"سرطان"، كلمة مفزعة يأمل أي مريض ألا يسمعها! ولكن لا مفر من الأقدار، فإذا وقع الشخص فريسة للسرطان كان منتهى أمله السيطرة على المرض داخل مكان واحد، والحيلولة دون انتشاره في أنحاء أخرى من الجسد. فهل هذا ممكن؟

لإجابة هذا السؤال نحتاج إلى معرفة من أين تخرج الخلايا السرطانية التي تنتشر في الجسم كله بعد ذلك، وكذلك الطريقة التي يحدث بها هذا الانتشار.

هذا ما بحثه علماء بمركز سكريبس للأبحاث بالولايات المتحدة، فبتتبُّع كيفية دخول الخلايا السرطانية إلى الدورة الدموية ومن ثَم انتشارها، لاحظ الفريق العلمي أن هذا يحدث مبكرًا عما كان يُظَن من قبل؛ وربما قبل رصد تشكُّل الورم الأساسي في بعض الأحيان.

وكشفت الدراسة التي نُشرت في مايو 2017 بدورية Cell Reports أن مرور الخلايا السرطانية من خلال الأوعية الدموية يحدث ويستمر بالتوازي مع انتشار خلايا الورم في الأنسجة المجاورة، وأن الخلايا تنتقل من اللب الداخلي للورم وليس من أطرافه.

كما يوضح التقرير أن الأورام الثانوية "النقيلة" تُعَد من أبرز أسباب الوفاة في حالات السرطان، وتشمل عدة مراحل، منها ما هو حرج مثل مرحلة الدخول الوعائي، وهي دخول الخلايا السرطانية للأوعية الدموية.

"أعتقد أن نتائج الدراسة يمكن أن تؤثر على الطريقة التي ننظر بها إلى انتشار السرطان وتطوُّر مراحله" وفق أحمد سمير، مدرس الباثولوجيا الإكلينيكية المساعد بالمعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة.

وتخالف الدراسة الاعتقاد السائد بأن الخلايا السرطانية تدخل الدم غالبًا في مرحلة متأخرة من تطور الورم بعد التعدي على الأنسجة المجاورة؛ إذ تشير إلى أن الورم يمكن أن يبدأ بإرسال خلايا سرطانية مبكرًا جدًّا، وبشكل مستقل عن انتهاك الأغشية المجاورة.

ويرى سمير ضرورة وجود خطوات لاحقة لتأكيد هذه النتائج وتعضيدها، "بعدها يمكن أن ننتقل إلى الخطوة التي تليها وهي التجارب البشرية".

إن تحديد تاريخ بدء حدوث الأورام الثانوية ظل زمنًا طويلًا إحدى المعضلات التي واجهت الباحثين. إذ استنتجت دراسات عدة أن النمط الأحادي لخلايا الأورام الثانوية يرجح أن الأورام الثانوية تنتقل بشكل متسلسل وليس على التوازي من الورم الأساسي.

ففي عام 2015 نُشرت دراسة بالدورية الأمريكية للسرطان، تشير إلى أن النمط الأحادي للخلايا لا يقدم دليلًا كافيًا لتسلسل الأورام الثانوية، لا سيما في غياب النمط المتعدد بشكل كامل لخلايا الورم الأساسي، فيظل وجود أورام ثانوية على التوازي احتمالًا منطقيًّا.

ما الجديد؟

لزمن طويل، ظل اختراق الأورام الأولية صعبًا على الباحثين، لكن هذه الدراسة نجحت في تطوير نماذج حيوانية تسمح بتحليل مجهري لانتشار خلايا الورم، إذ طوَّر الباحثون نموذجًا حيوانيًّا باستخدام أذن فأر تجارب وجنين فرخ دجاج للحصول على طبقات من الأغشية الرقيقة نسبيًّا لإجراء التجارب.

وتُعَدُّ هذه الدراسة الأولى التي يجرى فيها اختبار الأورام بالكامل، ومن ثَم ملاحظة حركة الخلايا السرطانية ومن أين تخرج، من خلال استخدام خلايا سرطانية مأخوذة من أورام بشرية سرطانية وليفية، ووسمها –تمييزها- ببروتين مزدهر (florescent protein) للتفرقة بينها وبين خلايا الحيوان المستخدم.

فعن طريق استخدام تقنية الفحص المجهري متحد البؤر عالية الدقة، تمكَّن الباحثون من رسم الأوعية الدموية عبر الورم بالكامل، من مركزه إلى أطرافه، ومن ثم تخطيط موقع كل خلية سرطانية بالنسبة لمركز أقرب الأوعية الدموية أو تلك التي جرت رؤيتها داخل الأوعية الدموية.

