في حياتنا اليومية، وفي كل ما نمارسه من أعمال مهما كانت بسيطة -مثل رحلتنا إلى مقر عملنا- لا يمكننا الفرار من الضوضاء المنتشرة في كل مكان والتي تغزو حياتنا: ضوضاء حركة المرور في الشوارع، وأصوات آلات الحفر في مواقع البناء، والصوت الهادر لمترو الأنفاق، ناهيك بأصوات الموسيقى الصاخبة والنشرات الصوتية التي نضخها مباشرة إلى آذاننا.

رغم ذلك، على مدار سنوات طويلة كان ثمة اعتقاد شائع أنه طالما يمكننا اجتياز اختبار السمع، فإن كل شيء على ما يرام. ظلت هذه الفكرة سائدة حتى عام 2009، عندما اكتشف الباحثون ظاهرة تُسمَّى فقدان السمع "الخفي"، وهي على الأرجح من العوامل المُسهِمة في فقدان السمع التراكمي الذي يرتبط عادةً بالتقدم في السن. وقد نجح العلماء في مستشفى ماساتشوستس للعين والأذن حاليًّا في تطوير مجموعة من الأدوات لاكتشاف فقدان السمع الخفي، وهي خطوة مهمة لمعرفة حجم المشكلة وبالتالي معرفة كيفية علاجها. وقد نشر الباحثون النتائج التي توصلوا إليها في دورية "بلوس وان" PLoS ONE.

يرتبط فقدان السمع في الغالب بالتلف الذي يصيب ما يُسمَّى بالخلايا الشعرية داخل الأذن، وهي الخلايا المسؤولة عن استشعار الذبذبات في البيئة المحيطة وترجمتها إلى إشارات كيميائية تحفز العصب السمعي لإطلاق النبضات الكهربائية. في أثناء إجراء تخطيط السمع -وهو بمنزلة المعيار الأمثل لاختبارات السمع- ينصت المرضى إلى أصوات ذات ترددات مختلفة وبدرجات صوت مختلفة لتحديد الحد الأدنى للأصوات التي يمكنهم سماعها. وغالبًا فإن الأشخاص الذين أصيبت الخلايا الشعرية لديهم بالتلف يجدون صعوبة في سماع الأصوات المنخفضة عند ترددات معينة.

لكن تشير الأبحاث إلى أن التلف الذي يصيب حاسة السمع يبدأ في الواقع قبل تضرر الخلايا الشعرية بوقت طويل. في البداية، يصيب التلف الألياف الموجودة في العصب السمعي التي تتصل بالخلايا الشعرية وتساعد على السمع في الأوساط الصاخبة، وهذا هو الجانب "الخفي" في مسألة فقدان السمع الخفي. وقد ظلت هذه الظاهرة محاطةً بالغموض مدةً طويلة؛ لأن تخطيط السمع الذي يكون إجراؤه في غرفة هادئة لا يقوم بتنشيط ألياف العصب السمعي تلك، مما يعني أن المرضى يمكنهم اجتياز اختبار السمع حتى عندما تكون تلك الألياف قد أصابها الضرر بالفعل.

وقد وجدت الأبحاث السابقة مؤشرات على حدوث فقدان السمع الخفي لدى الفئران والكابياء الخنزيرية وحيوان الشنشيلة وأنسجة الأذن البشرية في تشريح ما بعد الوفاة. واتخذ ستيفان ميزون -العالِم المتخصص في فسيولوجيا السمع والمؤلف المشارك للدراسة- وزملاؤه الخطوة المنطقية التالية، ألا وهي دراسة فقدان السمع الخفي لدى المرضى من البشر. يقول ميزون: "في النهاية، يتمثل الهدف الرئيسي في التوصل إلى مقياس لفقدان السمع الخفي ليس متاحًا في العيادات في الوقت الراهن".

ولاختبار الأدوات التي عمل الباحثون على تطويرها، قسموا 34 متطوعًا تتراوح أعمارهم بين 18 و41 سنة إلى مجموعتين: مجموعة معرضة لمخاطر محدودة تتكون من طلاب جامعيين يدرسون "مواد هادئة" (مثل علم الاتصالات) ومجموعة معرضة لمخاطر عالية تضم في الأغلب طلاب الموسيقى الذين يتعرضون لأصوات صاخبة لمدة تتراوح بين 4 و6 ساعات يوميًّا.

