آلام مفاصل الركبة من الشكاوى الشائعة التي تصيب الأشخاص من جميع الأعمار وخاصة كبار السن، وبعيدًا عن أسبابها الشائعة مثل تمزُّق أحد الأربطة والغضروف، والالتهابات، والنقرس، أو زيادة الوزن، كشفت دراسة أمريكية حديثة أن نوعية الغذاء الذي نتناوله أيضًا قد تكون مسؤولةً عن هذه الحالة المرضية.

أوضح الباحثون بمؤسسة أوكلاهوما للأبحاث الطبية في الولايات المتحدة في دراسة حديثة نُشرت نتائجها في دورية (Disease Models & Mechanisms) العلمية، أن الإفراط في تناول الكربوهيدرات وتحديدًا النشويات الغنية بالسكر، يُسهم في الإصابة بالتهابات مفاصل الركبة.

ولكشف العلاقة بين نوعية الغذاء والإصابة بالتهاب المفاصل، راقب الفريق مجموعةً من الفئران التي اتبعت نظامًا غذائيًّا يعتمد على الكربوهيدرات، ووجدوا أن النشويات في النظام الغذائي، وخاصة السكريات، زادت من خطر حدوث التهاب المفصل العظمي في الركبة لدى الحيوانات، حتى وإن كانت أوزانها منخفضة.

ويرتبط التهاب المفاصل بآلام وانتفاخات تعوق حركة الأيدي والأرجل، الأمر الذي يؤثر بشكل كبير على قدرات التنقل والحركة، ويظهر في صورة ألم وتورم وصلابة في المفاصل، ويتطور الأمر إلى هشاشة العظام التي تؤثر على الملايين من الأشخاص في جميع أنحاء العالم.

ووفق الدراسة، يمكن لعوامل عدة أن تزيد من مخاطر التهاب مفاصل الركبة، أبرزها الأعمال البدنية التي تتطلب جهدًا مضاعفًا، والإصابات الجسدية السابقة، وتقدم العمر، والجينات الوراثية، لكن الوزن الزائد للجسم يُعَدُّ أكبر المخاطر التي تسبب آلام الركبة وهشاشة العظام.

وأضافت الدراسة أن السمنة أحد أهم العوامل التي تؤدي لتطور آلام مفصل الركبة، ومع ذلك، فإن الإستراتيجيات العلاجية للوقاية من هشاشة العظام المرتبطة بالسمنة محدودة؛ بسبب عدم التأكد من السبب الجذري للمرض.

الغذاء وآلام المفاصل

وقال "تيم جريفين"، قائد فريق البحث: "نحن نعلم أن السمنة عامل خطر رئيسي لالتهاب المفاصل؛ إذ تؤثر بشكل أساسي على مفصل الركبة واليد، إلا أننا لم نتمكن قبل ذلك من تقييم تأثير النظام الغذائي على خطر حدوث هذه الأمراض".

وفي حديث لـ"للعلم" أضاف: "نحن مهتمون برصد كيفية إسهام العوامل الغذائية في خطر الإصابة بالتهاب المفاصل"، موضحًا أنهم قاموا بتغذية الفئران بأنواع مختلفة من الوجبات الغذائية.

وأضاف: "اخترنا الفئران لأننا نستطيع تعديلها وراثيًّا لدراسة آليات المرض على المستوى الخلوي والجزيئي".

وأشار إلى أنه من الطبيعي أن نجد أن اتباع الفئران لنظام غذائي غني بالدهون ومنخفض الكربوهيدرات يزيد من خطر الإصابة بالتهاب المفاصل العظمي، لكن الجديد الذي توصلت إليه دراستنا أن تغذية الفئران بحمية عالية النشويات ومنخفضة الدهون يمكن أيضًا أن تسبب أمراض التهاب المفاصل".

وكشف جريفين أن هذا التطور حدث بالرغم من أن الفئران كانت هزيلةً ولم تكن مصابةً بالسمنة أو زيادة الوزن، ما يفيد بأن النظام الغذائي وتغيير الأيض أو التمثيل الغذائي يؤثران على خطر الإصابة بالتهاب المفاصل العظمي، حتى إذا لم يكن الشخص مصابًا بالسمنة.

الكربوهيدرات والدهون المفيدة

من جانبها، قالت "هيام القطري"، أستاذ التغذية المساعد بكلية العلوم الزراعية والأغذية بجامعة الملك فيصل بالسعودية: إن الدراسة توصلت إلى أن نوعية السكريات في الوجبة الغذائية تؤثر في تطور مرض التهاب المفاصل لدي الفئران، ومن المؤكد أن يكون هذا هو ما يحدث لدى الإنسان.

