"في زمن الحرب يصبح الصدق شيئًا ثمينًا، لا بد أن يُحاط بسياج من الأكاذيب"، مقولةٌ أوردها أستاذ العلوم السياسية الأمريكي "جون ميرشايمر" على لسان رئيس الوزراء البريطاني الراحل "ونستون تشرشل" في كتابه "لماذا يكذب القادة؟ حقيقة الكذب في العلاقات الدولية".

لا تختلف مقولة "تشرشل" كثيرًا عما ذهب إليه الفيلسوف والسياسي الإيطالي "مكيافيلي" من أن "الغاية تبرر الوسيلة"، كما أنها لا تختلف عما شهده تاريخ بعض رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية من قصص الكذب، والتي بات بعضها أشهر من قصص "ألف ليلة وليلة".

بعض تلك الأكاذيب جاء بسبب بحثهم عن كسب أصوات الناخبين من خلال التنصت على حملات منافسيهم، كما هو الحال بالنسبة للفضيحة الأشهر في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية "ووتر جيت"، التي أطاحت بالرئيس الأمريكي الأسبق "ريتشارد نيكسون" من كرسي البيت الأبيض، بعدما نفى إعطاءه أوامر لعناصر أمنية باقتحام مقر "حملة اللجنة الوطنية الديمقراطية"، ومع تواصل التحقيقات تبيَّن سقوط "نيكسون" في سلسلة لا تنتهي من الأكاذيب، ما اضطره إلى التنحِّي عن منصبه عام 1974.

وكان تورُّط الرئيس الأمريكي الأسبق "بيل كلينتون" في إقامة علاقة جنسية مع المتدربة في البيت الأبيض "مونيكا لوينسكي" أوضح دليل على "الكذب تحت القسم"؛ إذ نفى "كلينتون" –في البداية- إقامة هذه العلاقة قبل أن يضطر لاحقًا إلى الاعتراف بها، فضلًا عن الاتهامات المتبادلة بـ"الكذب" بين المرشح الجمهوري دونالد ترامب ومنافسه الديمقراطي جو بايدن، اللذَين يُعَدان فرسي الرهان في الانتخابات الرئاسية الأمريكية المُزمَع إجراؤها في 3 نوفمبر القادم، ما أثار تساؤلات كثيرة مثل: هل من حق الساسة الكذب على شعوبهم بحثًا عن أصوات الناخبين؟ و"هل ينجح الكذب كإستراتيجية في تحقيق الهدف من ورائه؟".

الكاذب أوفر حظًّا

في السياق كشفت دراسة أجراها فريق بحثي مشترك من جامعتي "باث" البريطانية و"كونستانز" الألمانية أن "الجمهور ربما يشعر بالملل من المرشحين الذين يقولون شيئًا ما في أثناء مسار العملية الانتخابية، ثم يفعلون شيئًا آخر عندما يتولون مناصبهم، لكن النتائج تؤكد أن المرشحين الصادقين قد يكونون أقل احتماليةً لكسب الانتخابات".

ووفق الدراسة، التي نشرتها دورية "إيكونوميك جورنال" (Economic Journal)، واعتمدت على النتائج المستخلصة من تجربة انتخابية معملية شارك فيها 308 أشخاص (بينهم 48% من النساء)، فإنه "على الرغم من أن الناخبين يرون أن الثقة والشرعية عاملان مهمان في اتخاذ قرار بشأن كيفية الإدلاء بأصواتهم، إلا أن المرشحين الذين يتقدمون في السياسة هم الأكثر استعدادًا للتراجُع عن وعودهم الانتخابية بعد الفوز بالانتخابات".

وبصيغةٍ أخرى أكثر شعبوية، فإن "المرشحين الذين يكذبون أكثر قد يتمتعون باحتمالات أكبر للفوز في الانتخابات مقارنةً بمنافسيهم الذي يسعون للوفاء بعهودهم الانتخابية"، وفق مايك شنايدر، الأستاذ المشارك في الاقتصاد بجامعة "باث"، والباحث الرئيسي في الدراسة.

يقول "شنايدر" في تصريحات لـ"للعلم": هذه أول دراسة تُجرى في المختبر لرصد كيف تؤثر مصداقية المرشح على فرص نجاحه في السياسة، وذلك من خلال لعبة تحاكي ما يحدث في سباق الانتخابات الأمريكية؛ إذ يجب أولًا اختيار المرشحين من قِبَل حزبهم للترشُّح لمنصب، ثم ثانيًا خوض الانتخابات ضد خصم من حزب آخر".

