايمر".

وحتى الآن، كان من بين النتائج الرئيسية التي توصل إليها الباحثون من لعبة "سي هيرو كويست" حدوث تدهور خطي بسيط مع تقدم السن؛ بمعنى أنه بدايةً من عمر 19 سنة فصاعدًا تضعف مهارة الملاحة المكانية بانتظام عامًا بعد عام. فقد كان المستخدمون البالغون من العمر 19 عامًا قادرين على تذكر نقطة البداية التي انطلقوا منها ونجحوا في التصويب عليها بدقة بإطلاق شعلة ضوئية تجاهها في 74% من المرات، في حين انخفضت النسبة إلى 46% لدى الأشخاص الذين وصلوا إلى سن 75 عامًا.

من بين النتائج الأخرى التي توصل إليها الباحثون أن الرجال على ما يبدو يتفوقون في الأداء على النساء في هذه المهام تحديدًا. ورغم أن هذه النتيجة تبدو متفقة مع الافتراض الذي رسخ مدةً طويلة أن الرجال أفضل في معرفة الطرق والاتجاهات من النساء، فإنها ربما تعكس أيضًا أن الذكور لديهم خبرة أكبر في ممارسة ألعاب الفيديو. حاول الباحثون وضع هذه الاحتمالية في الحسبان، ولكنهم رغم ذلك وجدوا فارقًا في الأداء بين الجنسين. ومع ذلك، يشير سبايرز إلى أنه من الأصعب بكثير الوضع في الاعتبار الألعاب التي يمارسها الأولاد والبنات في سنوات الطفولة المبكرة، والتي يمكنها التأثير على تطور الدماغ والمهارات المكانية.

كذلك وجد الباحثون أيضًا حلقة وصل بين المهارات الملاحية والبلد الذي يعيش فيه المشاركون في الدراسة. فعلى سبيل المثال، اللاعبون الذين ينتمون إلى دول شمال أوروبا، مثل فنلندا والسويد والنرويج والدنمارك، أظهروا أعلى درجات المهارة الملاحية من بين جميع اللاعبين الذين ينتمون إلى أكثر من 190 دولة. جاء في المرتبة التالية اللاعبون من أستراليا ونيوزيلندا ثم أعقبهم اللاعبون من بقية دول أوروبا الشمالية الأخرى. ويعلق سبايرز قائلًا: "السؤال هو: لماذا؟ ولكن ليس لدينا إجابة بعد. إننا في الواقع لا نزال نستكشف الجانب السطحي الظاهري فقط؛ فهناك كمٌّ هائل من البيانات من كل شخص استخدم اللعبة ومنحنا جزءًا كبيرًا من وقته وطاقته. لا يزال أمامنا عامان من تحليل هذه البيانات".

يخطط الفريق البحثي في الصيف القادم للبدء في اختبار مرضى الخرف لمقارنة قدراتهم الملاحية بالمهارات الملاحية لدى الأصحاء. ويمكن لذلك الاختبار أيضًا أن تكون له الأفضلية على اختبارات الذاكرة القائمة على اللغة والتي يجري استخدامها في العيادات في الوقت الراهن، وذلك من خلال السماح للباحثين بمقارنة الأشخاص من بلد ما بنظرائهم من بلد آخر دون قلق بشأن عوامل الالتباس المحتملة نتيجة لاختلاف اللغات. ويضيف سبايرز: "إننا نأمل ليس فقط في أن تساعدنا هذه الدراسة في استهداف الأعراض المبدئية الأساسية لدى المرضى، وإنما أيضًا أن تقدم لنا اختبارًا غير قائم على اللغة بصفة عامة يمكن إجراؤه في أي مكان".