وأضافت في حديث لـ"للعلم" أن الدراسة أثبتت أن استهلاك السكروز -وهو المكون الرئيسي في الكربوهيدرات- بنسبة كبيرة يؤدي إلى الإصابة بالتهاب المفاصل، في حين يقل الخطر نسبيًّا عند استخدام نشا الذرة دون تغيُّر في وزن الجسم وكمية الدهون فيه، كما أن الوجبة الغنية بالدهون المشبعة تؤدي إلى النتيجة نفسها، ويقل هذا التأثير بتناول وجبات تحتوي على نسبة دهون أقل.

وأشارت القطري إلى أن نتائج هذه الدراسة تتفق مع النتائج التي حصلت هي شخصيًّا عليها في أثناء إعدادها لرسالة الدكتوراة في جامعة برلين التقنية بألمانيا عام 2012، والتي تناولت تأثير الأحماض الدهنية والجلوكوز على سلامة الكبد.

وأضافت أن دراستها أثبتت أن أنواع الأحماض الدهنية والسكريات تؤدي إلى نتائج مختلفة، إذ أثبتت أن الدهون المشبعة والجلوكوز كانا سببًا رئيسيًّا في تلف الكبد، في حين كانت الأحماض الدهنية غير المشبعة، والسكريات العديدة أو الألياف الغذائية، بمنزلة الحماية لسلامة الكبد، وهذا ما أوضحته هذه الدراسة نحو التهاب المفاصل، فليست كل الكربوهيدرات والدهون مضرة، ولكن بالدرجة الأولى نوعية كلٍّ منها، حتى وإن لم يكن هناك زيادة في وزن الجسم أو في محتوى الدهن فيه.

ووفق القطري، فإن نتائج الدراسة تنصح بضرورة زيادة الوعي تجاه تناول الأنواع المناسبة من الكربوهيدرات العديدة (الألياف الغذائية) مثل تناول الفاكهة كاملةً بقشورها بدلًا من عصيرها، وكذلك الخبز الأسمر، بدلًا من الخبز الأبيض، والدهون غير المشبعة مثل زيت كبد الحوت وزيت الزيتون وزيت بذرة الكتان، بدلًا من الدهون الحيوانية المشبعة.

كما نوَّهت القطري بأهمية مزاولة الرياضة لحرق الدهون بالجسم والوصول إلى وزن مثالي لا يتسبب في تآكل المفاصل والعظام أو التهابها.

خطط الفريق المستقبلية

وعلى صعيد آخر، وعن إمكانية تطبيق نتائج الدراسة على البشر، قال جريفين إنه من السابق لأوانه تقديم توصيات غذائية محددة، فلا نزال نحتاج إلى المزيد من البحث حتى نتمكن من فهم كيف يتسنى للأنظمة الغذائية مع مرور الوقت أن تتسبب في تغيُّرات في صحة المفاصل، كما أن هذه الدراسة أُجريت على الفئران الذكور فقط، ونحن الآن بصدد الانتهاء من دراسة مماثلة على الفئران الإناث، سوف تُظهر لنا إن كان هناك اختلافات بين الجنسين أم لا.

وعن خطط الفريق المستقبلية، نوه جريفين بأن هذه الدراسة تشير إلى أن دور النظام الغذائي والتمثيل الغذائي قد يكون أكثر أهميةً للحفاظ على صحة المفاصل مما كنا نعتقد من قبل، ونحن بحاجة إلى إيلاء جميع الجوانب الغذائية اهتمامًا أكبر، ولا يمكن الاعتماد على الاختلافات في وزن الجسم أو حجم الدهون فقط.

كما كشف جريفين أن الأطباء السريريين وعلماء الأوبئة يعملون حاليًّا على دراسة أنشطة لكيفية تأثير النظام الغذائي وعوامل التمثيل الغذائي على خطر الإصابة بالتهاب المفاصل العظمي بمعزل عن السمنة، "لذلك توفر دراستنا أدلةً جديدةً في هذا الإطار، مثل العلاقة بين ارتفاع استهلاك السكر والتهاب المفاصل، وإذا كانت هذه الروابط موجودة أيضًا لدى البشر، فإن الخطوة التالية ستكون دراسة مستقبلية لتحديد هذه العلاقة السببية"، وفق قوله. مضيفًا أن إحدى خطط الفريق المستقبلية، هي إجراء دراسة لبحث كيفية تأثير هذه المكونات الغذائية المختلفة على ميكروبات الأمعاء، بالإضافة إلى دراسة التغيرات التي تحدث في الغضروف نتيجة عملية التمثيل الغذائي للحميات المختلفة.