أهمية كبيرة

تحظى الدراسة بأهمية كبيرة في ظل تصاعد الحملة التنافسية بين "ترامب" و"بايدن"؛ إذ يشير تقرير أعدته وحدة التحقق من المعلومات بجريدة واشنطن بوست في يوليو الماضي إلى أنه "في غضون 1267 يومًا، قدم الرئيس دونالد ترامب 20.055 ادعاءً كاذبًا أو مضللًا خلال خطاباته السياسية، مشددةً على أنه "بالرغم من ذلك، إلا أن فرص فوزه بالمقعد الرئاسي لا تزال مرتفعة".

كما تكشف دراسة مسحية أجرتها مؤسسة "فايف ثيرتي إيت" البحثية الأمريكية، المهتمة بإجراء استطلاعات الرأي قُبيل الانتخابات الرئاسية، أنه "رغم تقدُّم بايدن بنسبة 9.0٪ على ترامب (51.4٪ مقابل 42.4٪)، إلا أن ترامب ما زال ينافس بضراوة للاحتفاظ بمنصبه داخل البيت الأبيض، وأن المحللين السياسيين ما زالوا يتوقعون حدوث سيناريو مشابه لما حدث في 2016؛ إذ كان الخطاب السياسي لمنافسته هيلارى كلينتون –آنذاك- أكثر مصداقية، لكن ترامب نجح في الفوز عليها في نهاية المطاف".

تضمَّنت الدراسة إجراء محاكاة للانتخابات الأمريكية التي تتم على مرحلتين: الأولى مرحلة الفوز بالانتخابات التمهيدية على مستوى الحزب؛ إذ سعى الباحثون لقياس مدى حرص المرشحين على تقديم وعود للمرور بمرحلة الاختيار. وكان المرشحون الذين قدموا وعودًا أكثر أصحاب النصيب الأكبر لبلوغ الجولة الثانية من الانتخابات.

في الخطوة الثانية، كان على المرشحين الذين تم اختيارهم للترشُّح للمنصب تحديد مقدار الأموال التي سيعهدون بها للناخبين في الانتخابات، وذلك في محاولة لكسب جمهور متردد، وذلك لقياس وعود المرشحين بشأن الضرائب والإنفاق، على سبيل المثال. وأخيرًا، تم سؤال المرشحين –بعد انتخابهم- حول كيفية اتخاذ القرارات فعليًّا خارج السباق الانتخابي، واختيار المبلغ الذي سينقلونه إلى الناخبين أو ما إذا كانوا سينكثون بوعودهم.

يقول "شنايدر": وجدنا أن المرشحين الأكثر حرصًا على بلوغ المرحلة الثانية كانوا أكثر ميلًا إلى الانحراف عما وعدوا به.

فتش عن الدافع

ترى نهال لطفي -المدرس بقسم علم النفس التربوي بكلية التربية في جامعة قناة السويس- أن "المرشح الذى يكون لديه استعداد للنكوص عن وعوده عادةً ما يؤمن بأن عليه اللعب بكافة الأوراق التي تضمن له تحقيق المكسب في نهاية المطاف".

تقول "لطفي" في تصريحات لـ"للعلم": يكون لدى هؤلاء الأفراد آليات دفاعية تكفل لهم خلق مسوِّغات منطقية لهذا الكذب الذين لا يعتقدون أنه كذب، بل تكون لديهم قناعات بأنهم يؤدون خدمةً للناخبين. فالمرشحون الكاذبون، قد يكونوا جاهزين دائمًا للإجابة عن كل الأسئلة وإطلاق الوعود بسخاء؛ لأنهم لا يستطعيون قراءة الموقف جيدًا، فتكون نظرتهم على المقعد، أما تلك الوعود فيتركها للظروف وفق اعتقاده، وذلك بعكس المرشحين الشرفاء الذين يتعهدون بتقديم ما يستطيعون في ضوء ملابسات الموقف. لذا تكون لدى المرشح الكاذب قدرات للإقناع ومهارات شخصية تجعل لديه قدرة للتأثير على الناخب من أجل بلوغ هدفه.

بدورها، تقول هناء عبيد، رئيسة التحرير السابقة لمجلة الديمقراطية: "إن هناك مقولة قديمة بأن السياسة ليست مجالًا للرجل الصالح، وهي مقولة آمن بها العديد من الفلاسفة وعلماء السياسة، وتؤيدها قناعات شعبية شائعة بعدم الثقة بأقوال أهل السياسة".

تضيف "عبيد" في تصريحات لـ"للعلم": تؤكد الدراسة الصادرة عن جامعتي "باث" و"كونستانز" صدق هذه المقولة، وتذهب الدراسة التي تستخدم نظرية المباريات إلى أن مَن لديهم استعداد للكذب هم الأوفر حظًّا في النجاح في الانتخابات. وبينما تخلص الدراسة إلى أن الكاذبين هم الأكثر نجاحًا في مجال السياسة، فإن التفاصيل التي تقدمها الدراسة تعطي بعض التفسير لهذا الاستنتاج الصادم.