اجتازت المجموعتان اختبار تخطيط السمع بسهولة ونجاح. ولكن عندما عمل الباحثون على توسيع مجال الاختبار ليشمل ترددات أعلى من تلك التي يجري تقييمها في المعتاد، واجهت المجموعة عالية المخاطر صعوبة في سماع الأصوات عند درجات صوت منخفضة.

كذلك زوَّد الباحثون المشاركين في الدراسة بأقطاب كهربائية لقياس كيفية استجابة العصب السمعي لدى كل متطوع للصوت (وقارنوا هذه الاستجابة باستجابة الخلايا الشعرية لدى كل متطوع من أجل خفض نسبة التبايُن). لدى أفراد المجموعة عالية المخاطر لم تكن استجابة الأعصاب السمعية للصوت بنفس قوة استجابة الأعصاب السمعية لدى أفراد المجموعة منخفضة المخاطر. وربما يكون الأمر المثير للدهشة أنه عندما طُلب من المشاركين الإنصات إلى كلمات معينة وترديدها بينما يتم تشغيل أصوات صاخبة في الخلفية، كان أداء أفراد المجموعة عالية المخاطر أسوأ بكثير من أداء المجموعة منخفضة المخاطر. وكانت النتيجة مماثلة عندما تم تسريع الكلمات وتشغيلها مع وجود صدى صوت في الخلفية.

وفي استبانة مصاحبة للاختبارات أوضح أفراد المجموعة عالية المخاطر أنهم "ينزعجون" من الأصوات اليومية العادية مثل نباح الكلاب أو بكاء الأطفال بدرجة أكبر من المجموعة منخفضة المخاطر. وإجمالًا، فإن تلك النتائج لا تكشف أن فقدان السمع الخفي يمكن أن يبدأ في سن مبكرة فحسب، وإنما تكشف أيضًا أنه ليس خفيًّا تمامًا في نهاية الأمر، بل إنه يؤثر تأثيرًا معاكسًا على جوانب متعددة من حاسة السمع لدينا، من ضمنها القدرة على التقاط الأصوات ذات الترددات العالية، والقدرة على السمع في الأوساط الصاخبة. يقول ميزون إنك عندما تكون في مكان هادئ "لن تلاحظ ذلك، ولكن عندما تذهب إلى مطعم أو مقهى ويكون هناك قدر كبير من الضوضاء في الخلفية، فسوف تشعر بالمعاناة".

يرى جابرييل كورفاس -الباحث بمعهد كريسج لأبحاث السمع التابع لجامعة ميشيجان، والذي لم يشارك في الدراسة- أن هذا العمل يُعَد خطوة مهمة في مجال دراسة فقدان السمع الخفي، فيقول: "يثير هذا العمل مسألة كيف أن تعريض أنفسنا في مرحلة الشباب لمستويات ضوضاء لا نعتقد أنها شديدة –في أثناء التعليم والترفيه وكذلك العمل- يمكن في واقع الأمر أن يؤثر على حاسة السمع لدينا مدى الحياة. كما أن هذا العمل يلفت الأنظار إلى ضرورة مناقشة إلى أي مدى نُعرض أنفسنا للضوضاء وكيف يمكننا حماية أنفسنا".

على المستوى الشخصي، فإن حماية أنفسنا من فقدان السمع الخفي يمكن أن تستدعي الحد من التعرض للضوضاء، واستخدام وسائل وقاية للأذن. أما على نطاق المجتمع، فربما يحتم ذلك إعادة النظر في المعايير الحالية التي تنظم مسألة الضوضاء في أماكن العمل.

لحسن الحظ، فإنه حتى بعد الإصابة بفقدان السمع الخفي لا يختفي بريق الأمل تمامًا. فقد أفاد كورفاس وفريقه في تقرير سابق أن علاج آذان الفئران التي تعرضت لأوساط صاخبة عن طريق عامل نمو يسمى نيوروتروفين 3 يمكنه أن يعكس آثار فقدان السمع الخفي بإصلاح قدر من التلف الذي تعرضت له ألياف العصب السمعي.

يأمل كورفاس أن يصبح بالإمكان في نهاية المطاف استخدام علاج مشابه مع البشر، وأن يكون ذلك العلاج أيضًا -من الناحية النظرية- خطوة مهمة في الوقاية من فقدان السمع المرتبط بالتقدم في السن. ويشير كورفاس إلى أن الأدوات المستخدمة في تشخيص فقدان السمع الخفي، مثل تلك التي قام بتطويرها فريق ميزون، سوف يكون لها دور جوهري في اختبار تلك العلاجات واكتشاف التلف في مرحلة مبكرة، حين يكون أكثر قابلية للعلاج.