كشفت الدراسة أن أقل من 10% فقط من الخلايا الهاربة من الورم الأساسي هي التي تدخل الأوعية الدموية من خلال البراعم التي تهاجم الأغشية المجاورة للورم.

يقول حسن مختار -أستاذ بحوث السرطان، ورئيس البحوث في قسم الأمراض الجلدية بجامعة ويسكنسون بالولايات المتحدة-: "تُعَدُّ استنتاجات الدراسة مهمة، ولكنها تحتاج للتدرج قبل أن تبدأ التجارب الإكلينيكية على الإنسان، وهي مع ذلك تظل خطوة جوهرية للتفكير في أن الأورام الثانوية يمكن أن تبدأ مبكرًا خلال تدرُّج السرطان بشكل أكبر مما توقعناه من قبل".

كيف نستفيد من نتائج الدراسة؟

إن الاكتشافات الجديدة لها أهمية بالغة بالنسبة لمرضى السرطان، إذ تشير إلى أن الورم الأساسي لا يجب أن يكون من النوع عالي العدوانية حتى يرسل أورامًا ثانوية، وربما تجعل الأطباء يعيدون النظر في الإطار الزمني لانتشار السرطان كما تقترح الدراسة.

وبينما تكون الأورام الأكثر انتهاكًا أكثر عرضة للدخول الوعائي، يبدو أن عملية الدخول الوعائي تكون مستقلة عن الانتهاك.

لذا فهذا النموذج يقدم مدخلًا مميزًا لتطوير طريقة محايدة للتحديد والقياس الكمي؛ إذ قام الباحثون بتصميم تحليل صور متفرد معضد بسوفت وير يسمح بقياس كمي للدخول الوعائي الفعلي خلال كل المساحة التي يحتلها الورم الأساسي.

كذلك تشير النتائج بقوة إلى أن المدخل الذي استخدمته الدراسة، يسمح بشكل محايد تمامًا بتحديد موقع الورم الأساسي، والقياس الكمي بالحاسوب لخلايا هذا الورم التي دخلت الأوعية الدموية بالفعل أو لا زالت تقوم بعملية الدخول، وبالتالي وجودها بشكل كامل أو جزئي داخل الأوعية الدموية.

استخدام الدلالات كمدخل

يوافق وليد محمد -أستاذ بيولوجيا السرطان، ومدير البنك الحيوي بالمعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة- على أن الدراسة قد تُسهم في علاج السرطان والتقليل من حدوث الأورام الثانوية، لكن لا يزال تأثيرها غير مُختبَر في مُختلِف أنواع الأورام.

بينما يرى مختار أن من فجوات الدراسة أنها لا تتطرق إلى تحديد أهداف علاجية جديدة تساعد على التدخل الفعلي.

الجدير بالذكر أن الفريق البحثي وجد أن بروتين EGFR يُعَدُّ عاملًا محوريًّا لعملية الدخول الوعائي، وأن المستويات القليلة للـ EGFRوالتي تحدث طبيعيًّا أو بشكل مقصود مرتبطة بقلة ملحوظة في مرات الدخول الوعائي.

وبسؤاله عن تأثير نتائج الدراسة في علاج الأورام، يرى سمير أننا في عصر الطب الشخصي حيث تختلف الخطط العلاجية للمرضى بوجود دلالات بعينها أو غيابها، فيمكن مثلًا وفق ما ذكرت الدراسة من أن هناك علاقة بين الدخول الوعائي وبروتين الـEGFR، استخدام أجسام مضادة تستهدف الأورام التي يظهر فيها الـ EGFRوهي موجودة بالفعل.

بينما يرى مختار أن اكتشاف علاقة بروتين الـ EGFRبانتشار الورم تُعَدُّ طريقة جديدة في التعامل مع الأمور، ويجب التحقُّق منها بشكل منفصل.

خطوات مستقبلية:

يرى وليد أن المزيد من البحث ضروري، ولا سيما بالتركيز على عملية الدخول الوعائي وطريقة حدوثها؛ خاصةً وأن أنواع الأورام تختلف بشدة في مراحلها المتقدمة.

ويعتزم الباحثون في الخطوة التالية بحث الأدوار الوظيفية لأنواع الخلايا المختلفة في الورم الأساسي مثل كريات الدم البيضاء، والتي يمكن أن يكون لها دور محوري لدعم دخول خلايا السرطان للدورة الدموية.