وتتابع: وجدت الدراسة أن المرشح الطامح بشدة إلى السلطة يكون على استعداد لاستثمار كل ما يلزم من فرص ووقت وجهد في سبيل الفوز في الانتخابات، وبالتالي فهو الأوفر حظًّا في النجاح، لكن هذا المرشح ذاته يكون أكثر استعدادًا للنكوص عن وعوده الانتخابية بعد نجاحه. والتفسير المبطن لذلك ربما يرجع إلى الطموح الشخصي، والدافعية، والتركيز على فكرة النجاح، وهي المحركات الأساسية التي تضمن النجاح في عالم السياسة مقارنةً بالتمسُّك بالقناعات، أو التركيز على الوفاء بالالتزامات والوعود الانتخابية.

مصدر قلق

يعلق "شنايدر" قائلًا: يُظهر البحث لماذا قد لا يكون من المفاجئ جدًّا العثور على مرشحين يكذبون في أثناء المسار الانتخابي، ويجب أن يكون هذا مصدر قلق لنا جميعًا؛ نظرًا لانخفاض مستوى الثقة بأهل السياسة، وهناك مفارقة واضحة هنا فيما يتعلق بالناخبين، تقول إن ما ينقص السياسة هو ثقة أكبر، ومع ذلك فإن النتائج التي تشير إلى أن المرشحين الذين يكذبون أكثر يتمعتون بفرصة أكبر لتولِّي المنصب.

وتتوافق نتائج الدراسة مع ما توصلت اليه دراسة استقصائية، أجراها باحثون من جامعة "بومبيو فابرا" الإسبانية، ونشرتها دورية "بروسيدنجز أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينسس" في سبتمبر الماضي.

تشير الدراسة إلى أنه "رغم أهمية الصدق في السياسة، لا يوجد دليل علمي على نفور الناخبين من السياسيين الكاذبين"، مضيفةً أن "الباحثين قاموا بقياس تفضيلات قول الحقيقة في عينة من 816 سياسيًّا منتخبًا، ووجدوا أن السياسيين الذين يكرهون الكذب تكون لديهم معدلات إعادة انتخاب أقل، مما يعكس أن الصدق قد لا يؤتي ثماره في عالم السياسة".

يقول "شنايدر": يجب أن تكون هذه النتائج بمنزلة تذكير بأهمية تحدي الأكاذيب بين المرشحين، وزيادة الشفافية، وتحسينها في النظام السياسي؛ فالأفراد النزيهون يستثمرون الوقت والموارد للوصول إلى مناصبهم، لكنهم لن يتمكنوا من تجاوز منافسيهم غير الشرفاء، ولا بد من تحسين عامل الثقة عن طريق التحقق من الحقائق بشكل أكثر قوة، والشفافية حول تمويل الحملات الانتخابية، والتدقيق العام في وعود المرشحين.

تعميم النتائج

ردًّا على سؤال "للعلم" حول مدى إمكانية تعميم نتائج هذه الدراسة على كل المجتمعات، تقول "عبيد": "هناك بعض التحفظات على نتائج الدراسة وإمكانية تعميمها. فبينما تقدم الدراسة إسهامًا مهمًّا من حيث إنها تختبر عمليًّا تلك القناعات الشائعة عن السياسة وأهلها، وتقدم لها محاولة تفسيرية، فإن التعميم من خلال تجربة مختبرية محدودة تكتنفه المحاذير".

تضيف "عبيد": بالإضافة إلى ذلك، فإن الدراسة لا تقدم تفسيرًا وافيًا لسلوك الناخبين الذين قد ينتخبون (أو يعيدون انتخاب) مَن حنث بوعوده الانتخابية، أي قد تكافئ الكاذبين، كما أن الدراسة تشير إلى هذه المعضلة دون أن تفسرها، فبينما يؤكد الكثيرون أهمية عامل الثقة في اختيار مَن ينتخبون، إلا أن ذلك يتنافى مع ظاهرة الفرص الأوفر التي يجنيها مَن يكذبون في مجال السياسة.

وتتابع: ربما يكون اقتصار الدراسة على العوامل والسمات الشخصية للمرشحين هو السبب وراء هذا التناقض الظاهري، الأمر الذي يستوجب إجراء مزيد من الدراسات لمعرفة الأسباب التي تدفع الناخبين إلى إعطاء أصواتهم لمَن كذبوا عليهم، ومنها انتماءاتهم السياسية التي قد تجعلهم أكثر قابليةً لتصديق المرشح الذى يقدم قصةً متماسكةً أو متسقةً مع هوى الناخب، وبالتالي يكون أكثر قابليةً لتصديقه.